الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 577الرجوع إلى "الثقافة"

يحكى ان, الوزير . .

Share

" هذه القصة لا تمس أحدا ، وهى قصة خيالية ، لأني لا أعلم الغيب ، ولا أسمع ما تتحدث به الفوس "

كان يقطع غرفته ذهابا وإبابا ، وقد شبك يديه خلف ظهره وأحنى رأسه قليلا واتخذ سمة المفكر العالم انغمر في حل مشكلة من مشاكل الفكر

ولم يكن يشغله شئ من مشاغل الوظيفة أو ازمة من أزمات السياسة ، لم تكن هذه أو تلك ، وإنما كانت تدور في رأسه خواطر وأفكار جليلة خطيرة . .

كان يعرف أنه وزير ، وكان يعرف أن منصبه هذا ليس بالمنصب التافه الصغير . . بل كان على يقين من أن الوزارة لها مكانها ورفعتها ، ولا بد لمن يتسلمها أن يكون رفيعا خطيرا . . ولذلك فإنه منذ تسلم زمام الوزارة ، عمل بإخلاص وجهد لأن يكون كوظيفته جليلا مهما . فكانت له مكتبة جميلة مليئة بالكتب الضخمة المتنوعة العلوم ، من كتب الأدب والفلسفة والسياسة والرياضة والفلك بقديمها وحديثها . . وقد بذل الجهد والمال في تكوينها وترتيبها ولكن شيئا واحدا ظل يحرجه ويخجله وفيه كان يفكر ويسائل نفسه كيف يتدبر امره ، وكيف يتخلص من هذا الحرج وينزع من نفسه هذا الخجل . . أما هذا الشئ الذي يحرج الوزير ويحمله هو قراءة هذه الكتب التي جمعها . فقد حدث قبل ضعة أيام أن سأله صديق له ساخرا هما إذا كانت هذه الكتب للزينة أم للقراءة ؛ . ومنذ ذلك اليوم وهو يحاول أن يجد حلا لنفسه ولهذه الكتب وطريقا

يتحاشى به السنة أصدقائه الساخرة . . وها هو ذا يروح ويغدو ويقول لنفسه :

" من المستحيل أن أقرأ كل هذه الكتب ، بل عشرة منها . ومن أين آتي بالوقت ، أين هو الفراغ ، والحفلات كثيرة والمتاعب جمة . . ثم إني لا أحس الميل للمطالعة ، بل أنا ابغض الكتب وأبغض مؤلفيها منذ طفولتي ، فكيف أطالع الآن بعد أن غدت الحياة مليئة بالمشاغل التى لا تترك لي دقيقة واحدة اخلو فيها لنفسى ؟ ولماذا اقرأ هذه الكتب ؟ أما من السخافة أن أضيع الساعات من أيامي الجميلة في تصديع رأسي بتخريف هؤلاء المؤلفين ؟  .

ولكن كيف أسكت هذه الألسن الساخرة ؟ كيف افهمهم ياتى قدير على إدارة هذه الوزارة من غير حاجة إلى قراءة هذه الكتب ؟ هل نجزت حقا عن ايجاد حل لهذه المشكلة ، وهل استنفدت جميع الطرق ؟ ألا يوجد طريق آخر غير القراءة ؟

وتوقف عن السير وأشعل سيجارة ، ثم جلس على كرسية الوثير وهو ينفث الدخان في خيوط رفيعة ، أخذت تتاوى أمامه كالأفاعى وهو يرقها في هدوء . . وبينا هو على هذه الحال إذا به يلمح من خلال النافذة جاره المدرس ، وهو يتمشى في حديقة داره ، فقفز من محله على عجل ، وتقدم إلى النافذة بكل حذر وفتح أبوابها جميعا وأسرع

كالقط إلى المنضدة ، وأمسك القلم وتظاهر بالكتابة :

" لا شك أن جاري سيراني وأنا منغمر بين هذه الأوراق ، ولا شك أنه سكبر في هذه الهمية وهذا الجهد الذي أبذله في سبيل الخدمة العامة . ولا أظن إلا أنه سيمتدحني أمام اصدقائه وسيحدثهم عن الساعات الطوال التي أقضيها بالدرس والمطالعة ومتابعة أعمال الوزارة في داري . .

وأخذ يخالس النظر إلى جاره بين الفينة والفينة ، وهو يدعو الله أن يلفته إليه . .

" ياجاري العزيز انظر إلي . . انظر إلى ناقذني ، دع تلك الزهرة القبيحة وتعال إلى هنا . . إلى جانب النافذة . . ألا ترى ؟ انظر البنفسح الرائع . . انظر إلى . أدر رأسك أكثر . . تماما ، هذه هى الأزهار الحلوة . لا . لا تفعل بالله ، لا تدر رأسك ، ليس هناك شئ يدعوك إليه . . تبا لك من في قليل الذوق " .

ولمعت في ذهن الوزير فكرة ، فحمل الدواة بيده ولطمها بالأرض ، فتحطمت وأحدثت صوتا مسموعا ، ولكن جاره لم يسمع الصوت ، ولم يلتفت إليه وترك الحديقة ودخل الدار . .

" أتكتفي بثلاث زهرات وتذهب ، ومن غير أن تراني يا أعمى يا أصم تبا لي من غبى يجاور مثل هذا السخيف " .

ونهض من محله مغيظا ساخطا علي جاره . . وفكر في أن ينتقم منه ، ولكنه أبعد هذه الفكرة عن مخيلته حين لاح له أنه ليس من المستحسن يمثله أن ينحط إلى مثل هذه الترهات ، فيفكر في الانتقام من البعوض . .

" ثم ماذا كان يفيدني مثل هذا السخيف لو رآني ! صحيح أنه سيمتدحني أمام زملائه . ولكن ما فائدة كلام عدد من الأفراد عني ؟ إني عحب أن أفكر في طريق أبرع ، يجب أن أجد حلا أحسن ، يجب أن أدع الناس جميعا يمتدحوني ويتحدثون عني ، لا بضعة أفراد . . "

وسار من جديد يقطع الغرفة جيئة وذهوبا وهو يردد في نفسه :

" كيف أصل إلي غايتي هذه ؟ . . أعجز هذا المخ عن التفكير في مثل هذه المسائل ؟ . . أين اذا ثقتى بذكائي

وقدرتي ؟  أنا الوزير ، أأعجز عن إيجاد حل لمثل هذه الورطة ؟ . "

وظل يعصر فكره ويبذل ما في رأسه من طاقة . . من غير جدوى ، حتى كلت قدماه من السير ، وتعب رأسه من التفكير ، ويبس ريقه من التدخين . . فتهالك على مقعد وقد تملكه اليأس وساوره القلق على ما كان يظن نفسه من ذكاء وقدرة على فض المشاكل وحل الألغاز . وتراخى في مقعده ، ومط رجليه وحاول أن يترك التفكير إلى وقت آخر ، فتناول صحيفة من جانبه وأخذ يتصفحها ، ولكنه أعادها إلى محلها ، ولم يكن قد قرأ منها شيئا :

" ما أبغض القراءة إلى نفسى ؛ وما أسخف هذه الصحف التي يقرؤها الناس .

التي يقرؤها الناس ؟ !

- الناس يقرأون الصحف . . يقرأون الصحف  " .

وقفز الوزير من محله وصاح بصوت مسموع :

" لقد وجدتها ! لقد وجدت الطريقة الصحيحة . أنا ذكى . سأضحك من الجميع ، أنا وزير . صبرا أيها الساخرون ! سوف نرى ، من  منا الذي سيفوز على الآخر . . " .

وتبسم الوزير وطفح وجهه بالبشر . . لقد وجد الأداة أو ) العربية ( التي توصله إلي حيث يريد . . وراح كعادته حين يفكر بقطع الغرفة ذهابا وإيابا .

" وجدت الطريق ، وهذا نجاح باهر . . ولكن دعني أفكر بمهارة . . دعني أفكر كوزير كيف ساسلكة وما الذي سأعمله ؛ أظن أن الأمر قد سهل سادعو الصحفين إلى حفلة عشاء أقيمها لهم بداري ، حيث ساملا بطونهم بكل مالذ وطاب . . وساحدثهم عن مكتبتي وكتبى  و لا هذه سخافة ثانية كالتي وقعت فيها أول مرة حين سخر مني ذلك الصديق الكلب . .

- إذا ساحدتهم عن نية الحكومة في إنصاف أعلام الفكر ومساعدة الناشئين والمكافآت التي ستمنحها لهم و . .

- ومن الذي سيقرأ مثل هذه البيانات ويهتم بها ؟ . . أسيقرؤها الناس جميعا . لا لا سيهتم بها أولئك الذين سيحفلون بالمكافآت والمساعدات المزعومة وحدهم دون بقية الناس . . ثم ما الذي سيصيبني من رفعة الشان ؟ ومن

الذي سيمتدحني . . بل إن حصل شئ من هذا وامتدح هؤلاء أحدا ، فإنهم سيمتدحون الحكومة . . وهذ ما لا أقصد . . وسوف لا يتحدث أحد عن مبلغ اهتمامي بالكتب والمؤلفين ومتابعتي لتيارات الفكر في العالم . . لا ، لا ، يجب أن أسير سيرة أخرى غير هذه . . يجب أن تكون بغيتي هؤلاء الناس جميعا ، يجب أن أعث عن شئ آخر تتوفر فيه صفات ثلاث : أن يحول الأنظار إلى ، ويثير ضحة كبيرة ، ويتحدث الناس به جميعا . . هذا ما أريد . . فما هو ؟ . . ما هو ؟ . النفط . . الكهرباء تبليط الطرق . . مشاريع الري . . فلسطين ؟

- فلسطين ؟ .

- أجل والله . . لن أجد خيرا منها . . لقد نجحت مرة ثانية في اختيار الموضوع .

وانفتحت مغاليق فكره ، وأنارت للوزير طريقه ، ولاح له هدفه واضحا جليا ، فجلس على مقعده بهدوء وأغمض جفنية نصف إغماضة ، وراح يرسم لنفسه خطوط الطريق ، ويصور لها ما سيجرى من تمثيل بكل دقة ، فقال لها :

" تبدأ المسرحية حين يرفع الستار عن جماعة من الصحفين يقودهم خادمي ) محسن ( إلى غرفة الانتظار ليتركهم هناك ينتظرون إلى ما شئت لهم من الوقت - وليكن نصف ساعة - وسيقدم لهم الشاي فيها . .

- كلا ، كلا . . لأدعهم بلا شراب ولا طعام في هذه الفترة حتى يتجرعوا كأس الصبر بتمامها ، وليكن تقديم الشاي أو القهوة عند مقابلتى لهم ، فهذا تصرف رشيد سيتيح لي فرصة أطول للتحدث معهم . . وعند انتهاء الفترة ساخرج أنا من مكتبتي - بعد أن احوش شعري وأخلع سترتي وأنزع رباط رقبتي - لابسا تظارتي الضخمة وبيدي كأسى انادى خادمى محسن بصوت مرتفع لإعنا إياه شابها أباه . .

كلا ، كلا . أنا وزير ، وهذا لا يليق بي . ثم ساناديه بلا لعن ولا شتم ، ساناديه وأسأله عن مكان الدواة وأوبخه لهذا الإهمال الذي سأقول عنه إنه يكلفني كثيرا من الوقت في البحث عن الحبر . . وسأحدث ضجة كبيرة سيسمعها الصحفيون بآذانهم من أولها إلى آخرها . . إلي حين ألتقى بهم  بحيث ساتظاهر بالدهشة لوجودهم . . وسأعتذر لهم

وأوبخ ) محسن ( لما فعل بهم ، وسيكون الحوار بيني وبين خادمي هكذا :

- لماذا لم تخبرني بقدومهم ؟ .

- ) بك ( ألم توصيني بألا أناديك حين تجلس في مكتبتك تؤلف كتابك الجديد ؟ !

- لقد أخبرتك بهذا حقا ، ولكنى ما كنت أقصد أن تتمهل في إخباري بالامور المهمة ؟ !

وسألتفت إلى الصحفيين معتذرا من جديد عما أحدث لهم خادمي من إزعاج وسأقول :

- لم أر مثل هذا الخادم الغبي طول عمري . . ويقيني أن الدار لو احترقت لما نادى على .

وسأضحك بعد هذا الحوار . . وسيضحك الصحفيون مع كما أخيل !

ولاشك أنهم سيسألوني عن هذا الكتاب الذي أؤلفه ، فلا بد لي من أن اخترع عنوانا لهذا الكتاب الموهوم . وليكن اسمه " رسالة الفلسفة الحديثة

وسأصحبهم إلي مكتبتي حيث يتناولون هناك الشاي والكعك ويتفرجون على كتبي الضخمة الكثيرة ، وحيث سأصرح لهما تصريحا جديدا عن فلسطين . .

- ولكن ماذا ؟ سأصرح ؟ ماذا ساقول ؟

- ولماذا أفكر الآن بهذا التصريح ؟ . . سأقول ما يتبادر إلى ذهني حين الحديث ، وليكن - إن لم بسعفني التفكير - استعراضا الماضى " .

وتنفس الوزير الصعداء . وارتسمت على شفتيه بسمة ساخرة ، وعادت إلى نفسه الطمانينة والثقة بذكائه وقدرته . سيفوز . . سيفوز حتما على خصومه . . وما عليه الآن إلا ان ينتقل من دور التحضير إلي دور العمل . .

ومد يده إلى التليفون ، وألقى إلى سكرتيره بالأوامر . ونادى على خادمه ليلقنه دوره . .

وبعد يومين ظهرت الصحف وقد نشر في صفحاتها الأولى ، وفي مكان بارز وخبط عن بعض تصريح الوزير ووصف لمكتبته وحديث طويل عن كتاب رسالة الفلسفة الحديثة

) بغداد (

اشترك في نشرتنا البريدية