قالت الكاتبة :
ضم ديوان عربية " البولمان " رجلا وامرأة ، هما عروسان في مستهل شهر العسل ، وبدأ العريس ، وهو في بذلته الزرفاء الجديدة ، يضع الامتعة في أركان رفوف الديوان ، والقطار ينهب الأرض نهبا ، وكأنه عفريت من الجن ينفث الحمم ، ويقذف باللهب .
وكان قوام الامتعة حقيبتين للثياب ، وصندوقا للقبعات ، ومع هذا ضد استغرق وضع هذه الأشياء الثلاثة ثماني دقائق ، وهو وقت طويل جدا . .
ثم جلس الرجل قبالة عروسه ، وكانت في أتم زينتها . إذا رأيتها حسبتها درة تتألق ، وكانت تطل من نافذة القطار وتحدق إلى الأفق وهي ذاهلة ، فلما جلس عريسها تركت النافذة والتقت عيناها بعينه ، ثم بدأت بابتسامة كادت تكتمل لولا أنها قطعتها ، وبدأت تولى وجهها شطر كتفه اليمنى
ثم بدأ الزوج الحديث فقال : وبعد ! فالت العروس : وبعد ؟ . - ها نحن هنا ! - نعم ها نحن هنا ! وما دمنا هنا فأين نكون إذا ؟ . - ألا خبريني : كيف يكون احساس فتاه من الفتيات
إذا تخيلت أنها أمست ثم أصبحت فإذا هي زوجة قد تخطاها الشباب ، وتقدمت بها السن ، واشتعل رأسها شيبا ؟ .
- لقد شط بك الخيال في توجيه هذا السؤال ، بل لقد جانبك الذوق الحسن ، ذلك لأنه لم يض على زواجنا غير ثلاث ساعات ، أليس كذلك ؟ .
فنظر الزوج إلى ساعة يده ، كأنه يريد أن يتحقق من براعته في قراءة الوقت ، ثم قال : إن شئت الدقة فاعلمي أنه مضي على زواجنا ساعتان وست وعشرون دقيقة . .
قالت : يبدو لي أن الوقت قد مر بطيئا . . وإني لأظن أن هذا راجع إلى أن النهار قد بدأ يقصر ، وان الليل قد بدأ يطول ، وإني لأعجب كيف تمر بخاطري هذه الخواطر ، وأنا التي قد عشت دهرا لا أعد اللياليا .
وإني لأعجب كذلك مما مر بي ليلة الزفاف ، فقد عدت من الكنيسة ، ثم بدلت ملابس ، ثم رماني كل واحد ممن حولي بشيء . ثم تفرق المتفرجون ، وانفض السامر ، وطوي البساط
وإني لأعجب أيضا كيف يفعل ذلك الناس كل يوم . . هو : يفعلون ماذا ؟ . هي : أعني بتزوجون ، وإني ليسبح بي الخيال فأري هذه الاحتفالات تقوم في الصين وفي كل مكان ، وكأن الأمر سهل ، وكأن الخطب جدا يسير .
وماذا يعنيك من امر الصين والصينين ؟ من الخير لك أن تفكري في أشياء أخري .
- إن الذي يعنيني أن الناس كلهم في سائر بقاع
الأرض يتزوجون كل يوم ، وهم غافلون عما يجيئ ، به الغد ، وأكبر الظن أن كل مقبل على الزواج قد رسم لنفسه صورة ضاحكة للسعادة واضحة المعالم والحدود ، وإذا بتلك السعادة لا أثر لها ولا وجود .
هو : تعالى ! فليس هذا الكلام مما يستهل به شهر العمل ، وها نحن قد تزوجنا ، فلننعم ولنسعد
هي : حسنا ! ولكن قل لي هل حقا أعجبك قناعي ؟ . - لقد كنت في العظمة آية ! - يسرني أن أسمع منك هذا كل السرور ، ولقد بدت) إيلى و لويز " جميلتين حقا ، أليس كذلك
اقبلى على بسمعك ، فإني أريد أن أسر إليك شيئا ، ذلك أني رأيت - وأنا انتظر قدومك في الكنيسة هاتين الوصيفتين من وصيفاتك فأعجبت " بلويز " الإعجاب كله ، بل قد أعجب بها كل من وقعت عينه عليها .
- أحق ما تقول ؟ أما أنا فالرأي عندي أن قبعتها وفستانها كانا جميلين ، أما هي فبدت متعبة أو كالمتعبة ، ولقد تحدث الناس في ذلك وأطالوا ، أما أنا فقلت لهم : لا تنسو أنه لم تبق اليوم فتاة في حداثة السن وغضارة الشباب ، وذلك من أثر الهموم والقلق ، و " لويز " تستطيع أن تقول إن سنها لم يتجاوز الثالثة والعشرين ، ولكنها - والحق يقال - تهدف اليوم إلي السابعة والعشرين .
- ولكنها أيضا - والحق يقال - كانت قبلة الأنظار ، بل كانت فتنة للناظرين .
يسرنى ان اسمع منك هذا الثناء ثم اريد ان اسمع رأيك في جمال " إيلي وملاحتها ؟ .
- الحق أقول أني لم أنظر إليها ! - أحق هذا ؟ وإنه لنبأ سئ إن صح ، وما كان لي أن أقول شيئا في الثناء على أختي ، ولكني - ولا حياء في الحق - لم أر في حياتي من يشبهها ملاحة وجمالا ، وإنها لتفيض وسامة ، وتفيض حسنا ، وهي قد يرثت من الأثرة والأنانية ، وإنه ليسوءني أنك لا تنظر إلي أختي بل إن هذا ليحزني
- بل إني لأجن بها جنونا ! . - أرجو أن لا تظن أن تجاهلك إياها ينقص من
قدرها ، إن قوما كثيرين قد جنوا بها من قبل جنونا .
والذي يغيظي الليلة هو اننا يوم نعود إلى بيتنا . ويوم تستقر أمورنا سوف لا ترضي أنت عن زيارة أختي لنا وكأني بك أيضا لا ترضي عن زيارة أحد من أهلي لنا .
ألا فاعلم أن في حرماني من زيارة أهلى خسارة لك أنت . فلا تبالغ في الإعلاء من شانك . ولا تمش في الأرض مرحا ، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا .
- هذا شرود في القول . فأنت تعرفين آنى أحب أهلك كلهم . ومنهم أبوك وأمك . ومنهم الأحمق والكيس . ومنهم الخطير والحقير . فعلام هذه الضجة الكبرى يا من تيمتني ؟ وماذا أغضبك مني ؟
ألا فاعلمي أن هذا الشهر هو عندي وعندك شهر العسل . ولا يليق أن يبدأ شهر العسل بما يحيله شهرا للطقم والحنظل . وإني لأظنك اليوم ثائرة الأعصاب .
- إني آسفة علي ما بدا مني من غضب . إنه مجرد تفكير ، وإنك لن تستطيع أن تلوم إنسانا على التفكير فلنتعاهد على أن لا يكدر صفونا مكدر .
ثم استطردت تقول : إنى لخالعة قبعتى . فهي تضغط على رأسي ضغطا شديدا . وعلى ذكر قبعتي ، أتروقك هي ؟
- إنها تبدو حميلة فوق رأسك . - أريد أن أسمع رأيك في القبعة . أجميلة هي ؟ - أنا اعرف أنها من الطراز الحديث . ولكنها تبدو
واسعة . وإني لأفضل تلك القبعة الزرقاء التي كنت تلبسينها .
آحق هذا ؟ ما أجمل هذا القول وما أظرفه ! إن أول شئ تقوله لي ، وقد حدث عن أهلي وشط بي المزار . أنك لا تحب القبعة التي ألبسها . اذكر هذا جيدا ! واذكر أن أول كلمة توجهها إلى أني فاسدة الذوق في اختيار القبعات . .
- لم أقل هذا أبدا يا أعز الناس عندي . - كأنك لا تعرف أن هذه القبعة قد كلفتني أكثر من عشرين ربالا . وأن تلك القبعة الزرقاء التي أعجبتك لم يزد ثمنها عن ثلاثة ريالات إلا قليلا . وكان عليك أن لا تتزوج فتاة لا تعجبك قبعاتها
والآن قل لي : لماذا لم تتزوج لويز . . التي تحسن الظن
دائما بجمالها وحلاوتها . وبالتالي يحسن ذوقها في اختيار القبعات ؟ وإني لأعرف أنك بها مغرم مفتون . ذلك أن لسانك لم يفتر عن التحدث عنها برهة . وإنه لشئ عجيب جدا ان تجيء بي إلي بلد غريب . وانت مفتون بأخرى وهواك معها ! فلم لا تطلب يدها ؟ إني لواثقة أنها ترحب بهذا الطلب ، بل ترقص فرحا . وإني لأتنبأ لك بالسعادة كلها إذا تزوجتها .
- أرعيني سمعك بافتاتي ! ما دمت قد بدأت حديث الزوجات والأزواج . فإني بدوري أسالك : لماذا لم تتروجي " جو بروكس Joe Brooks (
- لست آسفة على ذلك ، ولكي أظنه ما كان ينتهز فرصة بعدي عن عشيرتي وأهلي ، ثم يبدأ بالقدح والذم في ذوي وملابس ، وما كان Joe Brooks ينالي بمساءة أبدا . فإنه كان دائما بى جد مفتون
- لو كان حقا مفتونا بك لما تواني في إرسال هدية لك في يوم زواجك .
- لقد علمت يقينا أنه كان مسافرا ، وهو أن يتواني عند عودته أن يهبني كل شئ أطلبه من أثاث وفرش .
- اسمعي ؛ إن هذا لن يكون أبدا ، وسوف ألقي من النافذة بكل ما يرسله إليك من أثاث وفرش
ولكن كيف عرفت أنه مسافر فهل تبادلتما الرسائل ؟ . - إني لأظن أن لأصحابي الحق في مراسلتي ، ولم أسمع أن قانونا قد صدر يمنع هذا .
- إني لن أسمح لزوجتي أن تراسل بياعا جوالا حقيرا - ليس Joe بياعا جوالا حقيرا . إن له راتبا كبيرا ، وهو رجل له مقامه ومكانته . . ) وبعد ( فكيف تجيز لنفسك الكلام عن "Joe Brooks ولا أجيز لنفسي الكلام عن صاحبتك " لويز " .
- ثقي أنى لم اكن في حديثي عنها سئ القصد والنية . وما كان حديثي عنها إلا وسيلة لإضحاكك وإدخال السرور على قليك . ثم اعلمي أنا عما قليل سنبلغ " نيويورك " وننزل في أحد فنادقها ، وعندما تفرغين من كتابة خطاباتك سأشترى لك مجلة من المجلات أو كيسا من الحمس . . - ماذا تقول ؟
- أريد أن أقول إني لن أضايقك أبدا . . - اتستطيع أنت إزعاجي ونحن زوجان ، هذا شئ محال .
فلما وصلا إلى الفندق قال لها في مداعية : أترين واجبا محتوما أن تكتبي الخطابات الليلة ؟
- كلا ! فلست أري بأسا في التأجيل إلى غد . ثم ساد الصمت بينهما . ثم استأنف الزوج الحديث بقوله : لن يدب الخلاف بيننا بعد اليوم . فأجابته : بل لن يدب الخلاف بيننا أبدا ! ولست أدري ماذا دهاني حتى قلت ما قلته . إن فترة العراك التي مرت بي كانت كالكابوس الثقيل . ) وبعد ( فلنذكر أننا في مستهل شهر العسل . فأجابها مرددا قولها : نعم لنذكر أننا في مستهل شهر العسل . .
) من الإنجليزية (

