- ١ - كان عصر الحكم بن هشام أمير الأندلس ( ١٨٠ - ٢٠٦ ه ) بالرغم مما تخلله من ثورات وقلاقل , بداية عهد استقرار ونهوض بالنسبة للدولة الأموية بالأندلس ؛ وفيه استطاعت الدولة الأموية لأول مرة منذ ذهابها بالشرق ، أن تستعيد قسطا من بهائها القديم ، وأن تبدو فى حلل ملوكية جديدة ، وأن تبث إلى دولة التفكير والأدب روحا جديدا . وكان بلاط الحكم فوق ما يضمه من أكابر القادة وأقطاب الحكم ، مجمع طائفة كبيرة من المفكرين والشعراء والأدباء ، يلوذون بحمايته ، ويتمتعون بعطفه ؛ وكان الحكم وهو أديب وشاعر موهوب ، يتخذ منهم بطانته ويؤثرهم بصداقته ، ويجرى عليهم الأرزاق الحسنة .
وكان من أعلام عصر الحكم ، يحيى الغزال الجيانى ، وهو شخصية فذة جمعت بين الأدب والحكمة والسياسة ؛ وهو أبو زكريا يحيى بن الحكم البكرى نسبه إلى بنى بكر ابن وائل ؛ وأصله من جيان ولقب بالغزال لجماله وظرفه وأناقته . وكان فى أواخر عهد الحكم فى نحو الخمسين من عمر ، فمولده بذلك يرجع إلى نحو منتصف القرن الثانى من الهجرة . وقد عاصر الغزال قبل الحكم ، أباه هشام ابن عبد الرحمن ، وجده عبد الرحمن الداخل ؛ كما عاصر من بعده ولده عبد الرحمن ، وحفيده الأمير محمد ، وبذا يكون قد عاصر خمسة من أمراء بنى أمية ، وعاش زهاء تسعين عاما .
ونظم الغزال الشعر حدثا ، وبلغ ذروة عنفوانه وشهرته فى عهد الحكم ، وكان شعره يميل إلى الدعابة والتهكم اللاذع ، ولكن تطبعه فى نفس الوقت نزعة فلسفية حرة .
ذلك أن الغزال لم يكن شاعرا فقط ، ولكنه كان على قول ابن حيان (( حكيم الأندلس وشاعرها وعرافها )) ؛ كان متضلعا فى علوم عصره ، يأخذ بقسط من الفلسفة والفلك والتنجيم ؛ وكان حر التفكير يتناول فى شعره أمورا تثير الريب فى عقيدته . ونحن نعرف أن عصر الحكم كان مليئا بصنوف الجدل والمناقشات الدينية ، وأن الحكم كان هدفا لسخط الفقهاء وحملاتهم المرة ، لما جنح إليه من التضييق عليهم والقضاء على نفوذهم وإبعادهم عن التدخل فى شئون الدولة ؛ وكان الفقهاء قد تبوأوا منذ عهد أبيه هشام مكانة رفيعة فى الدولة ، وتغلغل نفوذهم فى معظم الشئون العامة ، وأصبحوا خطرا على نفوذ العرش وسلطانه . فلما عمد الحكم إلى تحطيم نفوذهم ، ثاروا سخطا عليه . وأخذوا يلوحون بسبه والتعريض به من فوق المنابر ، ويوغرون عليه صدور العامة بالدس والوقيعة ويسبغون على دعايتهم ثوب الوعظ والإرشاد ، والحض على التمسك بأعداب الدين ؛ وكان الحكم بإسرافه فى مجالى اللهو والبذخ يسبغ على دعايتهم قوة ؛ وقد عمد الحكم إلى مقاومتهم بنفس سلاحهم ، فكان يحشد حوله جماعة من العلماء والفقهاء المستنيرين ، وكان الجدل يضطرم بين الفريقين من فوق المنابر . وفى الرسائل والقصائد . وكانت هذه الجماعة المستنيرة من العلماء والأدباء والشعراء الأحرار الذين يلتفون حوله ويشدون أزره ، تشاطره آثار هذه الخصومة ، فلم ينج أحد منهم من اتهام الفقهاء المتعصبين بالإلحاد والزيغ ؛ وكان الغزال وصديقه الفيلسوف الرياضى عباس بن فرناس فى مقدمة من لحقتهم هذه التهمة ؛ وقدم ابن فرناس بالفعل إلى القضاء متهما بالزندقة ، ولكن القضاء لم يجد سبيلا إلى إدانته .
ولبث الغزال طيلة حياته على خصومته للفقهاء يكثر من التعريف بهم والطعن عليهم ، غير مكترث لاتهاماتهم ومساعيهم للإيقاع به ، وهو القائل فيهم :
لست تلقى الفقيه إلا غنيا ليت شعرى من أن يستغنونا
تقطع البر والبحار طلاب الر زق والقوم ها هنا قاعدون
إن للقوم مضربا غاب عنا لم يصب قصد وجهه الراكبونا
والواقع أن الغزال لم يكن متحفظا فى شعره ، وكان يقدم بنفسه من آن لآخر إلى خصومه مادة الوقيعة والطعن ، ومن ذلك قصيدة نظمها فى ذكر النفس والروح يقول فيها :
يا ليت شعرى أى شىء محصل ير
ى شخص من قد مات وهو دفين
أهو هو أم خلق شبيه بما رأى
فقل للقلوب النائمات عيون
وكيف يرى والعين قد مات نورها
وواقعه شبه الوقار سكون
وعرض الغزال فى أرجزوته التى نظمها فى أبواب العلوم إلى القدر وغير من الأمور الشائكة بطريقة لم يرض عنها فقهاء عصره ، وكانت مثار الطعن فى عقيدته .
( ٢ ) على أن صفة الشاعر الفيلسوف والمفكر الحر ، لم تكن أخص ما تميزت به شخصية الغزال ؛ فقد عرف الغزال بصفة أجل وأخطر هى صفة الحكيم الناصح ، والسياسى المحنك ؛ واشتهر بأصالة الرأى ، وحسن التدبير واللياقة والدهاء . ومع أنه لم يكن من رجال الدولة الرسميين ، فقد كانت هذه الخلال تفسح له فى بلاط قرطبة مكانة خاصة وتجعله موضع الثقة والتقدير . ولما توفى الحكم بن هشام ، وخلفه ولده عبد الرحمن ، لبث الغزال على مكانته فى الدولة ، ونظم فى سلك كتاب البلاط . وكان منصب الكتابة من المناصب التى يسند عادة إلى المقربين من خاصة الأمير وجلسائه من الأدباء والشعراء ، فيغدو لهم مورد رزق . وتوثقت بين الغزال وبين الأمير الجديد صداقة متينة العرى ، وغدا من خاصة بطانته ، وكان عبد الرحمن يستشيره فى كثير من شئون الدولة ومهامها .
وفى سنة ٢٢٥ ه ( ٨٤٠ م ) وقع حادث سياسى كان له فى بلاط قرطبة أعظم صدى . ذلك أن الإمبراطور ثيوفيلوس قيصر قسطنطينية ، أرسل إلى أمير الأندلس سفارة وهدية فخمة ؛ ووفد السفير البيزنطى ، واسمه قرطيوس ، على بلاط قرطبة يحمل كتاب القيصر إلى عبد الرحمن ، وفيه يذكره بما كان بين الأوائل من بنى أمية وبين قياصرة قسطنطينية من أواصر المودة والصداقة ، ويشكو إليه مر الشكوى من فعال الخليفة المأمون وأخيه المعتصم وعينهما فى أراضيه ، ومن استيلاء البحارة الأندلسين بقيادة أبى حفص البلوطى على جزيرة اقريطش وهى من أملاكه ، ويطلب إليه استئناف هذه الصداقة القديمة بين القياصرة وبنى أمية ، ويبشره بقرب انهيار الدولة العباسية ، ويرغبه فى ملك ابائه بالمشرق ، ويستنهض همته لاسترداده ، ويعده بنصرته فى هذا المشروع .
واستقبل السفير البيزنطى فى بلاط قرطبة بمنتهى الحفاوة والتكريم ، واعتزم عبد الرحمن بن الحكم الرد على هذه السفارة بما يليق من الاهتمام ، وهنا اتجهت الأنظار إلى يحيى الغزال صديق الأمير وكاتبه ومستشاره ؛ وكانت شخصيته الممتازة ، وكياسته ولياقته ترشحه لمثل هذه السفارة الخطيرة ؛ وكان الغزال قد جاوز الستين من من عمره يومئذ ، ولكنه كان يحتفظ بكثير من ظرفه وأناقته ؛ وقبل الغزال تلك المهمة على غضاضة منه ، وندب ليقدم كتاب الأمير وهديته إلى قيصر قسطنطينية ، وغادر قرطبة مع زميله يحيى بن حبيب برفقة السفير البيزنطى ، فوصل إلى قسطنطينية بعد رحلة شاقة ، وقد وصف لنا أهوال البحر والموج فى قصيدة طويلة يقول فيها :
قال لي يحيى وصرنا بين موج كالجبال
وتولتنا رياح من ديور وشمال
شقت القلمين وانبتت عرى تلك الجبال
وتخطى ملك المو ت إلينا عن حيال
فرأينا الموت رأى العين حالا بعد حال
واستقبل الإمبراطور ثيوفيلوس سفير الأندلس استقبالا حسنا ، وكان عبد الرحمن يرد فى كتابه على جميع ما توجه به إليه الإمبراطور ، ويرحب بصداقته ، ويشاطره السخط والنقمة على بنى العباس ، ويعده فى شأن استرداد ملكه بالشرق خيرا . وهنا ظهر الغزال ببديع مواهبه وخلاله فسحر الإمبراطور والبلاط البيزنطى بظرفه وذلافته ورائق حديثه ودعابته ، وعمل على إحكام الصلة والمودة بين الإمبراطور ومليكه فى جو يفيض ثقة وعطفا ؛ وقدمه الإمبراطور إلى زوجه الإمبراطورة ثيودورا ، فسحرته برائع جمالها ، وبلغ من تأثره عندئذ أن كاد ينسى وجود الإمبراطور وكاد يتعثر فى محادثته ، ولما سأله الإمبراطور عن سبب ذهوله لم يخف عليه حقيقة السبب ، وصرح له بأنه لم ير فى حياته (( صورة أحسن ولا منظرا آنق )) من هذه الملكة الحسناء التى (( يبهر وجهها الشمس بضيائه ، ويكسفها ببهائه ، ويذكر العاقل بقدرة الله على إبداع الخلق )) . فسر الملكان من إجابته ؛ وأنست الأمبراطورة بحديثه ودعابته وخصته بعطفها ، ووهبته طائفة من اللآلئ النادرة لكى يستعين بها على تجهيز بنائه ؛ وقدمت إليه ابنها الأمير ميخائيل الذى تولى العرش فيما بعد ، وكان يومئذ فتى يافعا ، فسحره الفتى بظرفه وبارع خلاله ، وفيه يقول الغزال من قصيدة طويلة :
وأغيد لين الأطراف رخص
كحيل الطرف ذى عنق طويل
ترى ماء الشباب بوجنتيه
يلوح كرونق السيف الصقيل
من ابناء الغطارف قيصرى
( م ) العمومة حين ينسب والخؤول
على قد سواء لا قصير فتحقره ولاهو بالطويل
ولكن بين ذلك فى اعتدال
كغصن البان فى قرب المسيل
وعاد الغزال إلى قرطبة بعد رحلة دامت عدة أشهر ، وقد بهرته مظاهر الحضارة البيزنطية وروعة البلاط البيزنطى ؛ وترك الغزال فى بلاط القيصر وبطانته أجمل الأثر بما أبداه من فطنته وكياسته ، ورقيق خلاله وشمائله .
- ٣ - ولبث الغزال على مكانته ونفوذه فى بلاط قرطبة حتى توفى عبد الرحمن بن الحكم فى سنة ٢٣٨ م ( ٨٥٢ م ) ؛ وعاش الغزال بعد وفاة صديقه وحاميه دهرا آخر ، وحضر شطرا من عهد ولده الأمير محمد بن عبد الرحمن ( ٢٣٨ - ٢٧٣ ه ) وهو يتمتع بمثل مكانته التى تبوأها فى البلاط منذ عهد الحكم . ثم توفى فى أواسط عهد الأمير محمد فى نحو التسعين من عمره ؛ ونحن نجهل تاريخ وفاته بالضبط كما نجهل تاريخ مولده ؛ ولكن بعض الروايات تضع وفاته حوالى سنة ٢٥٠ ه ( ٨٦٤ م ) ، ويقول لنا ابن حيان مؤرخ الأندلس إنه عمر أربعا وتسعين سنة ، ولحق عصور خمسة من امراء بنى أمية بالأندلس ، أولهم عبد الرحمن بن معاوية وآخرهم محمد بن عبد الرحمن ابن عبد الحكم .
وقد لبث الغزال زهاء نصف قرن يتبوأ مكانته الرفيعة فى الشعر والأدب ؛ بيد إنه يلوح لنا أن الشاعرية لم تكن أخص مواهبه ، وأنه لم يبلغ فى الشعر مرتبة الزعامة ؛ وإنما اشتهر الغزال بالأخص بالحكمة والكياسة والبراعة والسياسة . فهو فيلسوف فى شعره وفى تفكيره ، وهو سياسى من الطراز الأول ، وربما كانت هذه أبرز صفاته وأجلها ( ١ ) .
