الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 122 الرجوع إلى "الثقافة"

يداها !

Share

إن المرأة التى لها يدان جميلتان لا يمكن أن تكون عاطلة من الحسن ؛ ولطالما تغنى الشعراء وتغزل الروائيون بسائر ملاحها ومعارف وجهها ، فأكثروا من اللهج بفتنة عينيها وثغرها وشفتيها ؛ ولكنهم لم يؤدوا فروض المديح الواجب لليد البيضة الناعمة والأنامل الجميلة التى أشغف بها لأنها ذات شمائل ولغة تدل على معان من الأخلاق والعواطف العديدة ، حتى كأنها تقاطيع واضحة كتقاطيع الوجه وملامحه . ومن ذكريات الطفولة المتلألئة فى سماء الوجود تلك الجارة الكهلة التى كانت تجيد العزف على العود ، وكان شغفى بمراقبة يديها وهما تحركان أوتاره أضعاف سرورى بسماع عزفها . وكفى أن تينك اليدين كانتا من الفتنة بحيث يتمثل فيهما الجمال بأتم معانيه ولا تقع منهما العيون إلا على ما استكملت فيه صاحبتهما من معانى الشغف بكل معالم الحسن والبهاء . وقد كانتا

ممتلئتين طويلتين بضتين دقيقتين رشيقتين براقتين تلوح عليهما بهجة الحياة ، بل كانتا أشد بياضا من أنصع زنابق الحقل . فهذه الأنامل الساحرة الحساسة الزاهرة بالمعانى ، الناطقة ببلاغة التوسل والحنين والعطف والكآبة ، قد تركت فى ذهنى ذكرى زاهرة مصحوبة بنموذج خاص للخلق . إنى كلما رأيت يدين تحاكيهما استحضرت أمام باصرتى رؤيا سيدة حسناء رقيقة حلوة لطيفة موقورة الحنان كريمة السجايا ، تمتاز كل خاطرة من خواطرها ، وكل عمل من أعمالها بالوداعة والدماثة ، وتفيض لمساتها بالمؤازرة والرأفة والحنو ؛ كما أن ضغطة من كفها تمنح الشفاء والرجاء والعزاء . لله ما أبلغ لغة الأيدى ! وما أصدق تعبيراتها ! وما أحلاها ! وما أبعدها عن الموارية وتزييف اللفظ وتلفيق الكلام وتزوير المظهر ؛ وما أقدرها على النطق بما يجهش فى نفس الانسان من مختلف الشعور ؛ ومعلوم أنه يلزمنا أن نكون من علماء الفراسة لنفهم لغة اليدين وما تنطق به من العواطف المتباينة ؛ ولكن تلك الأنامل الصفراء النحيلة الدابلة الممتدة باستسلام وجيع ماذا عساها أن تمثل غير التألم ومقاساة العذاب ؟ وفى هذا الوجود الذى لم يخلق

لشديد الحساسية وقد قلت فى رحابه أسباب العزاء والسرور التى تذهب عن النفس بعض ما تلقاه فى الحياة اليومية من مضض الوحشة والمرارة ، نجد أن أصحاب تلك الأنامل من ذوى النفوس الشعرية يتأثرون ويتألمون كلما تطايرت نحوهم رشاشة من الفم ولو كانت تافهة .

وفى الحياة الأيدى المخبرة عن العذوبة والصلاح ، المحدثة عن الموسيقى والشعر والفن . فى الحياة تلك الأيدى الجذابة ، حتى لكأنها المغنطيس بثروتها الروحانية ، فما تلمسه من الحديد يتأثر بمواهبها العالية ، وقواتها الجليلة السامية ؛ بل كأنها الموجب الكهربائى ، تبعث الأمل ، وتعلم اليقين ، وتجعل الآخرين أقوياء ناهضين ؛ وفى الحياة تلك الأيدى السمحة التى تغتبط بالعطاء دون الأخذ . فى الحياة الأيدى المحبة المشفقة ، الودود ، الطافحة بمبراتها وصنائعها ، الطامحة إلى ما هو أسمى من الطبيعة ، وكأن كل إشاراتها مشبعة بالنور والخير . وفى الحياة - لسوء الحظ - تلك الأيدى الشرهة السفاكة السفاحة .

حقا أن الانسان يستطيع أن يضلل الغير بسائر ملامحه ، ويكظم ما تدل عليه معارف وجهه ، بمسحة من النفاق ، ويمكنه بقليل من المران إخفاء عواطفه ، وما تنطق به عيناه ، بقناع من الابتسامات المزيفة ؛ ولكن اليدين تخرجان عن طاعتنا ، وتفضحان ما ينتاب نفوسنا من الخوالج المتباينة ، ولا يمكن أن يخطىء أحد فهم رسالتهما ؛ فاشارة الباهم المخبر لا تخاتل أو تداور ؛ وكذلك تقوم السبابة الآمرة فى مواطن التوكيد والارشاد بقفع (١) يؤدى الغرض أكمل أداء .

وفى الأيدى وأوضاعها المختلفة تتمثل الخسة والدناءة ، ويبدو الشح والتقتير والطمع والشراهة والبخل .

وهنالك الأيدى القاسية الساعية إلى الشر القادرة على اقتراف أنواع المعاصى والمآثم . وهنالك الأيدى التى يبدو فى وضعها وتقلص أصابعها معنى الغضب والحمق والكراهة والحقد .

وكثيرا ما رأيت لرجال الدين الوعاظ وللخطباء يدين رائعتى الجمال ؛ فمنهم من يسرك أن تلاحظهم وهم على المنبر أو على منصة الخطابة ، لأنهم قد تعلموا كيف يعبرون بحركات أيديهم عما تعجز الألفاظ عن أدائه ، فتجئ أبلغ من الجمل محكمة النسيج ، وتأخذنا إشاراتها إلى حيث تريد من عواطف حية قوية ، بين سارة تفرحنا ، وحزينة تغمنا ، وثائرة تهتاجنا ، وواعظة تهدينا ، ومتوعدة ترعبنا وتملأ نفوسنا أسى ، ومبشرة تطمئننا ، وراجية مؤملة تلهمنا الثقة والسلوان ، وتبدد عنا غيوم الكآبة والاستعبار .

اشترك في نشرتنا البريدية