الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 179الرجوع إلى "الثقافة"

يد النساء، في مأساة فرنسا

Share

من ثلاثين عاما وقفت فتاة على رصيف ميناء مرسيليا تجادل طائفة من التجار الصاخبين كانوا يشكون من كساد تجارتهم ويقولون : إن البلد ينحدر بسرعة إلي هاوية الإفلاس ، وإن الذنب كله ذنب الحكومة ، فقالت لهم الفتاة : " ولم لا تعملون على تغيير هذه الحكومة ؟ " فأجابوها في سخرية : " إنا لننتظر منك أن تفعل أنت هذا " فقالت لهم في أنفة وكبرياء : " سوف أفعل تلك الفتاة هي هيلين ربوفيه  Helene Rebuflet: ؟ ابنة صانع السفن التي أصبحت فيما بعد الكنتس ده بورث Contesse de Portes صديقة بول رينو وزعيمة الطابور الخامس في فرنسا

وكانت هذه الفتاة كثيرة المطامع عظيمة النشاط ، تجتذب الناس إليها ، وتوقعهم في شراكها . اتصلت ببول رينو وهي في صباها ، ولم يكن هو في ذلك الوقت أكثر من طالب عادي يدرس القانون ولا يستطيع إشباع مطامعها ، ولكنه أحبها وأحبته . على أنها لم تكن من أولئك الفتيات اللاتي تتغلب عواطفهن على عقولهن . وكانت تريد زوجا يرفع مقامها ، وترقى عليه إلي الثروة والسلطان ؟ ولذلك رفضت أن تتزوج ببول رينو أو بغيره من الشبان الذين تقدموا إليها ، حتى ساقت لها الأقدار رجلا سريا من أصحاب الأعمال هو البارون ده بورث Baron de Portes ، فأخذت تعمل للسيطرة عليه وعلى أمواله . واندفع البارون نحوها كما يندفع الفراش نحو النار ، وأجب بذكائها النادر وقدرتها على الأعمال

المالية ، وظن أنه قد أحبها فتم زواجهما في عام ١٩١٤ ، ولكنه تبين بعد قليل ان الكنتس ده بورت ليست هي الفتاة التي كان يتصورها ، فقد سيطرت على حياته كلها ، ولم تسمح له بشيء من الحرية التي يسمح بها عادة للأزواج الفرنسيين . فافترقا بعد عامين من زواجهما . وبعد أن عرفت في الأوساط الراقية في فرنسا ، وأصبحت دارها ملتقي العظماء ، من رجال الفكر والسياسة ، رضي البارون أن يرتب لها سنوايا مبلغا من المال يفي بترفها ونفقات مجالسها ، ووقع كلاهما الوثيقة التي تبيح لهما ان يعيشا كما يشتهيان دون حاجة إلي محكمة الطلاق .

وكان بول رينو في تلك الايام محاميا متزوجا بابنة كبير المحامين في باريس . وكانت زوجته من اللاتي يترددن على مجالس الكنتس ده بورت ، ونشأت بين الاثنتين صداقة متينة ، فكانتا تقضيان معا كثيرا من الوقت . وكان بول رينو غير راض عن هذه الصداقة ، وعن كثرة غياب زوجه من منزله ، وصارح زوجه بذلك ، وطلب إليها أن تقطع علاقتها بالكنتس ، وإلا ذهب فيها وقال لها ذلك بنفسه . ولكن رينو حاول عبثا ، وظلت زوجته تترود على الكنتس ؛ فكان إذا عاد من عمله ، لم يجدها في داره ، وطالت هذه الحال ، فاعتزم ان يذهب إلى دار الكئتس ويصارحها برأيه لان للزوج على الزوجة حقوق حتى في فرنسا نفسها .

وذهب رينو إلي الدار ، واستأذن فأذن له بالدخول ، فدخل والغيظ يضطرم في قلبه ، والغضب باد في وجهه ؟ فلما وقعت عينه عليها قال وهو لا يكاد يصدق عينيه ؛ " هيلين لهذه أنت ؟ وأجابته في دهشة : " بول أهذا أنت ؟ " ثم مدت إليه ذراعها وقالت : " ها نحن أولاء نلتقي مرة أخري بعد الغياب الطويل " .

ولم يعد رينو هو الذي يشكو من غياب زوجته ،

وإهمالها امر بيته بعد أن وجد هيلين ، وسمعها تقسم انها تحبه ، بل صارت مدام رينو هي التي تشكو من إهمال زوجها وقضائه كل فراغه مع المرأة التي كانت تسميها صديقتها .

ورأت الكنتس أنها إذا استطاعت أن تدفع برينو في تيار السياسة فقد يصبح وزيرا بل رئيس الوزراء ، وتصبح هي ملكة فرنسا غير المتوجة ، وتسيطر على الأمة الفرنسية بسيطرتها عليه ، فأخذت تعمل بجد للوصول إلي هذه الغاية ؛ ومن أجل ذلك زينت لرينو الاضواء تحت لواء " الحلف الجمهوري الديمقراطي " وهو هيئة تضم معظم السياسيين الذين يعدون أنفسهم من المستوزرين ومن ذلك الحين أصبح مجلس الكنتس ملتقي السياسيين من جميع الأحزاب .

ولما استولي النازيون على زمام السلطة في ألمانيا ، وبدءوا يعدون عدتهم للحرب في أوربا لم يكن عجيبا ان تسترعي مجالس الكنتس أنظارهم . وعين رينترب الهر ابتز Abetz للعمل في فرنسا ، ولم يمض على قدومه إلي باريس بضعة أسابيع حتى صار من اصداقاء الكنتس وممن لا ينقطعون عن حضور مجالسها . وراي انها اقدر الفرنسيين والفرنسيات علي أداء أغراضه ؛ وكتب في رسالة سرية إلى رئيسه ربنترب يقول : " لقد وجدت في باريس امرأة هي خير من يوصلنا إلى اغراضنا ، وهي معروفة باسم الكنتس ده بورت وتبلغ من العمر ٤٣ سنة ، وهي قوية نشيطة محاتلة طموح مغرورة عظيمة التأثير في الناس . ورينو عبد خاضع لها لا يعصي لها أمرا ، وهي غنية لا تشتري بمال ، ولكنها تشتري بالملق ، ومجالسها ذائعة الصيت ، ويلتقي فيها كبار رجال فرنسا السياسيين ، ومن رأيي أن تقابلها في زيارتك التالية لباريس " .

وزارها ربنترب فعلا وتيقن مما كتبه له عامله

وتألفت في فرنسا بمساعي أبتز اللجنة الفرنسية الألمانية ، لتعمل في الظاهر على توثيق مجري الصداقة بين الامتين . ولتعمل في الخفاء على إفساد الحياة السياسية الفرنسية وكانت اللجنة تجتمع في دار هيلين ، وكانت هيلين نفسها من اعضائها البارزين ، ووقع عليها الاختيار للذهاب إلي المانيا لتعمل على تحقيق اغراض اللجنة . وقوبلت في المانيا ثم في إيطاليا بمظاهر التبجيل والتعظيم ، وعادت من برلين ورومة معجبة بالنازية والفاشية ، وداعية إلي التعاون بين فرنسا وألمانيا

وكان من المعجبين بها والمترددين على مجالسها المسيو بول بودون . وكان هو ايضا من الذين يطمعون في القوة والنفوذ السياسي ، وسرعان ما انضم إلى اللجنة الفرنسية الالمانية . وكان منهم أيضا الجنرال فيجان ، وكان هو وبودون من الذين يعتقدون ان فرنسا في حاجة إلى التجديد ، وأن هذا التجديد ان يكون إلا عن طريق الآلام .

ولم يكن في فرنسا غير امرأة واحدة تعرف حقيقة أمر هيلين ، وتستطيع أن تقف في وجهها ؛ تلك هي المركيزة ده كروسول صديقة دلاديبه رئيس الوزراء ، الإنجليزي النزعة ومن أشد أنصار التعاون مع انجلترا . وكانت كلتاهما تحقد على الاخري ؛ وأخذت هيلين تعمل لاسقاط دلاديبه ، لاختلافها معه في المبادئ السياسية ، وللعداوة القائمة بينها وبين صديقته المركيزة . وكانت الحرب قائمة والألمان يدفعون بجيوشهم نحو الغرب ، وسقطت وزارة دلاديبه ، وعين بول رينو رئيسا للوزارة ، وأصبحت هيلين اليد المحركة من وراء الستار ؛ فكان رينو يستشيرها في كل ما يعرض له من المشاكل . وكانت تحدثه دائما بأن فرنسا ضعيفة لا أمل لها في كسب الحرب ، وبأن انجلترا عاجزة عن إنقاذها . وكان في وزارة رينو

وزيران من أنصار التعاون مع انجلترا ، والقائلين بمواصلة الحرب حتى ينال النصر ، فعملت هيلين على إخراجهما من الوزارة ، فأخرجا وعين يول بودون وزير للحربية ، فكان تعيينا غريبا ! وهل هناك شئ اغرب من ان يعين وزيرا للحربية ، والحرب دائرة الرحي ، رجل من القائلين بأن لا أمل لفرنسا في كسب الحرب ، وبأن الآلام هي طريقها إلى الحياة .

وكان رينو حين تولي الوزارة قوي الاعتقاد بأن فرنسا ستكسب الحرب في النهاية ، وكان أول من رأي أن خطط جاملان خاطئة ، وأن المعاقل لا تفيد ضد الوحدات الميكانيكية ؛ وكثيرا ما كان وهو وزير الحربية في وزارة دلادبيه ينتقد سياسة جاملان ، ويطلب إبعاده وكان من المتصلين به  ضابط شاب يدعو هو ايضا إلي تعديل الخطط الحربية وإلى اصطناع حرب الحركات والدبابات والوحدات الميكانيكية ، وهذا الشاب هو الجنرال ده جول رئيس قوات فرنسا الحرة في هذه الأيام ، وكان رينو يصغي إليه ويعجب به .

وعرض رينو هذه الآراء علي هيلين ، وقال لها إن ده جول هو الرجل الوحيد الذي يستطيع إنقاذ فرنسا ، فسخرت منه ، وسفهت رأيه . ثم اخترق الألمان خط الدفاع الفرنسي ، واتجهوا نحو باريس ، وأرسل رينو الضابط ده جول إلي لندن ليبلغ المستر تشرشل أن فرنسا ستحارب إلى النهاية ، وأوشك أن يعين ده جول قائدا أعلى للقوات الفرنسية لعله يستطيع أن يقف الزحف الألماني ، وكان قد انحاز إلي رأي هذا الضابط حين عرض عليه أن يتخذ الفرنسيون موقفهم الأخير في شبه جزيرة بريطاني في شمال فرنسا الغربي ، فإذا هزموا فيها انتقلوا إلي المستعمرات الفرنسية وواصلوا الحرب إلي جانب بريطانيا العظمي

ولم يكن هذا من رأي هيلين ، وكان لها دائما الرأي

الأخير ، وتردد رينو بين رأي ده جول ورأيها ، فأشارت عليه باستدعاء فيجان وإسناد قيادة الجيش إليه ؟ ولكن القائد الجديد لم يعمل شيئا لوقف الزحف الألماني بل كان كل ما يهتم به أن يحصل من الألمان على شروط الهدنة . وانتقلت الحكومة الفرنسية إلي بردو ، وحاول ده جول للمرة الأخيرة أن يضم رينو إلي جانبه ، وكاد رينو أن يوافق على آرائه رغم من كان يحيط به من دعاة التسليم .

ووصل نبأ اجتماعهما إلي هيلين ، فأسرعت إلي حجرة الاجتماع ، ونحت الحارس عن الباب واندفعت نحو المؤتمرين وقالت ونار الغضب تشع من عينيها : " ما هذا ؟ إني أؤكد لكم أنه مستحيل ، وان الموقف لا أمل فيه ، وانكم تنتحرون . فهل جن  جنونك يا بول ؟ " وفي هذا اليوم نفسه استقال بول رينو ، وتألفت حكومة بنان ونالت هيلين بغيتها .

اشترك في نشرتنا البريدية