من ثلاثين عاما وقفت فتاة على رصيف ميناء مرسيليا تجادل طائفة من التجار الصاخبين كانوا يشكون من كساد تجارتهم ويقولون : إن البلد ينحدر بسرعة إلي هاوية الإفلاس ، وإن الذنب كله ذنب الحكومة ، فقالت لهم الفتاة : " ولم لا تعملون على تغيير هذه الحكومة ؟ " فأجابوها في سخرية : " إنا لننتظر منك أن تفعل أنت هذا " فقالت لهم في أنفة وكبرياء : " سوف أفعل تلك الفتاة هي هيلين ربوفيه Helene Rebuflet: ؟ ابنة صانع السفن التي أصبحت فيما بعد الكنتس ده بورث Contesse de Portes صديقة بول رينو وزعيمة الطابور الخامس في فرنسا
وكانت هذه الفتاة كثيرة المطامع عظيمة النشاط ، تجتذب الناس إليها ، وتوقعهم في شراكها . اتصلت ببول رينو وهي في صباها ، ولم يكن هو في ذلك الوقت أكثر من طالب عادي يدرس القانون ولا يستطيع إشباع مطامعها ، ولكنه أحبها وأحبته . على أنها لم تكن من أولئك الفتيات اللاتي تتغلب عواطفهن على عقولهن . وكانت تريد زوجا يرفع مقامها ، وترقى عليه إلي الثروة والسلطان ؟ ولذلك رفضت أن تتزوج ببول رينو أو بغيره من الشبان الذين تقدموا إليها ، حتى ساقت لها الأقدار رجلا سريا من أصحاب الأعمال هو البارون ده بورث Baron de Portes ، فأخذت تعمل للسيطرة عليه وعلى أمواله . واندفع البارون نحوها كما يندفع الفراش نحو النار ، وأجب بذكائها النادر وقدرتها على الأعمال
المالية ، وظن أنه قد أحبها فتم زواجهما في عام ١٩١٤ ، ولكنه تبين بعد قليل ان الكنتس ده بورت ليست هي الفتاة التي كان يتصورها ، فقد سيطرت على حياته كلها ، ولم تسمح له بشيء من الحرية التي يسمح بها عادة للأزواج الفرنسيين . فافترقا بعد عامين من زواجهما . وبعد أن عرفت في الأوساط الراقية في فرنسا ، وأصبحت دارها ملتقي العظماء ، من رجال الفكر والسياسة ، رضي البارون أن يرتب لها سنوايا مبلغا من المال يفي بترفها ونفقات مجالسها ، ووقع كلاهما الوثيقة التي تبيح لهما ان يعيشا كما يشتهيان دون حاجة إلي محكمة الطلاق .
وكان بول رينو في تلك الايام محاميا متزوجا بابنة كبير المحامين في باريس . وكانت زوجته من اللاتي يترددن على مجالس الكنتس ده بورت ، ونشأت بين الاثنتين صداقة متينة ، فكانتا تقضيان معا كثيرا من الوقت . وكان بول رينو غير راض عن هذه الصداقة ، وعن كثرة غياب زوجه من منزله ، وصارح زوجه بذلك ، وطلب إليها أن تقطع علاقتها بالكنتس ، وإلا ذهب فيها وقال لها ذلك بنفسه . ولكن رينو حاول عبثا ، وظلت زوجته تترود على الكنتس ؛ فكان إذا عاد من عمله ، لم يجدها في داره ، وطالت هذه الحال ، فاعتزم ان يذهب إلى دار الكئتس ويصارحها برأيه لان للزوج على الزوجة حقوق حتى في فرنسا نفسها .
وذهب رينو إلي الدار ، واستأذن فأذن له بالدخول ، فدخل والغيظ يضطرم في قلبه ، والغضب باد في وجهه ؟ فلما وقعت عينه عليها قال وهو لا يكاد يصدق عينيه ؛ " هيلين لهذه أنت ؟ وأجابته في دهشة : " بول أهذا أنت ؟ " ثم مدت إليه ذراعها وقالت : " ها نحن أولاء نلتقي مرة أخري بعد الغياب الطويل " .
ولم يعد رينو هو الذي يشكو من غياب زوجته ،
وإهمالها امر بيته بعد أن وجد هيلين ، وسمعها تقسم انها تحبه ، بل صارت مدام رينو هي التي تشكو من إهمال زوجها وقضائه كل فراغه مع المرأة التي كانت تسميها صديقتها .
ورأت الكنتس أنها إذا استطاعت أن تدفع برينو في تيار السياسة فقد يصبح وزيرا بل رئيس الوزراء ، وتصبح هي ملكة فرنسا غير المتوجة ، وتسيطر على الأمة الفرنسية بسيطرتها عليه ، فأخذت تعمل بجد للوصول إلي هذه الغاية ؛ ومن أجل ذلك زينت لرينو الاضواء تحت لواء " الحلف الجمهوري الديمقراطي " وهو هيئة تضم معظم السياسيين الذين يعدون أنفسهم من المستوزرين ومن ذلك الحين أصبح مجلس الكنتس ملتقي السياسيين من جميع الأحزاب .
ولما استولي النازيون على زمام السلطة في ألمانيا ، وبدءوا يعدون عدتهم للحرب في أوربا لم يكن عجيبا ان تسترعي مجالس الكنتس أنظارهم . وعين رينترب الهر ابتز Abetz للعمل في فرنسا ، ولم يمض على قدومه إلي باريس بضعة أسابيع حتى صار من اصداقاء الكنتس وممن لا ينقطعون عن حضور مجالسها . وراي انها اقدر الفرنسيين والفرنسيات علي أداء أغراضه ؛ وكتب في رسالة سرية إلى رئيسه ربنترب يقول : " لقد وجدت في باريس امرأة هي خير من يوصلنا إلى اغراضنا ، وهي معروفة باسم الكنتس ده بورت وتبلغ من العمر ٤٣ سنة ، وهي قوية نشيطة محاتلة طموح مغرورة عظيمة التأثير في الناس . ورينو عبد خاضع لها لا يعصي لها أمرا ، وهي غنية لا تشتري بمال ، ولكنها تشتري بالملق ، ومجالسها ذائعة الصيت ، ويلتقي فيها كبار رجال فرنسا السياسيين ، ومن رأيي أن تقابلها في زيارتك التالية لباريس " .
وزارها ربنترب فعلا وتيقن مما كتبه له عامله
وتألفت في فرنسا بمساعي أبتز اللجنة الفرنسية الألمانية ، لتعمل في الظاهر على توثيق مجري الصداقة بين الامتين . ولتعمل في الخفاء على إفساد الحياة السياسية الفرنسية وكانت اللجنة تجتمع في دار هيلين ، وكانت هيلين نفسها من اعضائها البارزين ، ووقع عليها الاختيار للذهاب إلي المانيا لتعمل على تحقيق اغراض اللجنة . وقوبلت في المانيا ثم في إيطاليا بمظاهر التبجيل والتعظيم ، وعادت من برلين ورومة معجبة بالنازية والفاشية ، وداعية إلي التعاون بين فرنسا وألمانيا
وكان من المعجبين بها والمترددين على مجالسها المسيو بول بودون . وكان هو ايضا من الذين يطمعون في القوة والنفوذ السياسي ، وسرعان ما انضم إلى اللجنة الفرنسية الالمانية . وكان منهم أيضا الجنرال فيجان ، وكان هو وبودون من الذين يعتقدون ان فرنسا في حاجة إلى التجديد ، وأن هذا التجديد ان يكون إلا عن طريق الآلام .
ولم يكن في فرنسا غير امرأة واحدة تعرف حقيقة أمر هيلين ، وتستطيع أن تقف في وجهها ؛ تلك هي المركيزة ده كروسول صديقة دلاديبه رئيس الوزراء ، الإنجليزي النزعة ومن أشد أنصار التعاون مع انجلترا . وكانت كلتاهما تحقد على الاخري ؛ وأخذت هيلين تعمل لاسقاط دلاديبه ، لاختلافها معه في المبادئ السياسية ، وللعداوة القائمة بينها وبين صديقته المركيزة . وكانت الحرب قائمة والألمان يدفعون بجيوشهم نحو الغرب ، وسقطت وزارة دلاديبه ، وعين بول رينو رئيسا للوزارة ، وأصبحت هيلين اليد المحركة من وراء الستار ؛ فكان رينو يستشيرها في كل ما يعرض له من المشاكل . وكانت تحدثه دائما بأن فرنسا ضعيفة لا أمل لها في كسب الحرب ، وبأن انجلترا عاجزة عن إنقاذها . وكان في وزارة رينو
وزيران من أنصار التعاون مع انجلترا ، والقائلين بمواصلة الحرب حتى ينال النصر ، فعملت هيلين على إخراجهما من الوزارة ، فأخرجا وعين يول بودون وزير للحربية ، فكان تعيينا غريبا ! وهل هناك شئ اغرب من ان يعين وزيرا للحربية ، والحرب دائرة الرحي ، رجل من القائلين بأن لا أمل لفرنسا في كسب الحرب ، وبأن الآلام هي طريقها إلى الحياة .
وكان رينو حين تولي الوزارة قوي الاعتقاد بأن فرنسا ستكسب الحرب في النهاية ، وكان أول من رأي أن خطط جاملان خاطئة ، وأن المعاقل لا تفيد ضد الوحدات الميكانيكية ؛ وكثيرا ما كان وهو وزير الحربية في وزارة دلادبيه ينتقد سياسة جاملان ، ويطلب إبعاده وكان من المتصلين به ضابط شاب يدعو هو ايضا إلي تعديل الخطط الحربية وإلى اصطناع حرب الحركات والدبابات والوحدات الميكانيكية ، وهذا الشاب هو الجنرال ده جول رئيس قوات فرنسا الحرة في هذه الأيام ، وكان رينو يصغي إليه ويعجب به .
وعرض رينو هذه الآراء علي هيلين ، وقال لها إن ده جول هو الرجل الوحيد الذي يستطيع إنقاذ فرنسا ، فسخرت منه ، وسفهت رأيه . ثم اخترق الألمان خط الدفاع الفرنسي ، واتجهوا نحو باريس ، وأرسل رينو الضابط ده جول إلي لندن ليبلغ المستر تشرشل أن فرنسا ستحارب إلى النهاية ، وأوشك أن يعين ده جول قائدا أعلى للقوات الفرنسية لعله يستطيع أن يقف الزحف الألماني ، وكان قد انحاز إلي رأي هذا الضابط حين عرض عليه أن يتخذ الفرنسيون موقفهم الأخير في شبه جزيرة بريطاني في شمال فرنسا الغربي ، فإذا هزموا فيها انتقلوا إلي المستعمرات الفرنسية وواصلوا الحرب إلي جانب بريطانيا العظمي
ولم يكن هذا من رأي هيلين ، وكان لها دائما الرأي
الأخير ، وتردد رينو بين رأي ده جول ورأيها ، فأشارت عليه باستدعاء فيجان وإسناد قيادة الجيش إليه ؟ ولكن القائد الجديد لم يعمل شيئا لوقف الزحف الألماني بل كان كل ما يهتم به أن يحصل من الألمان على شروط الهدنة . وانتقلت الحكومة الفرنسية إلي بردو ، وحاول ده جول للمرة الأخيرة أن يضم رينو إلي جانبه ، وكاد رينو أن يوافق على آرائه رغم من كان يحيط به من دعاة التسليم .
ووصل نبأ اجتماعهما إلي هيلين ، فأسرعت إلي حجرة الاجتماع ، ونحت الحارس عن الباب واندفعت نحو المؤتمرين وقالت ونار الغضب تشع من عينيها : " ما هذا ؟ إني أؤكد لكم أنه مستحيل ، وان الموقف لا أمل فيه ، وانكم تنتحرون . فهل جن جنونك يا بول ؟ " وفي هذا اليوم نفسه استقال بول رينو ، وتألفت حكومة بنان ونالت هيلين بغيتها .

