الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 306 الرجوع إلى "الثقافة"

يرحم الله، الدكتور عبد الواحد الوكيل

Share

كان مثلا لابن مصر الذي تتقد في قلبه جمرة الإخلاص ، وكان مثلا للصديق الذي يتسع قلبه الرحب للوفاء ، وكان مثلا للإنسان الذي يحس آلام الإنسانية وهو بمنجي منها ، ويعرف حق المحروم وهو مستكف لم يمسه الحرمان كان احب الامال إليه ان يسعف الملهوف ، وان يرفه عن المكدود ، وان يبعث الحياة إلي المريض ، ويرسل الدم إلى عروق الجائع ، وكان فوق ذلك يذيع كلمة المعروف

عرفته شابا ، وعرفته رجلا ، ثم عرفته وزيرا ، فما كان في حال من تلك الأحوال إلا روحا واحدا وقلبا واحدا ، لا تزيده الأبام على مرها إلا قوة في الفكر ، وبسطة في أمل الخير ، وسعة في أفق الخدمة العامة

كان للوطن كله ، لا يدخر وسعا أن يعين بيده ، وان يمد الأصدقاء الذين يعملون معه بفيض من روحه ؟ فكان حيث تراه قطبا للبر والخير والمعروف

اتجه بكل نفسه إلي خدمة ذلك المواطن الفقير الذي يقيم في الريف ، وكانت طبيعته الخيرة لا تكاد تعرف اليأس . جاس خلال القري فرأي الشعب المحطم ينظر فاترا إلى كل محاولات الإصلاح نظرة كليلة بائسة ، ولكنه اشاع الامل حيث سار ، واقبل على علل الريف يدرسها ويحاول ان يجد الوسيلة لعلاجها ؟ وقابلته الصعاب ، واعترضته العقبات الكأداء التي تخذل نفوس المصلحين ، وتضعف الثقة في قلوب الرواد الإنسانيين

ولكنه كان دائم البشر لا ينطوي صدره إلا على الأمل . وكم قال في ثنايا حديثه : " إن الإخفاق هو وسيلة النجاح " ! ولكم تبسم عندما كان يري بعض خططه في الإصلاح تنهار تحت عينيه فلا يزيد على ان يقول :

" لقد استفدنا من هذه الخيبة درسا جديدا يعلمنا أن نعدل خطتنا " ! ثم يقبل على خططه فيعيد النظر فيها ، ويعود إلي الإصلاح ، فيتجه إليه بنفس قوية لم تزدها قسوة التجارب إلا مضاء

وقد رآه الناس وعرفوه وزيرا . كان يجاهر بأنه إنما ينتسب إلي الوطن ، وانه إنما ينتمي إلي هذا الشعب كله ، وانه إنما يهب نفسه للوزارة لعله يستطيع فيها أن يجد من القوة والسلطة ما يعينه على الخدمة العامة التي امتلا قلبه بالحماسة لها . وقد قضى مدة الوزارة مجاهدا في سبيل شائكة تهب عليها عاصفة هوجاء من المرض والجوع والعري ، عاصفة زادت العبء على عاتقه ؟ فلم يكن له إلا ان يجهد نفسه في الليل والنهار ، لا يكاد يستقر في قرار ، وهو لا يملك إلا نفسه القوية وامله الواسع يجاهد بهما ما استطاع .

وكان آخر العهد به أن ضرب مثلا جديدا رائعا من أمثلة الرجولة النادرة ؛ فقد عرض نفسه بعد أن تخلى عن الوزارة ، وكان عرضه كريما جديرا بنفسه الإنسانية عرض على وزارة المعارف ان يقوم على مراقبة الصحة المدرسية ، كما كان يقوم عليها قبل ان يدخل في صفوف الوزراء . ولم تقعده ذكري سلطان الوزير عن ان يتقدم للخدمة جنديا من الجنود !

ولقد لقي عرضه هذا تقديرا وثناء ، وكان نجاحه فيه من اعظم مآثر جهاده ، لأنه وضع به امام الشباب مثلا يجدر بهم ان يحتذوه .

فإذا كان القلب يدمي من الحزن على فقده ، وإن كانت الحسرة تملأ الصدور لحرمان البلاد منه ، فإن ذكراه الطيبة ومثله الكريم جديران بأن نتخذهما تراثا جليلا

وإن كان عبد الله خلي مكانه        فما كان وقافا ولا طائش اليد عليه سلام الله في الابرار ! لقد عرف كيف يملأ حياته ،

وكيف يمضي عنها كريما .

اشترك في نشرتنا البريدية