في اليوم الثاني عشر من شهر بناير الحالي احتفل الربون ، والمصلحون الاجتماعيون ، في مدينة جنيف ، بمرور مائتي عام على ميلاد المصلح الاجتماعي والمربى العظيم يستالونزي ، وقد ساهمت وزارة المعارف المصرية في الاحتفاء بهذه الذكري ، وارسلت برقية تشارك بها المحتفين في نبيل شعورهم ، وتسجل وافر تقديرها لما أسداء هذا المربى المتحمس للمجتمع وللتربية من خدمات جليلة
ويستالونزي سويسري الوطن ولد بزوريج حينما كانت سويسرا مقسمة إلى ثماني عشرة إمارة مستقلة ، وسبع وعشرين ولاية شبه مستقلة ، ويربطها جميعها تحالف ضعيف . وكانت لكل إمارة وولاية إدارتها الداخلية القائمة على نظام الطبقات ؛ هذا النظام الاجتماعي البغيض الذي يحكم به الأعيان والأغنياء في طبقة الفلاحين الفقراء ، ووصلوا بهم إلى حال شبيهة بحال العبيد
وكان لعزلة سويسرا عن بقية القارة الأوربية نصيب في انها لم تتأثر إلا قليلا بالأفكار الإصلاحية ، التى ظهرت
في أنحاء القارة فقد كان الكتاب الفرنسيون يدعون إلي الإخاء الاجتماعي ، وتحسين حال الفقراء وكانت كتابات روسو في التربية والاجتماع قد احدثت صدى قويا في المجتمعات الراقية . وبدأ الارستقراط يفكرون في إنشاء مدارس للفقرا ، بعد أن كان التعليم مقصورا على ابنائهم . وفي تحسين أماكن التعليم . أما في بروسيا فإن فردريك الأكبر قد أصدر قوانين سنة ١٧٦٣ و سنة ١٧٦٥ ، تحتم أن يكون التعليم إجباربا علي كل طفل من سن الخامسة إلي الثالثة عشرة . وفي النمسا شرعت ماريا تريزا في تعميم التعليم بين الطبقات
وإذاً فقد كانت في أوربا يقظة تربوية ديمقراطية .ولم يكن الباعث عليها في الواقع الشعور بحقوق الشعب ، وإنما كان مبعثها خبريا إنسانيا . وظهر لهذه اليقظة صدي في سويسرا ؛ فأخذ الكتاب ينادون بضرورة تعليم أبناء الفقراء ، وأخذ الأعيان يقدمون المساعدات المالية للمدارس القائمة ، ويقيمون مدارس جديدة لابناء الفلاحين . ولكن هذا لم يكن إصلاحا شاملا ، وإنما كان تفضلا قليلا وغير منظم جادت به أريحية الأغنياء ، فلم يكن له أثر قوي . وإذاً فقد كانت البلاد في حاجة إلى رجل من ابناء الشعب الفقراء الذين نشئوا في أحضان البؤس والشقاء ، وعرفوا الداء والدواء ، حتى يكون الاصلاح مبنيا علي الخيرة والشعور بمواطن النقص . وقد كان هذا الرجل يستالوتزي
تيتم صاحبنا وهو في الخامسة . وكانت أمه رقيقة الحال ، ولكنها صالحة طيبة القلب ، غمرت ابنها بعنايتها وعطفها . ولم يكن هو مبرزاً في حياته المدرسية ، ولا في دراسته بالكلية الى امضي فيها سنتين يتعلم اللاهوت وكان أثناء تلمذته يتردد على جده في قرية خارج زوريخ ، فشاهد بنفسه ما كان فيه الفلاحون من بؤس ، وهاله ما هم فيه من فقر وتعس . فصمم على ان يهب نفسه لخدمة الفقراء ، ومقاومة الظلم . وهذا ما حدا به لان يكون
قسيسا . غير انه لم يوفق في أول صلاة اقامها في الكنيسة ، فترك مهنة اللاهوت وحاول ان يشتغل بالقانون فحاربه رجال السياسة من اهل زوريخ . وكان ان اشترك في الجمعية الهلئية التى جعلت هدفها تحرير العامة من سلطان النبلاء واغرم بكتابات روسو وأرائه ، وأخذ يحارب بقلمه ولسانه طغيان الارستقراط ولكنه طورد وسجن ، فقرر أن بعمل برأي روسو وان ( يرجع إلى الطبيعة ) ، فذهب إلى الريف وهناك بنى على ضيعة كبيرة منزلاً سماه ( نيوهوف) واراد ان يعيش وسط الفلاحين ليساعدهم ، ويعلمهم خير الطرق في الفلاحة والحياة المنزلية . ولكنه كان سيئ الحظ ففشل في مشروعه
لم يزعزع فشل يستالوتزي من إيمانه برسالته ، فقد كان يعتقد أن الفقر لاغضاضة فيه . وإنما الغضاضة في أن يستعبد الفقراء لجهلهم ، وأن يعيشوا عبشة خالية من الكرامة . ولذلك قرر أن يجعل من منزله - نيوهوف - مدرسة صناعية يدخلها أبناء الفقراء لينالوا من التربية الجسمية والخلقية والعقلية ما يساعدهم على تحسين حالهم ، وخلع نير السيادة عنهم . ثم نفذ مشروعه الجديد ، ووقف زمنه ومجهوده وماله على تربية الفقراء . وكان تلاميذه يفلحون الأرض في الصيف ، ويشتغلون بالغزل والنسيج في الشتاء . أما البنات فيتعلمن التدبير المنزلي والخياطة وفلاحة البسانين . هذا إلي ما كان يتعلمه الجميع من مبادئ القراءة والكتابة والحساب . وكان من المبادئ التي وضعها وطبقها ما قاله من أن تربية الفقير يجب ألا تعوضه عن أن يعيش في حال الفقر التي كان عليها . وهو لم يغفل مع هذا التربية الخلقية لأنه كان يعتقد أن التربية الصناعية وسيلة من وسائل التربية الخلقية ، ولم ينقل التربية الدينية بل رآها ضرورية لإيقاظ قلوب الفقراء ، وجعل وسيلتها الوعظ والإرشاد واشتراكهم معه في الصلوات ، وقد أثمرت
مجهودات هذا الرجل ، ورأي نمو الأطفال في اجسامهم وأخلاقهم ، وعقولهم ، فزاد عددهم . ولكنه لم يستطع الإستمرار في الانفاق علي مدرسته ، فأفلس وأغلقها ؟ وقد كتب بهذه المناسبة يقول : " لقد بذلت اقصى جهدى ، وتعلمت كثيرا من الحقائق ، واكتسبت تجارب قيمة . ولم تكن ثقتي بالأهداف التي سعيت إليها ، ولا بأهمية المشروع الذي بدأنه أقوي في أي لحظة منها في اللحظة التي فشلت فيها .))
ظل يستالونزي بعد إغلاق مدرسته ثمانية عشر عاما - إلي سنة ١٧٩٨ - في عيشة فقر مدفع ، وقد أنفق هذه المدة في الكتابة والتأليف ، وتدوين آرائه وتجاربه في التربية . وقد ذكرنا أنه كان نصير الشعب ، مدافعا عن حريته . لذلك لا غرابة أن تجده من أكبر أنصار الثورة الفرنسية ، والمدافعين عنها في بلاده . وفي سنة ١٧٩٨ كان الجنود الفرنسيون قد خربوا مدينة ستانز ، وقتلوا كثيرا من سكانها ، وخلفوا وراءهم عدداً من الأطفال الأيتام ، فاستدعي يستالونزي ليؤسس لهم مدرسة ، فلبي الدعوة برغبة صادقة . وهناك حول ديراً إلى مدرسة ، وعاش مع الأطفال كأنه واحد منهم . فكان يقوم بوظيفة الأستاذ والوالد والخادم والوصي والممرضة ولم يكن عنده شئ من الأدوات المدرسية ، فاعتمد على الطبيعة وجعلهم يلاحظون ويختبرون ، ويكشفون ويفهمون . ولقد وصف حياته في هذه المدرسة بقوله : " كنت ألازم الأطفال من الصباح إلى المساء . ولم أدع فرصة يستعان بها علي إنماء أجسامهم وعقولهم إلا انتهزنها ، وكانت يدي إلى أيديهم في كل عمل وبسماتي تصحب بسماتهم في كل حين . وكنا نقتسم الطعام والشراب ، وتمشى في الحقول والزرع نستنشق طلق الهواء ، وكنت أحس الصحة والعافية ما داموا في صحة وعافية ؟ غير أن يستالونزي لم يكن في هذه المرة بأحسن حظا منه
في المرات السابقة ، فلم تمض خمسة أشهر حتى اتخذ جنود فرنسا مدرسته مستشفى للجرحي فغادرها آسفاً .
لم يقف نشاط يستالونزي عند هذا الحد ، بل أتيحت له الفرصة ليكون معلما في مدرسة برجدورف وقد وجد في هذه المدرسة مجالا أوسع ليطبق تجاربه ، وافكاراً جديدة ، " فقد ذهب الى ان الطفل مزود بقوي ومواهب ، وأن وظيفة المدرس هي إنماؤها . وذهب الى أن معارف الأطفال تأتي اليهم عن طريق حواسهم ، فلا بد إذاً من تنمية هذه الحواس ، حتى يكون فهمهم لما يحيط بهم صحيحا . وهكذا نجد نظرياته التربوية قد صارت أشمل مما كانت عليه من قبل . ولم يلبث في هذه المدرسة الجديدة أن حبب إليه التلاميذ فتعلقوا به ، مما اثار الحسد في نفس الناظر فتخلص منه
كل هذا لم يقض على أمال يستالونزي ولم يئن من عزمه . وها نحن أولاء مجده في سنة ١٨٠٥ شريكا في معهد ايفردون ، وكان في هذه المرة أكثر توفيقا ؛ فقد وفد اليه التلاميذ من جميع انحاء اوربا . وتنبه كثير من الحكومات لطرقه في التعليم وإصلاحاته الاجتماعية ، فأرسلت ابناءها ليتلقوا تعاليمه ، وهكذا ظل يستالونزي في معهده عشرين عاما انتشرت فيها آراؤه ، ولكن في النهاية دب الخلاف بينه وبين زملائه ، فترك المعهد ، ورجع إلى نيوهوف موطن شبابه
كانت حياة هذا الرجل سلسلة من المخاطرات في سبيل الفقراء ، وحرية الشعب . فقد عمل وعلم وكتب
وأنفق المال والجهد . وخلد له تاريخ التربية آراء لا تزال معالم يهتدي بها المربون ؛ ونادي بضرورة ان يتعلم الطفل بنفسه وعن طريق تجاربه ، حتى تنمو مواهبه وتكمل فرديته .
ويستالونزي هو الذي نادي بأن تكون تربية الفقراء غير مانعة لهم من ان يعيشوا في ظروف الفقر التى نشئوا فيها . وقد أراد بهذا ان تكون المدرسة إعداداً للحياة الخارجية ، والظروف الواقعية
نعم عاش يستالونزي للفقراء ، وأحب الفقراء ودافع عنهم . وكان في طليعة القائلين بأن أي إصلاح لا يمكن أن يقوم إلا على تربية الجمهور ، وان تعليم هؤلاء لا يجديء الم يكن مصحوبا بالحب والعطف
عاش هذا الرجل ، وصحي وعمل ، وكتب ونشر في سبيل التربية الشعبية الاولية . ولما مات كتب على قبره : " بذل كل شئ في سبيل غيره ، ولا شئ لنفسه "

