في الأسبوع الماضي تعثرت يوغوسلافيا ، ثم نهضت ، وذلت خاضعة ، ثم لم تلبث أن عزت ورفعت رأسها عاليا . . في يوم الثلاثاء الماضي امضى وزراؤها وثيقة الانضمام إلي المحور . وفي السويعات الأولى من صباح الخميس قبض على هؤلاء الوزراء ، وهرب الوصي على العرش وزوجه ، وتسلم الملك الشاب زمام الأمور . واختار للحكم وزارة قوامها رجال الجيش والوزراء الذين أبوا ان يشتركوا في إمضاء الميثاق . وانضم إليها زعيم الكروات والسلوفين . وقد تم هذا كله بسرعة هائلة . وكأنما كل شئ كان معدا إعدادا دقيقا ، ومنظما تنظيما كاملا ، ولئن انتهى هذا " الانقلاب " - وهو حقيق
بأن يسمي " اعتدالا " لا انقلابا - دون أن تراق فيه قطرة من الدم ، فما ذلك إلا لان هذا التحول الجديد يستند إلى إرادة امة يقظة ساهرة ، وان سياسة الخضوع لم يكن لها انصار سوى فريق من رجال الحكومة ، وأعوان دولتي المحور ، وهم قليلو والخطر برغم عناية المحور بهم ورعايته لهم .
أرادت ألمانيا أن تتوغل في شبه جزيرة البلقان ، بعد أن تم لها التوغل في غرب أوربا . وقد سبق لها أن جعلت من سلوفاكيا والمجر دولا تابعة ، تخدم سياستها وأغراضها . ثم أرادت أن تخضع دول البلقان لما خضت له سلوفاكيا والمجر فبدأت رومانيا ، فاحتلتها احتلالا
عسكريا سياسيا ، واقتطعت جزءا منها فوهبته لدولة المجر ، وشطرا آخر صغيرا وهبته لبلغاريا ، وظلت أشهر الشتاء تعد العدة لإخضاع ما تبقي من دول البلقان . ومنيت إيطاليا بهزائم مذلة في ألبانيا علي يدي دولة كانت إيطاليا تحسبها لقمة سهلة الأزدراد ، فإذا هي تلفيها شجى في الحلق ، وحرجا في الصدر ، وقوة تستنزف دمها وتكسر شكيمتها . ولم يكن بد من ان تستعجل المانيا في تنفيذ خطتها لإخضاع البلقان . فان إذلال إيطاليا لا يخلو من إذال لحليفتها . وإذا ذل مولى المرء فهو ذليل فأصبح من الراجح ان المانيا ستثير حربا في البلقان من أجل المحافظة على " السلم " في البلقان - وليست هذه بالمرة الأولى التي تسعى فيها دول المحور الأشياء بغير أسمائها - فبدأت توغلها في بلغاريا ، واخترقت جنودها نهر الطونه ، وتقدمت إلي حدود تركيا واليونان . واحتلت المطارات ، وأخذت تبني الطرق التي تصلح لسير القوات المصفحة التي هي قوام الحرب الألمانية .
وتم لألمانيا ما أرادته من الاستيلاء التام على مرافق بلغاريا ، دون ان يبدى الشعب أو الحكومة مقاومة تستحق الذكر . ولا شك ان المانيا قد بذلت الوعود السخية لتلك الحكومة ، ومنها بمنفذ عظيم إلى بحر اليونان ، ويضم شطر غير قليل من إقليم صربيا الشرقي ، حيث يعيش كثير من البلغار . وماذا يضير المانيا من هذا كله ؟ اليست بلغاريا كلها خاضعة لسياستها ؟ فمن المستحب أن تكون كبيرة عظيمة ، وكان من الجائز أن يتساءل رجال الحكومة البلغارية : ما فائدة تكوين دولة بلغارية عظيمة ضخمة ، ما دامت خاضعة للأجنبى مسخرة لارادته ؟ اليست بلغاريا الصغيرة المستقلة انبل قدرا واعلي شأنا من بلغاريا العظيمة الحجم الذليلة النفس؟
على أن ساسة بلغاريا فضلوا الضخامة الموعودة مع الذلة الواقعة على الاستقلال التام من غير منفذ إلى بحر اليونان ، ومقاطعة صغيرة في شرق صربيا وسواء أكان
ساسة بلغاريا مسوقين بعامل الرغبة او الرهبة ، فقد أخضعوا بلادهم ومرافقهم لألمانيا . وأصبح في وسع الجيش الألماني أن يتقدم من ارض بلغاريا " المحايدة " لغزو ارض الترك أو اليونان . بيد أن الحكومة النازية لم تعجل بغزو اليونان ، قبل ان تنضم يوغوسلافيا ايضا إلي سياسة المحور .
كان في وسع ألمانيا أن تكتفي من يوغوسلافيا بسياسة الحياد الدقيق ، وان تجعل من بلغاريا وحدها قاعدة للهجوم على اليونان ، إذا كان غرضها الهجوم على اليونان . بل كان في وسعها ان ترسل جنودها إلى البانيا مباشرة كما تفعل ايطاليا ، وتشارك حليفتها الحرب بطريقة واضحة صريحة
ولكن غرض ألمانيا ليس مقصورا على محاربة اليونان وليس غرضها مجرد بذل المعونة لحليفتها المهزمة ، وإنقاذها مما تورطت فيه . كذلك ليس غرضها ان تقتحم البلقان وتركيا ، لكى نتوسل بهذا للاغارة على مصر ، كما يتوهم كثير من الناس ذوى الخيال الواسع . إن المانيا دخلت البلقان من أجل السيطرة على البلقان ، ومن أجل الانتفاع بمرافق البلقان ، ومن أجل إكمال السياسة المرسومة للتوسع النازي الذي اتجه منذ الخريف الماضي نحو أوربا الشرقية ، بعد أن تم له ما أراد في أوربا الغربية . لهذا لم يكن يد - بعد السيطرة على رومانيا وبلغاريا - من محاولة السيطرة على يوغوسلافيا . ولكن المشكلة هنا كانت أصعب تحقيقا ، والمطلب أبعد منالا
تتألف المملكة اليوغوسلافية من ثلاثة عناصر سلافية رئيسية ، وهي الصرب والكروات والسلوفين . فأما الصرب فيحتلون الشطر الاكبر من المملكة ، ومواطنهم تمتد من نهر الطونة شمالا ، إلى حدود اليونان جنوبا ، ومن حدود بلغاريا شرقا إلى البحر الأدرياتي غربا ، ويلحق ببلاد الصرب إقليم البوسنة والهرسك ، حيث يعيش كثير من المسلمين ، والأقليم الذي كان يعرف
فيما مضى باسم الجبل الاسود ، وهو متاخم لحدود ألبانيا الشمالية
اما الكروات فيعيشون بين البحر الأدرياني ونهر الساف الأعلى ، وتمتد أوطانهم إلي الحدود الايطالية ، بل إن طائفة كبيرة منهم تعيش داخل إبطاليا ما بين
فيومي وتريستا ، ويسكن السلوفين الاقليم المتاخم لحدود النمسا والمجر . وهم يعدون أرقي ثقافة - على قلة عدوهم - من سائر العناصر التي تتألف منها المملكة . كما يمتاز الصرب بالصفات الحربية ، وحب الحرية ويروى في بسالتهم وجرأتهم قصص كثيرة لا يتسع لها هذا المقال . وقد قيل عن الكروات إنهم يميلون لالمانيا ، والأرجح
ان في هذا القول شيئا غير قليل من الاسراف ، فان زعيمهم قد دخل الحكومة الجديدة ، وتولى منصب نائب رئيس الوزارة فيها .
وفي المملكة اليوغوسلافية أقليات لها خطرها ، من المحر والبلغار والألمان . ولكن عددها ليس بكبير
ومجموع سكان البلاد يزيد في الوقت الحاضر علي خمسة عشر مليونا من الأنفس . يحتل قطرا مساحته نحو ربع مليون من الكيلومترات المربعة ، او نحو نصف مساحة فرنسا . ولكن الجزء الاكبر من هذه المساحة جيلي وهي ؛ والأقليم الوحيد الذي يمتاز بالسهولة هو الربع الشمالي المتاخم لنهر العلونة . والمملكة على كل حال فنية
بزرعها وفاكهتها وماشيتها ؛ وفي هذا وحده ما يرغب النازي فيها . ولها فوق هذا خطر عظيم بأنها يجتازها الطريق الحديدي السريع إلي البلقان وهو ذلك الطريق الشهير الذي تجري فيه القطارات السريعة إلى سلانيك واستامبول . وكان يطلق عليه فيما مضي اسم " إكسبريس الشرق " ويجري هذا الطريق وسط الجبال متبعا نهر المورافا ، احد روافد الطونة ، فيصعد الطريق الحديدي محاذيا لهذا النهر ، حتى يصل إلى منابعه ، بالقرب من بلدة اسكوب . ثم ينحدر من هناك جنوبا محاذيا لنهر وردار إلي خليج سلانيك . وهذا الطريق الشهير طريق المورافا والوردار ، هو خير وسيلة ، بل يوشك ان يكون الطريق الوحيد الذي يصل نهر الطونة الأوسط ببحر اليونان ، ويخترق الكتلة الجبلية الوعرة ، التي تحتل النصف الغربي من شبه جزيرة البلقان.
لهذه الأسباب جميعا كانت السيطرة علي يوغوسلافيا اهم في نظر النازي من التوغل في بلغاريا . ولكن الأولى كانت من غير شك اصعب مراسا ، وليس بمعروف تماما ما الذي تستطيع المانيا أن تبدله من وسائل الترغيب ليوغوسلافيا ، فإن ما تحتاجه هذه بوجه خاص هو احتلال جزء من اراضى إيطاليا المتاخمة لها حيث يعيش كثير من الكروات ولا تستطيع المانيا أن تعدها بها . ولقد وعدت بلغاريا بالجزء الشرقي من صربيا ، حيث تعيش طائفة كبيرة من البلغار . ومن الجائر أن تكون يوغوسلافيا ايضا قد وعدت بمنفذ إلى بحر اليونان في مقابل ما تفقده من استقلال وكرامة ، وتعديل في حدودها الشرقية .
ومهما يكن من شئ فإن يوغوسلافيا ترددت في قبول الانضمام إلى " النظام النازي" وحقي لها أن تتردد ، فيوغوسلافيا مدينة بوجودها الحالي إلى الجهاد الذي قامت به في الحرب الماضية ، وإلى المعاهدات التي وقعت بعدها ، وهي معاهدات لا يتفك زعم ألمانيا
يجرحها وينقدها أمر النقد . ولقد كانت سياسية الملك المرحوم إسكندر ترمي إلي توثيق الروابط بين دولته وبين فرنسا ، وكان ماضيا في تنفيذ هذه السياسة حين تعرض له في مرسيليا شقى مجهول في أكتوبر سنة ١٩٣٤ واعتدى عليه ، فقضى محبه هو ووزير خارجية فرنسا بارتو . ويزعم كثير من الناس ان هذا الشقى المجهول ، الذي كان يحمل جواز سفر مزور يدل على انه اقام عدة أيام في مونيخ قبل ارتكاب جريمة ، هو من الأشخاص الذين تحركهم أصابع أعداء فرنسا .
وسواء اصح هذا الزعم ام لم يصح ، فقد حرمت يوغوسلافيا قيادة ملك حازم . ووضع ولى العهد تحت وصاية رئيسها البرئس بولس المعروف بميوله الآلمانية ؛ ولم يلبث ان تولي الحكومة الدكتور ميلان ستويا دينوقتش ، الذي ظل بدير دفة البلاد اربعة اعوام كاملة من سنة ١٩٣٥ إلى سنة ١٩٣٩.
ليس من السهل اتهام رجل من كبار الدولة بالخيانة . وربما كانت سياسة " ستويا " - كما يدعوه أصدقاؤه صادرة عن عقيدة واقتناع . ولكنه على كل حال قد جعل المصالح الألمانية في بلاده المكان الأول ، مبتدئا بالناحية الاقتصادية ، فكان يبع غلات بلاده إلى المانيا في مقابل الات ومصنوعات ، ليست البلاد في حاجة إلي الكثير منها . ولقد يعطى غلات بلاده لألمانيا مقابل اعتمادات قد لا تستطيع البلاد تحصيلها . ولابد من الإشارة إلي أن الدوافع التي كانت تدفع هذا الوزير - على فرض أنها دوافع وطنية نبيلة - لم تمنعه أن يحرز لشخصه منافع شتى ؛ فقد كان مساهما عظيما في شركة كروب الألمانية . وكذلك استطاع أن يستولي على الجزء الأكبر من مفهوم جريدة " فريمي" الشبيهة بالرسمية ، وان يولى أخاه رياسة تحريرها ، وان يضع تحت تصرفها جميع الأنباء ، ( البقية على صفحة ٣٣ )

