الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 304الرجوع إلى "الثقافة"

يول كراوس

Share

ما كنت أحسب حين حياني ظهر يوم الخميس ١٢ أكتوبر في مكتبة الجامعة انه ذاهب إلى حيث يلقي ربه بأحسن الأعمال وأقوم الخلال وأنصع الصفحات ؛ وما كنت أحسب أن هذا الشاب الذي لم يتجاوز الأربعين من عمره ، والذي عرفته في باريس يلقي دروسه القيمة في مدرسة الدراسات العليا بالسربون ، والذي توطدت صلتى به حين عملنا سويا في جامعة فؤاد الأول ، ما كنت أحسب أنه حين هز يدي قائلا إنه سأل عنى في الكلية ثم في البيت ، انه اتي ليودعني وذهب عني ليودع الحياة .

ومن منا نحن أصدقاءه كان يتصور أن هذه الحركة الدائبة وان هذا الذكاء الوقاد ، وان هذه الحياة المنتجة الخصبة ، وان هذا الرحالة الذي يحاضر في جامعة فؤاد وفي جامعة

بيت المقدس ، والذي يشرف على مكتبة جامعة فؤاد ، ثم يذهب إلى فلسطين ليشتري الكتب لمكتبة جامعة فاروق ؟ والذي نراه ومن حوله طلبته في النهار ، ثم هو مع جماعة العلماء في المعهد المصري بالليل ، من منا كان يتصور ان بأن هذا كله سيخبو ، وان ساعة غير ميمونة ستحمله على ترك الدنيا وما فيها ومن فيها ؟ !

ولكنه الأجل المحتوم الذي لا مفر منه ! والذي سبقنا إليه صديقنا المحبوب يول كراوس .

حقا يا صديقي ! لم يكن هذا المجد العلمي الذي بلغته بجهدك وذكائك ومثابرتك وجدارتك لينسيك ما دهي الإنسانية في العهد الأخير من ويلات . ويشاء ربك ان تكون من الزمرة التي لقيت من هذا الاضطهاد ابشع صنوفه وأقسى آلامه ! ولم يكن بد لصديقك الكبير " بيكر " من أن ييأس من القدرة على حمايتك مع ماله من

سلطان وزارة بروسيا في الحكومة الديمقراطية ؛ ولم يكن بد لصديقك الكبير بيكر من ان يرسلك سنة ١٩٣٣ من برلين إلي باريس ، ويستودعك الله ويعهد برعاية شئونك ومساعدتك إلي صديقه ماسينيون ؛ ولم يكن ظهورك على اقرانك في باريس ، وبلوغك الذروة التي يطمح إليها أكثر العلماء ثقافة ، وما اتيح لك من التعليم في ارقي جامعات الأرض ، وما افاء الله عليك من خصب الإنتاج وثقة العلماء فيما تكتب ؛ لم يكن هذا كله ليسدل الستار على فكرة الأجنبي الذي يكرمه الفرنسيون من العلماء والطلاب ، والذي ترحب به باريس وتتسع له وتفتح له باب جامعتها ! فقد كان ينبغي ان يظهر هذا الاجنبي في بلاده التي طرد منها وهو فخرها . وقد كان من حق هذا الاجنبي ان يكتب بلغة قومه ، وان ينعم برفقة أهله وعشيرته ! نعم

وكم كان يحلو في عينيه منظر الجبال والوديان في براغ ! وكم كان حلوا هذا البيت الصغير وقد ازدان مدخله بالحديقة الصغيرة ذات الورود اليانعة ! وكم يعظم ، عند الذي حرمت عليه بلاده ، الحنين إليها أنا يا صديقي اقدر هذا كله ، وقد قرأت في " دنيا الأمس " الكتاب الذي تركه مواطنك العظيم ستيفن تويج قبل مغادرته الدنيا راضيا هادئا آمنا مع زوجه البارة ، وهو مؤمن بطلوع فخر جديد لم يصبر على انتظاره ، وتمني لأصدقائه ان يروه بعدما طال الظلام .

نعم يا صديقي ! وما كان أتفه المجد الذي أسبغته عليك ككتبك عن جابر بن حيان والرازي والحلاج ؛ وابحاثك عن الأوزان الشعرية في العربية والعبرية ؛ وآراؤك في اشعار العهد القديم ؛ وآثارك هذه الخالدة التي حملت العلماء في كلية الهندسة في مصر وفي فلسطين على دعوتك للتحدث إليهم في تاريخ العلوم عند العرب ، والتي حملتنا نحن اصدقاءك على متابعة دروسك في فقة اللغة والنحو المقارن ، والتي جعلت لك بين تلاميذك والمعجبين بك مقاما عليا يصبو إليه

المشتغلون بالبحث الحر والعلم الخالص ! ما كان أتفه هذا المجد وأقله كان يكفيك لأن تعيش سعيدا في بلدك ومع أسرتك . ويشاء ربك أو يشاء كسب القوت أن تأتي مصر سنة ١٩٣٦ ، فتهييء لك الجامعة مكانا بين أساتذتها ، فإذا بك فخر للجامعة وكسب لها . وها هي آثارك التي هي بعض مآثرك : قاعة اللغات الشرقية التي وسعت آلاف المجلدات تشهد على جهدك المحمود في تنظيمها ، وتيسير النفع بها للطلاب ؛ وها هي مدرستك تعمل في رسائل الجاحظ وكتاب الحيوان ؛ وهاهم أصدقاؤك يعاونك في تعريب كتاب تفسير ورسائل الرازي ؛ وها هو ياكراوس معملك في شارع حشمت موصدة أبوابه في وجه مساعديك من أبرع الطلاب . وما أتفه هذا كله حقيقة يا صديقي ! فقد كان خيرا منه أن تجد الذي إذا رآك حزينا رحم الابنة المشردة في باريس ، وقد تركتها لتكسب قوتها وقوتك ، بعد أن حمل الألمان أمها على تركها حملا ! نعم خير منه أن تجد الذي برحم من ماتت زوجه وهي تلد الصغيرة الجميلة التي أبعدتها عنك صروف الزمان في بيت حضانة في القدس بل خير منه أن تجد من يواسيك إذ تلقيت من أختك خطابا تحدثك عما تلقي من هوان وقد أصبح أخوك عائلها من المفقودين ، فإذا هي وسط الذئاب لاحام ولا راع !

وإنه لزمن يا صديقي قل أن نجد فيه من يرحم الذي يحيط به مجد العلم ، وتهزأ به صروف الزمان

اللهم ارحمه ولا ترحم من اخرجه من بلاده ، فجعله وهو الزهرة التى تنشر أريجها فتنعش ما حولها ومن حولها محتاجا إلى عطف الناس ! اللهم ارحمه ولا ترحم الذي عكر عليه صفر حياته ، فجعله ينقم على ما فتح به ربه عليه ، ويسخر مما وهبه الله من دكاء ، ويضيق بما اسبغ عليه من نعم ! اللهم ارحم كراوس بقدر ما أفاد العلم ، وبقدر ما تحمل من إيذاء ! صديقك

اشترك في نشرتنا البريدية