الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 48الرجوع إلى "الثقافة"

يوميات أندريه جيد

Share

( بقية المنشور على صفحة ٨ )

في أول هذا الفصل إن شخصية أندريه جيد متعددة واحدة في وقت معا ، فهو يحب زوجه أصدق الحب وأعمقه وأبقاء ، ويجزع لمونها أشد الجزع ، ويصور جزعه في صحف خالدة ، ولكنه في الوقت نفسه ينحرف عنها انحرافها منكرا ، ولا يري بذلك بأسا ولا جناحا وقد قلت كذلك في أول هذا الفصل إنه بقسو علي نفسه كما يقسو علي غيره في صراحة وصدق ؛ ورعا كان من أوضح الأدلة على هذه القسوة أنه عرف من نفسه البخل وحب المال ، فلم يتردد في تسجيل هذه الخصلة من خصاله ، وفي تسجيل ما تكلفه من العناء المادي والخلتي ؛ فهو يذهب إلي المطعم فيأكل غير ما يشتهي أو أقل مما بشتهي بخلا بالال ، ثم يألم لذلك ويشكو منه ، وهو يدعو غيره إلي الطعام ، فإذا أدى الثمن قصر في إرضاء الخادم ، ولم يمنحه إلا قليلا ، ولعله لا يمنحه شيئا بخلا وتقتيرا ، ثم يستخدم لذلك ، ويسجل خزيه ، ويعرف الناس عنه هذا البخل فيندرون به ، ويخترعون القصص الأحاديث ، وتنتهي نوادرهم إلي أندريه جيد ، فلا يتردد في تسجيلها وتصحيحها ، إن احتاجت إلي التصحيح . ولا أذكر قسوته على نفسه في الفن ، فتلك خصلة لا يكون الأديب أديبا إلا بها . وأما قسوته على غيره فتصورها هذه الأحكام الصارمة التي يدمع بها أصدقاءه وأحب الناس إليه في فنهم ، وفي أخلاقهم ، وفي صورهم وأشكالهم ؛ كما يمع بها خصومه وأبغض الناس إليه ، ثم لا يتردد في إذا عنها ، وأصدقاؤه وخصومه أحياء ، كما أنه هو حي أيضا . ومن الممكن ، بل من المحقق ، أنهم سيقرأونه وسيللقونه ؛ ولكن أي بأس عليه وقد أخذ نفسه بالحرية

والاستقلال ، وبالصراحة والصدق ؟ وهو على بخله وجهه المان ، رقيق القلب جدا ، طيب النفس جدا ، عطوف على الفقراء والبائسين ، لا يتردد في معونهم ، وتيسير الحياة لمحم ، فهو يبخل على نفسه ، ويبخل على القادرين من اصدقائه وذوي معرفته ، ولكنه لا يبخل على العاجزين والبائسين .

وعطف أندريه جيد على الفقراء والبائسين ، وإيمانه بالحرية والمساواة ، وكرامة الشخص الانساني ؛ كل هذا مضافا إلى مسيحيته الخالصة ، قد دفعه إلي الشيوeية حين ظهرت وعظم امرها . وإذا هو بدافع عنها أشد الدفاع وأقوا ؛ ولكنه حر صادق ، فلا يكاد بزور روسيا ويري فيها ما يري ، حتى يعود ساخطا على النظام القاسم فيها ، معلنا سخطه ، متعرضا لغضب المتطرفين ، كما تعرض من قبل لغضب المحافظين ، ساخرا من غضب أولئك وهؤلاء ، كما سخر من غضب البروتست والكاثوليك والملحدين

وهناك مسألة يعني بها أندريه جيد في يومياته عناية شديدة ، وهي مسألة تأثيره في الشباب ؛ فخصومه بشفقون من هذا التأثير اشد الإشفاق ، على حين يرى هو في بعض أوقاته انه لم يؤثر في الشباب أو لم يؤثر فيهم كما ينبغي ، ويتمني في بعض الأوقات لو استطاع ان يؤثر في الشباب ، فيعلمهم الحرية والاستقلال ، ولا سيما بالقياس إلي اساندتهم وبالقياس إليه هو خاصة . والشئ الذي لاشك فيه هو ان اندرية جيد قد أثر في أجيال من الشباب الفرنسيين تأثيرا عميقا ، ولا سيما من الناحية الفنية ومن ناحية الحرية الآدبية في الشعور وفي تصوير الشعور . ولصل أتحدث إليك في يوم قريب عن تلميذ من تلاميذه كاد يكون صورة منه لولا ان الموت اخترمه قبل أن يبلغ الأربعين

وبعد ، فقد يكون من الخير أن لرد هذه الشخصية القوية المتمردة إلي اصولها وعناصرها في اسطر قصار بعد

هذه الإطالة التي لم نجد منها بدا ، وقد ذكرت مسيحيته الموروثة وأثرها في أخلافه وتفكيره ، فلأضف إليها كلفه بالعلوم التجريبية ومشاركته فيها ، وأسفه لأنه لم يفرغ لها ؛ ثم لأضف إلي هذين العنصرين عنابته بالوسيفي وراعته فيها ، وأخذه نفسه بالتوفيع ساعات في كل يوم ، وحزنه أن حالت الظروف بينه وبين هذا التوقيع . فأما القراءة فقل فيها ما شئت ، ولا سيما قراءة الأدب الإنجلزي والآناني والروسي ، وبنوع خاص شيكسبير وجوت ودوستويفسكي وهو من اكثر الأدباء قراءة للأدب الفرنسي فدعه وحديثه ، يقرأ الكتاب مرة ومرتين وثلاثا ، ويجد في كل مرة لذة جديدة ورغبة في الإعادة . وهو مشغوف شغفا خاصا يلزاك وزولا ؛ وله على معاصر " أحكام تبلغ القسوة المذكرة ، وأحكام اخري تبلغ الإهجاب الذي لا حد له . وما ينبغي انسي عنابته بالأدب القديم وبالأدب اللاتني خاصة ، وتأثره بهذا الأدب في فنه ، ولا سيما من ناحية النظم والموسيتي ، حتى يضيق أحيانا بهذا التأثر ؛ فنتره بوشك أن يكون شعرا ، لأنه بقيمه على لون من الموسيقى بوشك أن يكون حسابا .

وأندريه جيد حضري الغريزة بدوي السيرة ، حريص اشد الحر ص على لذات الحضارة ورفاهيتها ، مبغض اشد البعض للإقامة المتصلة في مكان واحد ، كان ابا تمام قد قال فيه بيته المشهور :

كأن به ضغنا على كل جانب

                  من الأرض أو شوة إلي كل جانب

فأنت ترراء متنقلا بين باريس وقريته في نور مندبا وجنوب فرنسا وإيطاليا والمسانيا وافريقيا الشمالية وترثيا ومصر والروسيا . ولا فريقيا الشهالية اثر خاص ممتاز في حياته الأدبية ، وقد الهمته أجمل كتبه واروعها . ولم يتصل جيد بشعب ، بعد الشعب ، كما اتصل بالشب العربي في الفريقيا الشمالية ، وبالشعب العربي الساذج

النافل ، يلتمس عنده لذاته على اختلافها .

وقد أطلت ، ولكن ماذا أصنع وأنا مطيل بطبعي ، ومضطر في هذا الحديث إلي ان اصور لك كتابا يبلغ كثر من ألف وثلاثمائة صفحة ، وشخصا واحدا ولكنه لا يكاد يحصى ؟ ومع ذلك فهل أختم هذا الحديث دون ان أذكر ما يجده قارئ هذه اليوميات من المتاع الذي لا حد له حين ري الكاتب بصور له أصدق التصوير وادفه عنايته باكاره الفنية منذ يفكر فيها وحين يأخذ في إنتاجها إلي أن يتمها ، مبطئا حينا مسرعا حينا ، شقيا بالزائرين له والصارفين له عن العمل دائما ، ثم قراءة هذه الآثار على أصدقائه وخاصته ، وعلى روجيه مرتان دي جار من بينهم بنوع خاص ؛ ثم قبوله لملاحظاتهم ، يذعن لها عن رضي ويذعن لها عن كره ، ويمتنع عليها احيانا ، وبتدم على هذا الامتناع ؛ ثم إذا عنه لهذه الآثار ، وانتظاره لآراء الناس فيها ، وعنايته بهذه الآراء ، لا ليرد عليها ، ولا ليصححها ، بل ليسجلها في وميانه ليس غير .

وهل أختم هذا الحديث دون أن أشير إلى ما تصور لنا هذه اليوميات من أصدقاء الكاتب وخصومه ، وهم خلاصة الأدباء الفرنسيين وصفوتهم ؛ ولكن هناك اشياء كثيرة جدا في هذه اليوميات لم اشر إليها ، وان استطيع الإشارة إليها ، إلا ان اطني على غيري من الزملاء الذين يكتبون في " الثقافة " كما فعلت في الأسبوع الماضي ، آسفا معتذرا .

فلأنف عند هذا الحد ؛ ولأسجل حزني حين أقرأ ما تتيح لي الأبام قراءته من الكتب المتعة ، فأود لو يشاركني المثقفون من المصريين فيما فيها من متاع ؛ وأعجز عن تمكين كثير منهم من هذه المشاركة . ما اشد حاجتنا إلى الذين بقراون وبلخصون للناس ما يفراون ، ويترجمون لهم بعض ما يقرأون .

اشترك في نشرتنا البريدية