يحتفل الأميركيون في ولاياتهم المتحدة بيومين عظيمين في السنة وهما يوم الأب و يوم الأم وليوم الأب قصة طريفة أثبتها على النحو الآتي في ليلة قارسة من ليالي شهر مارس وفي حجرة صغيرة من حجرات بيت راقى ذاهب في أحضان التلال المحدقة بضيعة سبوكن المجاورة لوشتنجتن عاصمة الولايات الأميركية المتحدة جلس أب جازع ملتاع ومن حوله خمسة صبيان وبنت واحدة وكان مرآهم يدعو إلي الشفقة والرحمة لأن القلق الذي ارتسم على وجوههم الكاسفة والترقب الذي أطل من نظراتهم المرسلة تباعا إلي الباب كانا يدلان على انهم يجهلون أن أمهم التي خرج الناس بها محمولة على الأعناق منذ ساعة قد ذهبت في رحلة لا عودة
لها منها إلى قيام الساعة وأخيرا هب أحد الصبيان وقد رهقه من التطلع ما ضاق به ذرعه وانطلق يعدو إلي الناب هائما على وجهه بين الأشجار الملتفة والثلوح المتراكمة فتنبه الأب إلي خروجه وتبعه فوجده مستثقلا لا يترمز فرفعه بين ذراعيه وعاد به إلي البيت الموحش القاتم وارقده في سريره وصار منذ تلك الليلة الرهيبة أبا وأما لصغاره الستة وتتابعت السنون وبلغت الابنة كمال البنية والعقل وغدت قرينة جون دود وفي سنة ١٩١٠ لحق أبوها رفيقته التي غيرت وفيها كانت مسن دود تشهد اجتماعا دينيا وكان ذلك في يوم الأم سمعت القسيس يذيع في تهيب واحترام مناقب الأمهات وصنائعهن الحسان في العالم وللحال ذكرت أباها الذي وجدت في رعايته خير عوض عن الأم التي حرمها الموت عطفها وسلبها نعمة حنائها في طراوة العمر
فهجست في نفسها قائلة لماذا يحتفل بيوم الأم فقط ولا يقام مثل هذا اليوم للأب واصطدمت أول الأسبوع الثالث من شهر يونيه لذكري ذلك الراعي الأبر الذي أحبها حيا ضربته الأبوة مثلا أعلى وكذلك أشرقت لأول مرة شمس اليوم الذي أرصد لتكريم الأب وكذلك كان وليام جاكسون سمارت ذلك القروي الصالح صاحب الشخصية الحلوة المحبوبة التى هي قطعة من السذاجة الطاهرة المطلقة والإيمان والتقوي أكبر حافز على إحياء يوم الأب وقد وصفته ابنته بقولها إنه كان سمحا جوادا مضيافا لرجال الدين وإنه لم يفترض من أحد شيئا ما وقد علمنا ان نتجنب القرض والدين وكان يحتج إذا ظهر شيء من حواشي ملابسي الداخلية ويألم إذا لم تسكن دهاليز البيت وأرضه صقيلة نظيفة حرصا منه على النظام والترتيب
وانتشر نبأ يوم الأب في الأنحاء فتداولته خاصة الناس وعامتهم وتلقت مسن دود رسائل التحبيذ والإطراء من البلاد القصية مثل جوانيمالا وسيام وكوريا معبرة عما أحدثته في القلوب دلالة ذلك اليوم ومع هذا فإنه لم ينل لسوء الحظ حقه من الكرامة والاعتبار في وطنه ولم يلق ما لقيه يوم الأم من الحفاوة والإقبال ولولا باعة السلع الصغيرة التى يعلنون عنها بأساليب أخاذة ويترقبون لها الرواج بمناسبة ذلك اليوم لمن دون أن ينتبه إليه أحد في أميركا وقد ذهب كثيرون من قادة الرأي هناك مذاهب شتى في تعليل الأسباب التي دعت إلي عدم الاعتداد به فقال بروفسر جالوي في كتابه الحب والزواج إن محبة الأم لأسباب طبيعية بولوجية لا يمكن أن توازي محبة الأب لأن محبة الأم أقدم بكثير من محبة الأب ثم إنها ليست غريزية فيه بل اكتسابية ولا تصير قوية عنده إلا حين يفتح لابنه عند مولده بابها الذي كان
مطلقا في نفس الأبوة ويعزو النقاد مثل هذا اليوم إلي أسباب وإن لم تكن علمية بحتة إلا أنها مقبولة فيقولون إن الآباء هم الذين يتكفلون عادة بمطالب الأسرة والإنفاق عليها ولذلك لا يتأخر الواحد منهم عن مصارحة ابنه بقوله له في صوت جهير لا يا سيدي الإبن إنني مستغن عن تخصيص يوم لإكرامي لاني لا أستطيع أن أرى الحكمة في الحصول على ربطة عنق من أختك أو على جورب منك حين أجد في آخر الشهر أن ثمنهما الفادح قد أضيف إلي حساب الخاصة الأبوية في القائمة التي يطالبني بها صاحب المتجر
تلك لازمة المبادئ الاقتصادية التي يركز عليها الأب ميزانيته المالية ولا بني عن ترديدها في كل مناصية على أسماع أفراد أسرته كما يقول أولئك النقاد متنادرين أما في مصرنا بل في الشرق عامة فقد استقر الرأي على أن الأم مهضومة الحقوق دون الأب ولذلك ليس ثمة ما يوجب تخصيص يوم لإكرامه وإيقائه ما يستحق من المكافأة سيما أنه هو الكل في الكل فإذا صح هذا وكان فيه ما يدل على استغناء الأب عن الجزاء الذي يعجز ذرع الأولاد إلا أنهم في حالة عجزهم عن هذا الجزاء بالفعل فيجب ألا تعجز عنه نياتهم بالشكر ولا شئ أجلب للنعمة ولا أشد تثبيتا لها من الاعتراف بالجميل وترديد آيات الوفاء والهج بالشكر وحسن الذكر وحسبنا ما وعد الله به الشاكرين مع استغنائه عن الحمد والثناء بل حسبنا أن الله تعالى قد أوصي قائلا أكرم أباك وأمك وهي أول وصية بوعد كريم ألا وهو ما يكون للأبناء البروة من خير وطول عمر على الأرض ويروي أن الله تعالى شأنه قال لموسي يا موسى إن من بر والديه وعقنى كتبته بارا ومن برني وعق والديه كتبته عاقا
حقا ليس من ينكر أن منزلة الأم متأصلة في قلب الطفولة ولا يستطيع أحد بل لا يريد أحد أن ينتزع من قلبه أسمى ضروب المحبة والاكرام والطاعة الواجبة لتلك التي نسلم وديعة الحياة للذراري المقبلة وتسهر على طفواتهم وتثبت خطواتهم الأولى والله أكرم مسئول أن تبرهن الأمهات في العالم أجمع على صدق استحقاقهن للثقة الغالية المودعة فيهن ولكن الأم إلي جانب دورها الخطير المقدس الذي تقوم به لا تستطيع إلا أن تشغل حيزا محدودا في دائرة الأب وتجد من العسير عليها تأدية ما يؤديه في تهذيب الأولاد وتدريبهم وتنشئتهم على الوجه الأ كمل وبخاصة في طور المراهقة ومقتبل الشباب وذلك لأن الرجولة تمتاز بسجايا وصفات ليس في مقدور الأم عامة أن تزود بها الأولاد كي تعدهم الإعداد الصالح للحياة وتوجههم إلي القيام بأعبائها وها نحن نري ما يبدو على شبابنا المصري من الاضطراب والحيرة والتخبط والقلق وعدم الاستقرار بسبب ذلك التقصير الوالدي العام الناجم عن التفرد والعزلة في القيام بمهمة التربية وماذا ننتظر من الجبل المثقف بمثل هذه الثقافة التي لا تلتقي مراسيها وألوانها ونزعاتها ورغباتها عند عقلية متحدة وحقيقة واحدة يتكامل في غرسها الأب والأم معا ولكى نرضي الحق والضمير يجب أن تستعلن مكانة الأب فهو السبب في وجودنا في هذه الدنيا ولذلك لا يسعنا إلا أن نخلص في محبة ذاك الذي أسبغ علينا تلك العناية السخية الدالة على عظم إدراكه أهمية واجبه ونحن في أثناء مطافنا في نيه الحياة المترامي نعود إليه بين حين وآخر فنجده على الدوام كنبع من الماء العذب الزلال في هجير الصحراء المحرقة والرجل الذي يفضي ركائب الكفاح في معترك المشاق ويتحمل الأعباء الساحقة في سبيل توفير سلامتنا روحا وبدنا ويخرج عن طوره ويرتفع فوق نفسه فيجد كل حرمان في سبيل راحتنا
مسرة له وسعادة الرجل الذي يلقننا سفن الحياة الحقة ويدربنا في حنو وحزم على سلوك سبل الحق والاستقامة تدريبا مرنا لا يغل الملكات ، ولا يقيد التصرف الحر ولا يغشي البصر الصائب بمسائل الحياة المختلفة أو يعجز عن حل المشكلات والأخذ بمقتضيات الأحوال في شرف ونزاهة وثبات على المبدأ هو الأب الذي يقوي فينا الشجاعة المعنوية وحكومة النفس في عزة وإياء وتعقل والرجل الذي يتماضد مع الأم على صوغ النفس الفضة صيغة حسنة وتصويرها على شبه الخالق ومثاله هو الرجل الذي يستطيع أن يعطف بسعة صدر على يدوات ابنه وجوحاتها في عنفوان تلك الشبيبة التي تخشى زلاتها وتخاف سقطاتها ، ثم ينظر إليها بعين الخبير المجرب المترفق وبينها له في صدق وجلاء والأب الذي يمحض ابنه النصح بروح الاهتمام هو الرجل الذي يصير من سيادته الأبوبة صداقة توحى الثقة وتستوجب الإذعان والاحترام وتجعل منه رفيقا أمينا لحداثة ابنه وظهرا قويا لرجولته ومعبودا كريما يهون كل بذل في سبيل المحافظة على سلامته وشرفه وحسبه أن يسمع فى ضجيح تلك المعركة الهائلة معركة الحياة التي يتخافت دونها صليل السيوف وجلجلة الدروع ما سمعه في معركة بواتبيه ذلك الملك الفرنسي وهو يدافع عن ابنه في حين كان الابن يصد عنه هجمات المغيرين ويقول له في صوت صاف رقيق احترس يا سيدي والتفت إلي يمينك واحذر ما يأتيك عن يسارك يا أبي هذان صديقان يمثلان حقيقة الأبوة والبنوة في أروع صورها وإنني أدعو لكل ابن أن يكون له مثل ذلك الأب يهبه من عطفه وعنايته القوة والعزم والقدوة ، كما أدعو لكل أب أن يكون له مثل هذا الابن اليقط المفادي فانهما الرفيقان المخلصان اللذان يتلازمان في ميدان الصراع الحيوي الخطير مستيسلين في الكفاح غير خوارين تحت عبء الخطر الساحق
ولا ناكصين على أعقاب الخذلان المروع هذا وقد تقدم مرة رجل إلي سيدنا محمد وقال له يا رسول الله من أبر فقال بر والديك فقال ليس لي والدان فقال بر ولدك كما أن لوالديك عليك حقا وكذلك لولدك عليك حق وقال أيضا رحم الله والدا أعان ولده على بره أي لم يحمله على العقوق بسوء عمله ويروي أن الأحتف دخل على معاوية ويزيد ابنه بين يديه وهو ينظر إليه إعجابا فقال يا أبا بحر ما نقول في الولد فعلم ما أراده فقال يا أمير المؤمنين هم عماد ظهورنا وثمرة قلوبنا وقرة أعيننا بهم نصول على أعدائنا هم الخلف منا بعدنا فكن لهم أرضا ذليلة وسماء ظليلة إن سألوك فأعطهم وإن استعتبوك فأعتبهم لا تمنعهم رفدك فيكاوا قربك ويستقلوا جنابك ويتمنوا وفاتك فقال لله درك يا أبا بحر
على رسلي فقد أرسلت النفس على سجيتها في حديثها عن محامد الأبوة وعن مكان الأب ولكنه الحديث الحبيب إلى كل نفس الحري بأن يحضنا على تخصيص يوم في الشرق لإكرام الأب كما نري فرضاً لزاماً علينا أن نقدس في العام يوماً للأم ذاكرين على الدوام أن الأم هي قلب الأسرة المحب الخفاق كما أن الأب هو رأسها المطوف الحكيم الحازم وإني لأرجو أن أفوز بموافقة الرأي العام على أن يكون اليوم الذي سيخصص في بلادنا لتكريم الأم هو عين اليوم الذي يخصص لتكريم الأب ليكون اليوم عيدا للوالدين معا لأنهما شريكان لا فارق بينهما في تلك الوحدة الاجتماعية السامية التي يريد الله أن يحقق بها أهم غرض من أغراض تدبيره الإلهي في الكون الذي خلقه لهما
