كان أمس الأحد، ومن قبله كان السبت، ومن قبلها كان الجمعة! ثلاثة أيام تتعاقب فى مدار الأسبوع تعاقب الجياد فى مضمار السبق! يحمل كل منها فى رأسه علم دولته، وعلى صدره عنوان ملته، ويشرق على قومه فى المسجد أو فى الكنيس أو فى الكنيسة اشراق الحب فى الفؤاد الغرير، أو الإيمان فى النفس الرضية، فيؤلف ما نفر من القلوب بالمودة، ويعود بما شرد من النفوس إلى الجماعة، ثم يكون فى البيت مصدر أنس وبهجة، وفى المدينة مظهر استقلال وعزة. ولقد كان فيما سلف من مؤاتاة الدهر شأن يومنا فى الأيام، كشأن قومنا فى الأقوام: صدارة يكنفها جلال مُلك، وأمارة يسندها سلطان دين، وعيد يأتلق جماله فى كل مكان وفى كل نفس، وفترة تحدد للناس مواقيت العيش ومراحل الزمن، وكان له فى أدب الدين قواعد مقررة، كالاغتسال، والطيب، واتخاذ الزينة، وشهود الجماعة، ومودة القربى، وصلة المساكين، وترفيه البدن بالراحة، وتطهير النفس بالعبادة، وإعلان مجد الله بإعزاز دينه، وسلطان الشعب
بإعلاء أمره؛ لم يكن السبت والاحد يومئذ الاشعاعا لضوئه واتساعا لمداه!
ثم غيرنا فغير الله، فإذا بالتابع يأخذ المهلة على المتبوع، واذا يوم الجمعة يصبح طرفا فى ذيل الأسبوع، فلا تخشع له اسواق العالم كيوم السبت، ولا تسكن له حركة الدنيا كيوم الأحد، ولا يبقى له من الرعاية عند أهله، الا اغلاق دور الحكومة فى وجهه!
استعرض هذه الأيام الثلاثة بالاعتبار والموازنة، تجد كلا منها صادق الدلالة على حال أهله! قيومنا يجىء كما ترى خافض الجناح، خافت الصوت، حائل اللون، مخضود الشوكة، مغموط الحق، لا يدخل فى حساب الناس، ولا يقدم ولا يؤخر فى حياة المجتمع !
فمظهره الدينى تضاءل حتى صار صلاة الجمعة عادية لا يقيمها الا القرويون الطارئون على المدينة، والحضريون الفارغون من العمل!
ومظهره المدنى انحصر كما قلنا فى عطلة الحكومة. ومن المؤونة المعجزة أن تطلب العطلة وما يتبعها عند غير الحكومة، فان جمهور الشعب اما تاجر يتبع فى نظامه البنوك الأوربية، واما عامل يخضع فى عمله لرؤوس الأموال الأجنبية، فلم يبق الا الموظفون الرسميون، وهم وحدهم الذين يستطيعون بما تهيأ لهم من اليسر والفراغ اجلال هذا المظهر، وإعلان هذه الشعيرة، فتعال ننظر كيف ينقضى هذا العيد فى بيت الموظف فى البيت الذى ألهمنى هذا المقال أسرة مسلمة عميدها موظف كبير، وأسرة يهودية كاسبها تاجر صغير، وأسرة مسيحية عائلها مستخدم متوسط.
ففى يوم السبت ينبعث فى المسكن اليهودى تاريخ إسرائيل بأساطيره وتقاليده وعقائده، فالتوراة تتلى، والصلوات تقضى، والذكريات تستيقظ، والمجارى الروحية تتحدر من الاجداد
الى الاحفاد فتوثق الروابط، وتجدد القوى، وتهون العظائم، ثم تخرج الأسرة بأسرها، فى زينتها وبشرها، فتتناول عشاءها فى مطعم سأمر، وتقضى أمسيتها فى ملهى ساهر
وفى يوم الأحد يحول المسكن المسيحى الى عرس أنيق مترف: فالأسرة تعود من القداس فى الوان الزهر وأفواف الوشى، والغرف تضحك من طلاقة النفوس واتساق الأثاث، والمائدة المزهرة تحفل بأفانين الشراب السائغ والطعام الهنئ، والبيان الفخم تحت الأنامل الطفلة يقطر بالنغم العذب واللحن البهيج، والفنغراف يدور بأناشيد الرقص فيمسى البهو بالزائرين والزائرات أشبه بأعشاش الربيع كلها مناغاة وهديل وهزج! وفى يوم الجمعة يصبح المسكن المسلم عابسا كالكهف، ساكتا كالمقبرة!
فالبك قضى ليله سهران، فهو نائم نومة الضحى! فلا تسمع حسا ولا حركة، إلا صوتا شديد الخفوت، يستعين بالإشارة على ان يهمس الحين بعد الحين:
- هس س س! خفض من صوتك! خفف من مشيك! لا تلعب بهذا! لا تعبث بذاك! أبوك نائم!
والبك يأخذ حمامه الأسبوعى الحار فيشغل الحمام ساعتين! فتمضى الظهيرة والفتاة لا تستحم، والعجوز لا تتوضأ!
والبك مدعو الى العشاء، عند بعض الاصدقاء، فالمطبخ بارد هادئ، وطعام اليوم بقية طعام الأمس!
والبك يتهيأ للخروج، فالأسرة كلها فى خدمته: هذه تنظف البدلة، وتلك تمسح الطربوش، وهذا يذهب برباط الرقبة إلى الكواء، وذلك يستعجل الخادم بالحذاء، وأخيرا يخرج اليك!! فيتنفس البيت الصعداء، ويستروح المكروب نسيم الرخاء!
وهكذا يمر عيد الاسبوع على هؤلاء القوم، وهم يقولون يا الله ما أثقل روح هذا اليوم!!

