لقد تطاول العهد على ذلك اليوم التاريخي ولم يزل جديدا في نفوسنا ، وكلما حل موعد ذكراه تحركت الأفئدة وجاش في صدورنا الآمال .
كان ذلك منذ ستة وعشرين عاما . ونحن اليوم ننظر إلي ورائنا ونتأمل المرحلة التي قطعناها مع سير الزمان ، فنري الحوادث الماضية يكاد يحجبها عنا ضباب السنوات الطويلة ؛ ولكنا نلمح معالم الغد العسيرة التي اجتزناها ،
نهبط في اغوارها حينا ونصعد حينا في كثبانها ، وتستقر انظارنا على ذلك اليوم الخالد كأنه ربوة عالية تلوح متلألئة بأنوار قدسية شعاعة ، لا يزيدها البعد إلا روعة وجلالا
فهو اوضح معالم الطريق التي سلكناها ، واطهرها صعيدا ، وأطيبها ظلالا
كان يوما يشبه اللحظة الموسيقية التي يهتز لها الحس في حينها هزة تحسبها عارضة تمر كما مر غيرها من اللحظات ، ولكنها كلما ترددت مع اصداء الذكري بدت على حقيقتها تملأ القلب بجمال تبقى نضرته أبدا ، ونشوة تتجدد سورتها ابدا .
كانت مصر في ذلك اليوم قلبا واحدا يهتز بالأمل الأسمى ، ولسانا واحدا ينطق بالوحى الأصدق . كان يوما امحت فيه الفروق بين الناس ، فلا غني ولا فقير . بل الجميع ابناء مصر تهيب بهم اماني المستقبل الكريم ،
وتدفعهم كبرياء الماضي المجيد ! وامحت فيه الفروق بين العقائد ، فلا مسلم ولا مسيحي ولا إسرائيلي بل الجميع للوادي المقدس تربط بينهم المودة والمصلحة ، مجتمعين على تراث مشاع من اجيال طويلة صهرتهم في أثنائها الحوادث ، ومازجت بينهم في شعب متحد هو كالبنيان المرصوص أو أشد تماسكا
هناك على لوحة الذكرى في ذلك اليوم تتبدي صورة كريمة عزيزة ، صورة عاهل مصر الأمجد " أبي الفاروق " ترف فوق صفوف الشعب تظلهم بظلها ، وتهديهم إلي السبيل في سكون وحكمة .
لقد مرت السنون الطويلة ، وبعدنا عن موطن الزحام ، حتى لتستطيع الانظار ان تنفذ من خلال الضباب الزاخر ، والغبار الثائر ، لتري جناحي السلطان فؤاد إذ يبسطهما في رفق ليدرأ عن شعبه وحكومته ما يستطيع هو وحده أن يبصره من العواصف التي كانت تبدو تحت عينيه عند الأفق .
وهناك على تلك اللوحة السعيدة نري سعدا العظيم وهو يجاهد مثل عملاق في صدر الجموع المحتشدة ، لا ترده عن قصده رهبة من قوة ، ولا يخذله عن جهاده قعود في همة . وإلى جانبه ومن حوله هالة رائعة من الأبطال ، بعضهم في دست الحكم ، وبعضهم من نواب الشعب ، وبعضهم من صحابة ابرار ، قد استجابوا لنداء الواجب ولكل منهم شأن ولكل منهم مكان ! ولكنهم كانوا جميعا يتجهون إلي غاية واحدة وقصد محدد معلوم . كانوا جميعا يجاهدون في ميدان فسيح مضطرب كثير المعاثر ، لم يدبروا فيه الامر عن روية واناة ، ولكن السير اتجه عفوا كانه مدبر بينهم تدبير الأناة ؟ ولم يرسموا خططا على بصيرة وحكمة ، ولكن خططهم اتجهت إلي غايتها عفوا كانها رسمت على بصيرة وحكمة . هناك وقف سعد ومعه شعراوي وعبد العزيز فهمى يتأهبون للذهاب إلى دار عميد بريطانيا العظمى ،
وكان من حولهم جمع كريم من شبان وكهول وقفوا يسندونهم من وراء ، ينتظرون الدعوة ليسرعوا إلى حيث يدعوهم الجهاد .
وهناك في الناحية الاخرى وقف رشدي وعدلي يؤدون في الحكم واجبهم ، ويسيرون دفة السفينة بين
الصخور المضرية محاذرين أن ترتطم بها وتتحطم علي جوانبها ، وقلوبهم دائمة الوجيف ، تتقد فيها الشعلة المقدسة التي تشتعل في سائر القلوب
لقد مضي ذلك اليوم المجيد ومرت بعده السنون يلى بعضها بعضا ، وتعاقبت على البلاد الأحداث وهي مزيج من مواقف متباينة ، بعضها متلأليء بأنوار الإيثار والتضحية ، وبعضها يحيط به إطار قائم من الأحزان ؛ ولكن صورة ذلك اليوم ما تزال تبدو من خلال السنوات باهرة بارعة تفيض وحيا وجلالا . كان يوما في تاريخ طويل ، وكان تاريخا طويلا في يوم
فلتذكره الأجيال عاما بعد عام ، وليبق على الأيام عيدا ترتفع فيه الأعلام خفاقة زاهية ؟ فهو يوم خالص من أيام الجهاد النبيل . ولكن ذكري هذا اليوم الخالد تبعث إلي الحاضر طائفة من المعاني ، قد آن لنا أن نحلها المحل اللائق بها من الاعتبار ؛ بل إن طبيعة الظروف نفسها توحي إلينا بأن نفكر فيها ونطيل التفكير . وقد حدثت بنا أحداث منذ ذلك التاريخ وجهت سير تاريخنا توجيها محتوما نحو مستقبلنا
وأول هذه المعاني علاقتنا ببريطانيا ، التي كانت في يوم ١٣ نوفمبر سنة ١٩١٨ هي الطرف الثاني الذي يقف وجها لوجه أمام جهادنا . ولقد مر بنا من الوقت ما يسمح لنا ان ننظر إلى الميدان البعيد نظرة هادئة بعيدة عن شطط الخصومات وصغائر الحزازات والمصادمات . فنستطيع اليوم أن ننظر إلى الخلف ، ونتأمل موقف الذين قد كانوا منذ حين خصوما وصاروا اليوم أصدقاء حلفاء ، نعتز بصداقتهم ، وتبني اعظم الآمال على صدق مودتهم
ولا يسعنا إلا ان نقر انهم قد برهنوا حتى في اشد اوقات الخصومة عنفا على أنهم أبناء أمة متدينة يعرفون مقدار الأمة المصرية وما لها من نسب عريق في المدنية ، ويحملون
في قرارة نفوسهم اعترافا بما لمصر من استعداد لمشاركة الإنسانية في جهودها على قدم المساواة والمعاونة الصادقة .
لقد كانت الخصومة عنيفة بغير شك ، وارتكبت فيها أخطاء من الجانبين بغير شك ، ولكن صدق النية وضبط النفس اللذين يتصف بهما الشعب البريطاني ، وحسن النية والاستقامة اللتين يتصف بهما شعب مصر ، كانت كلها عوامل ازالت الأشواك من الطريق ، فأمكن لسعد العظيم أن يصف هؤلاء الخصوم بكلمته الصريحة : إنهم خصوم شرفاء . نقول هذا قياما بواجب الصدق ، واعترافا للحليفة بحقيقة نحس بها إحساسا قويا في قرارة نفوسنا .
وأبناء مصر اليوم موقنون أن هذه الحليفة الصادقة ستقف من المصالح المصرية مثل موقف الامة المصرية من مصالحها عند ما تضايقت حلقات الازمة الحربية من حولها .
ونحن اليوم ننظر إلي المستقبل في ثقة لا تتزعزع ، أملين أن تكون المحالفة المصرية الإنجليزية عاملا من أكثر العوامل على خلق جو صاف من السلام يسود وادي النيل كله والشرق الأدنى .
وهناك معنى آخر يتوارد علي قلبنا في الإصباح والإمساء ، إذ نتساءل عن الحكم المصري الذي آل أمره إلينا بعد إبرام المعاهدة ، وإنه لمن العدل ان نراجع انفسنا فيما نحسه من اللوم والعتب على اساليب هذا الحكم ، لان فترة الانتقال من طبعها ان تكون مهدا لكثير من الاضطراب والخطأ، ونحن لا نزال على سبع سنوات من أول هذه الفترة الخطيرة لسنا نحاول الدفاع عن انفسنا ، فان ذلك قد يخرج بنا إلى ان نقفل اعيننا ونصم اذاننا عن الواقع ،
ولكنا نردد عذرا نراه طبيعيا لمن كان في مثل حالنا . والخطأ كان دائما طريق الصواب ، والتجارب وحدها هي التي تصقل لعقول وتهديها ، وقلوبنا ممتلئة بالأمل في المستقبل . ومهما يكن من شئ فقد تحقق لنا ربح عظيم ؛ إذ قد تبين لنا كثير
مما في أساليب حكمنا من الاعوجاج ، وفتحت لنا التجربة ميادين كثيرة للإصلاح . إن الزمن يسير إلى الأمام ،
ولن تستطيع أمة أن تقنع بمواقف ماضيها إلا إذا شاءت ان تتخلف وتتراجع عن التقدم . ونحن الآن في منتصف القرن العشرين ، وقد اشرفنا على مفترق الطرق ؛ وإنه لمن حسن حظنا أن الآلام الشديدة التي عانيناها قد نبهتنا إلي ضرورة التحري في اختيار السبيل .
أمامنا جهاد طويل غير يوم الجهاد . وإنه للجهاد الأعظم بغير شك ، فهو جهاد انفسنا . هذا الشعب - الذي نحن منه وهو منا ينتظر الكثير من قادته فهو يأمل ان يعيش في مستوي الإنسان ، وهو يأمل ان يتعلم ما يتعلم الإنسان ، وهو يريد ان يحكم كما يحكم الإنسان ، وهو يريد
أن يكون له من حقوق الحياة ما للإنسان ! إن له الحق فى ان يكون صحيح الجسم موفور الرزق مثقف الذهن ، قادرا على حسن الإنتاج ، مسايرا لارقي الامم في خدمة الإنسانية ،
مشاركا لها شركة الزمالة الحرة . هو يأمل في ذلك كله ، وقد وضع امله في قادته ، وإنه لبصير بموضع ثقته . وهو يحمد الله الذي قيض لمصر مليكا حدبا عليه ، قد امتلأ قلبه بحب مصر وشعب مصر
نحن عند مفترق الطريق وأمام المستقبل ؛ فإذا نظرنا إلي يوم الجهاد الأول كنا جديرين بأن نتحفز لاستمرار الجهاد في سبيل الحياة ، وسيكون عهد الفاروق ابن فؤاد بمشيئة الله ، عهد الجهاد الأكبر في سبيل الحياة .

