الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 408الرجوع إلى "الثقافة"

يوم في حياة تولستوى

Share

الخيوط الأولى من الفجر تلوح من خلال النافذة والرجل الشيخ يستيقظ من نومه في بطء ويتلفت حوله في دهشة فيشعر أول ما يشعر بفرحة اليوم الجديد فيصيح هأنذا مازلت حيا لقد جلس بالأمس إلي مذكراته وعلى ضوء المصباح الخافق كتب تاريخ اليوم التالي ثم أضاف ثلاثة أحرف هي بدء الكلمات الروسية التي معناها إذا قدر لي ان اعيش ثم قام إلي فراشه فاستلقي عليه وقد استسلم لحكم القضاء إذا قدر له ان يغفو بلا صحوة واليوم ها هي الحياة تدب في أوصاله من جديد فيا للدهشة وها هو يتفرس بعينيه السنجابيتين في هذا الضوء الذى يتزايد من حوله ويستنشق في قوة هذا النسيم الذي يهب تحية وسلاما من عند ربه فما أحلي أن يكون المرء حيا يرزق ويقوم الرجل الهرم من فراشه وهو يشكر الله على نعمه فيرتدى ملابسه ويفتح النافذة ثم يكنس الحجرة ويلقى بقليل من الحطب في النار التي كادت ان تنطفئ فهو الذي يقوم على خدمة نفسه

ويذهب بعد ذلك إلى حجرة الطعام لتناول طعام الإفطار فاذا امرأته وبناته ولفيف من الأصحاب قد اتخذوا أماكنهم من المائدة وإذا السكرتير يحضر إليه مجموعة مختلفة من الخطابات والكتب والجرائد حملها إليه البريد من كل ركن من أركان الدنيا وينظر تولستوي إليها في وجوم وهو يحدث نفسه ضجر وازعاج ولكنها تسلية على أية حال لكم أود أن اكون اكثر خلوة مع نفس ومع الله وأن أمحي جانبا كل هذه الأشياء التي تقلقني وتربكني وتحاول أن تجعل مني رجلا مغرورا متعجرفا منافقا يسعي وراء الشهرة والصيت إن خير ما أفعله هو أن ألقى بهذه الأوراق إلى النار وهكذا أنجنب إضافة الوقت وأتخلص من الإطراء الذي يملأني غرورا بيد أن حب الاستطلاع لا يلبث

أن يتسرب إلي نفسه فيلقي نظرة سريعة على هذا الخليط من الطلبات والشكايات والاقتراحا فهذا أحد البراهمة يكتب إليه من الهند يخبره بأنه قد أخطأ في فهم إحدي العقائد المقدسة وهذا سجين يكتب إليه من سجن الإصلاح يقص عليه تاريخ حياته ويسأله النصح والإرشاد وهذا طالب يضع أمامه مشكلاته وهذا سائل يسأله المساعدة والإحسان وكلهم يعلنون في صوت واحد أن تولستوي هو الشخص الوحيد الذى يستطيعون أن يتطلعوا إليه للتوث والمعونة وهنا تزداد التجعدات التي على جبهته عمقا ثم يتمتم كيف أستطيع أن أمد لهم يد المساعدة وأنا الذي لا يستطيع أن يمدها لنفسه فهأنذا أضل السبيل يوما بعد يوم وأحاول في كل مرة أن أخلق سببا جديدا أبرز به احتيالي لهذه الحياة التي لا أعرف لها كنها بينما أستخدم كلمات ضخمة عن الصدق والصواب أحاول أن أخدع بها نفسي ما أغرب هذه الضيحة التي أسمعها من كل جانب أرشدنا بالبو تولستوي كيف نعيش إن كل ما أعمله كذب وبهتان وإفك وتظاهر ولكن ماذا أفعل إني لا أستطيع أن أخيب ظن أولئك الذين كانوا أنفسهم مشقة الكتابة إلي فلابد من الرد عليهم

ويبدأ في قراءة الخطابات فإذا به يطيل النظر في أحدها ويعيد قراءة مثني وثلاث فهذا طالب يقرر في صراحة قاسية أن تولستوي ينهي عن عمل ويأتي مثله لقد آن له أن يهجر بيته ويتنازل عن أملاكه للفلاحين ثم يأخذ طريقه إلى الحج في أرض الله الواسعة ويتمتم تولستوي إن الرجل على حق إنه يحدثني بما يحدثني به ضميري ولكن كيف أفسر له ما لا أستطيع أن أفسره لنفسي كيف أستطيع أن أدافع عن نفسى وهو يهاجمني بسلاحى ويأخذ تولستوي هذا الخطاب معه ويتوجه إلى مكتبه لأنه يريد أن يرد عليه في التو واللحظة ولكن السكرتير يسرع إليه ليذكره بأن مراسل التيمز سيحضر إلى

النداء وهو يطلب موعدا للمقابلة وهنا يظلم وجه تولستوي ويصيح ماذا يريد مني هؤلاء المراسلون الذين لا يملون من الإلحاح على لمقابلتهم إنهم ولا شك لا يريدون إلا الخوض في حياتي الخاصة فليس من المعقول أنهم يحضرون ليتلقوا منى آرائى ونظرياتي فهي موضحة أمامهم في كتاباتى حيث يستطيع كل من له إلمام بالقراءة أن يدرسها إذا شاء ومع ذلك فهو يستسلم في لحظة ضعف حسنا حسنا سأقابلة ولكن لنصف ساعة فقط غير أنه لم يكد يتخطي عتبة الباب حتى أحس بوخز الضمير مالي خضت مرة ثانية لقد صرت رجلا أشيب الشعر قريبا من الموت ومع ذلك لم أتعلم بعد كيف أستطيع أن أتخلص من هذا الغرور الذي يفسد على حياتى فهأنذا أسلم نفسى إلي أولئك الثرثارين إنى أشعر دائما بالضعف عندما يحاولون أن يفرضوا أنفسهم على بالقوة أفلن أستطيع أن أمسك لساني وأخبأ نفسى اللهم عونك

وأخيرا ها هو وحده بين كتبه وأوراقه وها هو يواصل الكتابة في المقال الفلسفي الذي بدأ في كتابته منذ أمس ولكن القلم يتوقف في يده بين لحظة وأخرى ويشرد ليه وهو يحدث نفسه قائلا كيف أستطيع ان أتحدث عن الله وأنا لم أكون بعد فكرة واضحة عنه ولم أجد لنفسي دعامة قوية أرتكز عليها ومازالت أفكاري تتبدل من يوم لآخر كيف أستطيع أن أكتب عن الله وعن الحياة كلاما واضحا بسيطا يفهمه الناس جميعا وأنا أتحدث عن أشياء لا يدركها العقل إن هذا فوق طاقتى لقد كنت واثقا من نفسي عندما كنت أكتب قصصا وروايات عن الحياة كما خلقها الله لا كما يريد ان يصورها رجل هرم مثلى مشوش العقل يجري وراء الحقيقة إني لست بقديس فيجب أن لا أحاول إرشاد الآخرين فما أنا إلا رجل وهبه الله حواس شديدة حتى يستطيع بها أن يري هذه الدنيا اكثر وضوحا من يدري العلي عندما

وهبت نفسي لخدمة الفن كنت أكثر صلاحا وأشد إخلاصا مني الآن وأنا أحاربه

ويتلفت تولستوي حوله في حذر وخوف خشية أن يراه أحد وهو يمد يده إلى النبأ الذي يضع فيه هذه القصص التي يكتبها الآن سرا فهو قد أعلن أمام الملأ أن الفن إثم ولغو وتلتمع عيناه وهو يقلب صفحاتها ويقرأ شيئا من هنا وشيئا من هناك ثم يحدث نفسه قائلا إن الله قد أرسلني إلي هذا العالم حتى أستطيع أن أصفه ولكنه لم يطلب مني معرفة أفكاره آه ما أجمل الفن وما ألذ الخلق لقد كنت سعيدا في الأيام السالفة ولو أن الدموع كانت تنهمل من عيني وأنا أصف صبيحة يوم من أيام الربيع في قصتي سعادة عائلية لقد كانت زوجتي صوفيا تحضر إلي حجرتي بالليل لتعانقنى وقد التمست عيناها بالحب ثم تجلس لتفسخ القصة وبين الحين والحين تتوقف عن النسخ لتشكرني وهكذا كنا نقضي الليل بل كنا نقضي العمر كله ونحن في غبطة وسعادة ولكي لا أستطيع أن أتراجع الآن والناس جميعا ينتظرون مني العون والمساعدة فيجب أن لا أخيب ظنهم بل أتابع السير في طريقي لا أتمهل لحظة فأيامي قد أصبحت معدودة ويطرق تولستوي قليلا ثم يمد يده في إحجام إلي القصص فيعيدها إلي مخبئها في حسرة وأسف ويعود إلي مقاله ليواصل الكتابة في همة لا تعرف الكلل وقد قطب حاجبيه وأطرق برأسه حتى كادت شعرات ذقنه أن تمس الأوراق التي يكتب عليها

وأخيرا ها هو الظهر قد أقبل فكفي اليوم كتابة ويضع الرجل الهرم القلم ويسرع بالنزول إلي حيث ينتظره الفرص المحبوب فيمتطيه في خفة وإذا هذا الظهر الذي كان منحنيا على المائدة قد استقام وبدا صاحبه أكثر حيوية ونشاطا وهو يتبختر بفرسه في رشاقة القوزاق وقد أخذ يتأمل في جمال الطبيعة الفائنة من حوله هذه الطبيعة التي تبدو في هدوئها وسكوتها أكثر قطنة من هذه الأفكار

والخواطر البشرية في تبليلها واضطرابها ويظل تولستوي يعدو في خفة ومرح إلي أن يشعر بالفرس قد كل من تحته وتعب فيعود أدراجه خبيا وقد أشرق وجهه وأحس فى قلبه بالسعادة التي بان يحس بها في صباه وهو يقطع نفس هذا الطريق

ولكن وجهه يتغير ثانيا عندما يقترب من القرية فقد لاحظ بعين الخبير الماهر أن ها هنا في وسط المزرعة قطعة مهملة لا يعني بها فالأرض غير محروثة والسور مهدم قد أخذت أخشابه ولا شك لاستعمالها كوقود ويسرع تولستوي إلى الكوخ ليسأل صاحبه إيضاحا وتفسيرا ولكن امرأة قذرة رثة الثياب عارية القدمين مشمئة الشعر هي التي تفتح له الباب في ذلة وخنوع وقد تعلق بأسمالها البالية ثلاثة من الأطفال الجياع ليس عليهم إلا ما يستر العورة ويعبس تولستوي في وجه المرأة وهو يسألها عن هذا الإهمال الشنيع فتجيب المرأة في كلمات متقطعة يتخللها بكاء وعويل لقد مضي علي زوجها ستة أسابيع وهو في السجن لسرقة الأحشاب فكيف لها أن تمنى بشيء في غيابه إن رجلها قوي مجتهد في عمله ولكن الجوع هو الذي دفعه إلي السرقة وإنك يا مولاي لعليم بسوء حالنا والصعوبة التي نجدها في دفع الإيجار نظرا لرداءة المحصول وارتفاع الضرائب ويري الأطفال أن أمهم تبكي وتستعطف فيمزجون صباحهم ينجيها وبسرع تولستوي إلي نقوده فيضع شيئا منها في يد المرأة ليضع حد لهذا المشهد الأليم ثم يلوذ بالفرار وقد امحي السرور من وجهه وبدا ساهما يفكر في وجوم أهذا إذا هو ما يحدث في أرضى لا بل في الأرض التي تنازلت عنها لامرأتي وأولادي مالي أستتر دائما خلف امرأتي وأحطائها إن تنازلي عن أملاكي لها لمهزلة تمثل على مسرح الحياة لخداع العالم فهأنذا بعد أن كبرت وترعرت على ما يبذل الفلاحون من جهد أرى أسرتي

الآن مازالت تمتص ما يجمع هؤلاء النمساء من ثروة وغني إني أعلم تمام العلم أن كل طوبة من هذا القصر المنيف الذي أسكنه هي من عرق هؤلاء العبيد بل هي لحمهم وعملهم تحول إلى أحجار أي حق لي في التنازل لامرأتى وأولادى عن شئ لا أملكه ياللعار باليو تولستوي أتدعو الناس إلى الخير يوما بعد يوم باسم الله وهذه التعاسة والشقاوة التي من حولك تطل عليك بعيون محلفة كل يوم من الشباك ويريد محياه حزنا وحنقا وهو يحتاز الممر إلى قصره وقد وقف بالباب خادمان واحد ليمسك له الفرس والآخر ليساعده في النزول وينظر تولستوي إليهما مقطب الوجه ويتمم في ذهول عبيدي

ويلج رب البيت باب القصر فإذا المائدة مهيأة للغداء وإذا الضيف والأهل قد اتخذوا أما كنهم منها فيهز تولستوي لهم رأسه في بشاشة وكرم ثم بأخذ مكانه من المائدة في سكون ويأتي له الخادم بأطباق الخضراوات والبقول فهو نباني لا يأكل اللحم ولكن أفكاره تعود به علي الرغم منه إلي المرأة المهلهلة التي ألقي إليها بقطعة أو قطعتين من النقود عزاء وسلوى فينظر إلي من حوله ويحدث نفسه لكم أرد أن أبين لهم أنى لا أستطيع أن أحيا هكذا محوطا بالخدم والحشم أتناول أربع وجبات في اليوم في أطباق من الفضة بينما الناس من حولي لا يجدون ما يمسك الرمق إنهم يعلمون حتى العلم أنى لا أطلب منهم إلا تضحية واحدة هي أن يقلعوا عن هذا الترف الذي يتنافي مع المساواة التى يريد الله منا أن نراعيها بين الناس ولكن امرأتى التي يجب عليها أن تشاركنى أفكارى كما تشاركنى فراشى وحياتى لا أري منها إلا صدودا وعداوة إنها حجر عثرة فى سبيلي وعبء يثقل ضميرى ويدفعني إلي حياة كلها غش وخداع لقد كان لزاما على أن أقطع الخيط الذي يربطنى بهم منذ أمد طويل فماذا بيني وبينهم إنهم يفسدون على حياتي وأفسد عليهم حياتهم فأنا امرؤ غير مرغوب فيه

عبء على نفسى وعليهم جميعا

وينظر تولسيوى إلي امرأته صوفيا أندريبفنا فيري شعرها الأشيب وجبينها المجمد ويري الهم مرتسما على شفتيها الذابلتين فيرق قلبه لمنظرها الحزين وبتمم ما أشقاها وما أفظع صورتها أهذه هي التي ضمتها إلي عروسا ضاحكة بريئة طاهرة منذ أكثر من خمسة وأربعين عاما لقد كانت يومئذ فتاة في ريعان الشباب بينا كنت أنا رجلا أثقلته الهموم فجاءت إلى وانجبت لي ثلاثة عشر طفلا أرضعتهم جميعا وحبتني بحبها وساعدتني كثيرا في تأليف الكتب فماذا صنعت بها إنها يائسة يائسة سريعة التهيج على حافة الجنون وبناتي ماذا صنعت بهن لقد سلبتهن مرح الشباب وملذاته وأولادي الذين أعلم أنهم يكنون لي البعض والكراهية إن هذه المائدة وهذا البيت وهذه الحياة جريمة في حق الله ولكني أجلس هنا في هذا الجحيم مستدفا مستريحا بدلا من المضي في طريقي الذي رسمته لنفسي لقد كان من الأوفق لها لو أني مت فهأنذا قد ضللت السبيل وأصبحت لا أعيش طبقا للمبادئ التي أنشرها على الناس

ويمر الخادم بالحلوي والمرطبات ولكن تولستوي يزيح عنه الطبق الفضى في حركة غاضبة فتسأله امرأته في توسل ممزوج بالسخرية ماذا بها أليست على ما يرام أم أنها غالية عليك ويجيب تولستوي في حزم ومرارة نعم هذه هي المشكلة  إنها غالية علي بل غالية جدا فيتتم أولاده وتتألم امرأته ويفتح المراسل أذنيه وعينيه ليقيد ما سمع وما شاهد

وأخيرا ينتهي الطعام وترفع المائدة فيقترح تولستوي ان يخرجوا للتريض قليلا ولكن ما هذا الجم الغفير من الناس أمام القصر إنهم أصحاب حاجات جاءوا يلتمسون قضاءها من تولستوي فهذا فلاح يسأل أحقا أن الأرض

ستوزع على الفلاحين ومتى وهذا حارس الغابة يسأل عن الكون وعن الله فيأمر تولستوي بإعطائه نسخة من كتابه ماذا نعمل إذا وهذا سائل يمد يده إليه فيعطيه قطعة من النقود وهكذا ويلتفت تولستوي خلفه ليري أن الصحفى قد التقط له صورة في هذا الوضع فيظلم محياه ويصيح أأخذت إذا صورة لي أنا تولستوي الصالح الذي لا يفنأ يمد يده بالمساعدة ويوزع الصدقات على الفقراء  إن من يستطيع أن ينفذ إلي أعماق قلبي ليعلم أبي لم أكن في يوم من الأيام صالحا ولو أني حاولت مرارا أن أتعلم كيف أكون صالحا إني في الحقيقة لم أعبأ أبدا بشيء آخر غير نفسي وإن كل ما وزعته على الفقراء من مال لا يعادل نصف ما كنت أضيعه على مائدة القمار وأنا شاب في ليلة واحدة لقد كنت أعلم أن دستيوفسكي يعاني آلام الجوع والحرمان ومع ذلك لم يخطر لي على بال أن أبعث إليه ببضع مئات من الروبلات تساعده على العيش شهرا آخر ومع هذا فهأنذا أدع الناس يعظمونني وييجاوني كرجل تبدو عليه دلائل النيل الحقة ولو أني أعلم طول الوقت أنى لم أضع قدمي بعد علي الطريق القويم

ويعود تولستوي من رياضته خفيفا نشطا فيذهب إلى مكتبه يقرأ ويكتب ويراجع إلي أن يحين وقت العشاء فيلحق بالأسرة في قاعة الطعام حيث يتناولون عشاءهم ثم يستمعون إلي قطع موسيقية تهدئ أعصابهم المكدودة وتريح نفوسهم المتعبة

ويعود تولستوي إلي مكتبه مرة ثانية قبل النوم فقد اعتاد في كل ليلة أن يجعل من نفسه رقيبا على نفسه يزن الأعمال التي اناها في كل ساعة من ساعات اليوم المنصرم ثم يقدرها حق قدرها ويفتح تولستوي دفتر المذكرات فإذا بعين الضمير تطل عليه من هذه الصفحات البيض التي سيكتب عليها وهنا يتذكر الفلاحين ويتذكر هذا الفقر الذي جعل من نفسه المسئول الأول عنه ويتذكر

جريه هنا وهناك دون أن يقدم مساعدة لأحد اللهم إلا هذه الحفنة الضئيلة من النقود لقد كان قليل الصبر مع الفلاحين عديم الشفقة في شعوره نحو امرأته فليقيد كل هذه السيئات والذنوب في مذكراته ثم يلخص ما كتب في هذه الكلمات كسول مرة أخري عديم الروح لم أقم يعمل طيب كما يجب حتى الآن لا أستطيع أن أتعلم كيف أحب أولئك الذين يحيطون بي بدلا من حب الإنسانية جمعاء فاللهم هبني من لدنك عضدا ثم يكتب تاريخ اليوم التالي والحروف الأولى من الجملة الروسية إذا قدر لي أن أعيش وهكذا يكون قد عاش يوما آخر بأكمله

ويذهب الرجل الهرم منحني على الظهر إلي حجرة النوم فيخلع ملابسه ونعاله الثقيلة ثم يتمدد على الفراش وقد أخذ يفكر في الموت كعادته في كل ليلة إلى أن تأخذه سنة من النوم ولكنه يصحو فجاءة على وقع أقدام وجلة

خائفة في الحجرة المجاورة فيغادر فراشه في هدوء ويتطلع من ثقب الباب في سكون فإذا النور مضاء وإذا امرأته تنقب في ادراجه وتقلب في أوراقه ومذكراته إنها تريد أن تطلع على أسرار روحه ولا تريد أن تتركه وحيدا حتى مع نفسه ومع ربه إنه معرض في كل مكان لسهام الطمع وحب الاستطلاع حتى في بيته وفي حياته الخاصة ويرتجف تولستوي غضبا ويكاد أن يهم يفتح الباب ليعنف امرأته الخائنة التي جعلت من نفسها جاسوسا عليه ولكن صوتا يهمس في أذنه من يدري لعل هذا امتحان من عند ربك وهنا يسكن غضبه ويعود إلى فراشه في سكون فيستلقى عليه ولكن النوم لا يغلبه لبضع ساعات فيظل هكذا راقدا في الفراش فريسة للغدر وعذاب الشك وآلام الوحدة هذا الرجل العبقري العظيم ليونيقولافيتش تولستوي أنبغ أهل عصره وزمانه ( عن ستيفان زمايج )

اشترك في نشرتنا البريدية