الخيوط الأولى من الفجر تلوح من خلال النافذة والرجل الشيخ يستيقظ من نومه في بطء ويتلفت حوله في دهشة فيشعر أول ما يشعر بفرحة اليوم الجديد فيصيح هأنذا مازلت حيا لقد جلس بالأمس إلي مذكراته وعلى ضوء المصباح الخافق كتب تاريخ اليوم التالي ثم أضاف ثلاثة أحرف هي بدء الكلمات الروسية التي معناها إذا قدر لي ان اعيش ثم قام إلي فراشه فاستلقي عليه وقد استسلم لحكم القضاء إذا قدر له ان يغفو بلا صحوة واليوم ها هي الحياة تدب في أوصاله من جديد فيا للدهشة وها هو يتفرس بعينيه السنجابيتين في هذا الضوء الذى يتزايد من حوله ويستنشق في قوة هذا النسيم الذي يهب تحية وسلاما من عند ربه فما أحلي أن يكون المرء حيا يرزق ويقوم الرجل الهرم من فراشه وهو يشكر الله على نعمه فيرتدى ملابسه ويفتح النافذة ثم يكنس الحجرة ويلقى بقليل من الحطب في النار التي كادت ان تنطفئ فهو الذي يقوم على خدمة نفسه
ويذهب بعد ذلك إلى حجرة الطعام لتناول طعام الإفطار فاذا امرأته وبناته ولفيف من الأصحاب قد اتخذوا أماكنهم من المائدة وإذا السكرتير يحضر إليه مجموعة مختلفة من الخطابات والكتب والجرائد حملها إليه البريد من كل ركن من أركان الدنيا وينظر تولستوي إليها في وجوم وهو يحدث نفسه ضجر وازعاج ولكنها تسلية على أية حال لكم أود أن اكون اكثر خلوة مع نفس ومع الله وأن أمحي جانبا كل هذه الأشياء التي تقلقني وتربكني وتحاول أن تجعل مني رجلا مغرورا متعجرفا منافقا يسعي وراء الشهرة والصيت إن خير ما أفعله هو أن ألقى بهذه الأوراق إلى النار وهكذا أنجنب إضافة الوقت وأتخلص من الإطراء الذي يملأني غرورا بيد أن حب الاستطلاع لا يلبث
أن يتسرب إلي نفسه فيلقي نظرة سريعة على هذا الخليط من الطلبات والشكايات والاقتراحا فهذا أحد البراهمة يكتب إليه من الهند يخبره بأنه قد أخطأ في فهم إحدي العقائد المقدسة وهذا سجين يكتب إليه من سجن الإصلاح يقص عليه تاريخ حياته ويسأله النصح والإرشاد وهذا طالب يضع أمامه مشكلاته وهذا سائل يسأله المساعدة والإحسان وكلهم يعلنون في صوت واحد أن تولستوي هو الشخص الوحيد الذى يستطيعون أن يتطلعوا إليه للتوث والمعونة وهنا تزداد التجعدات التي على جبهته عمقا ثم يتمتم كيف أستطيع أن أمد لهم يد المساعدة وأنا الذي لا يستطيع أن يمدها لنفسه فهأنذا أضل السبيل يوما بعد يوم وأحاول في كل مرة أن أخلق سببا جديدا أبرز به احتيالي لهذه الحياة التي لا أعرف لها كنها بينما أستخدم كلمات ضخمة عن الصدق والصواب أحاول أن أخدع بها نفسي ما أغرب هذه الضيحة التي أسمعها من كل جانب أرشدنا بالبو تولستوي كيف نعيش إن كل ما أعمله كذب وبهتان وإفك وتظاهر ولكن ماذا أفعل إني لا أستطيع أن أخيب ظن أولئك الذين كانوا أنفسهم مشقة الكتابة إلي فلابد من الرد عليهم
ويبدأ في قراءة الخطابات فإذا به يطيل النظر في أحدها ويعيد قراءة مثني وثلاث فهذا طالب يقرر في صراحة قاسية أن تولستوي ينهي عن عمل ويأتي مثله لقد آن له أن يهجر بيته ويتنازل عن أملاكه للفلاحين ثم يأخذ طريقه إلى الحج في أرض الله الواسعة ويتمتم تولستوي إن الرجل على حق إنه يحدثني بما يحدثني به ضميري ولكن كيف أفسر له ما لا أستطيع أن أفسره لنفسي كيف أستطيع أن أدافع عن نفسى وهو يهاجمني بسلاحى ويأخذ تولستوي هذا الخطاب معه ويتوجه إلى مكتبه لأنه يريد أن يرد عليه في التو واللحظة ولكن السكرتير يسرع إليه ليذكره بأن مراسل التيمز سيحضر إلى
النداء وهو يطلب موعدا للمقابلة وهنا يظلم وجه تولستوي ويصيح ماذا يريد مني هؤلاء المراسلون الذين لا يملون من الإلحاح على لمقابلتهم إنهم ولا شك لا يريدون إلا الخوض في حياتي الخاصة فليس من المعقول أنهم يحضرون ليتلقوا منى آرائى ونظرياتي فهي موضحة أمامهم في كتاباتى حيث يستطيع كل من له إلمام بالقراءة أن يدرسها إذا شاء ومع ذلك فهو يستسلم في لحظة ضعف حسنا حسنا سأقابلة ولكن لنصف ساعة فقط غير أنه لم يكد يتخطي عتبة الباب حتى أحس بوخز الضمير مالي خضت مرة ثانية لقد صرت رجلا أشيب الشعر قريبا من الموت ومع ذلك لم أتعلم بعد كيف أستطيع أن أتخلص من هذا الغرور الذي يفسد على حياتى فهأنذا أسلم نفسى إلي أولئك الثرثارين إنى أشعر دائما بالضعف عندما يحاولون أن يفرضوا أنفسهم على بالقوة أفلن أستطيع أن أمسك لساني وأخبأ نفسى اللهم عونك
وأخيرا ها هو وحده بين كتبه وأوراقه وها هو يواصل الكتابة في المقال الفلسفي الذي بدأ في كتابته منذ أمس ولكن القلم يتوقف في يده بين لحظة وأخرى ويشرد ليه وهو يحدث نفسه قائلا كيف أستطيع ان أتحدث عن الله وأنا لم أكون بعد فكرة واضحة عنه ولم أجد لنفسي دعامة قوية أرتكز عليها ومازالت أفكاري تتبدل من يوم لآخر كيف أستطيع أن أكتب عن الله وعن الحياة كلاما واضحا بسيطا يفهمه الناس جميعا وأنا أتحدث عن أشياء لا يدركها العقل إن هذا فوق طاقتى لقد كنت واثقا من نفسي عندما كنت أكتب قصصا وروايات عن الحياة كما خلقها الله لا كما يريد ان يصورها رجل هرم مثلى مشوش العقل يجري وراء الحقيقة إني لست بقديس فيجب أن لا أحاول إرشاد الآخرين فما أنا إلا رجل وهبه الله حواس شديدة حتى يستطيع بها أن يري هذه الدنيا اكثر وضوحا من يدري العلي عندما
وهبت نفسي لخدمة الفن كنت أكثر صلاحا وأشد إخلاصا مني الآن وأنا أحاربه
ويتلفت تولستوي حوله في حذر وخوف خشية أن يراه أحد وهو يمد يده إلى النبأ الذي يضع فيه هذه القصص التي يكتبها الآن سرا فهو قد أعلن أمام الملأ أن الفن إثم ولغو وتلتمع عيناه وهو يقلب صفحاتها ويقرأ شيئا من هنا وشيئا من هناك ثم يحدث نفسه قائلا إن الله قد أرسلني إلي هذا العالم حتى أستطيع أن أصفه ولكنه لم يطلب مني معرفة أفكاره آه ما أجمل الفن وما ألذ الخلق لقد كنت سعيدا في الأيام السالفة ولو أن الدموع كانت تنهمل من عيني وأنا أصف صبيحة يوم من أيام الربيع في قصتي سعادة عائلية لقد كانت زوجتي صوفيا تحضر إلي حجرتي بالليل لتعانقنى وقد التمست عيناها بالحب ثم تجلس لتفسخ القصة وبين الحين والحين تتوقف عن النسخ لتشكرني وهكذا كنا نقضي الليل بل كنا نقضي العمر كله ونحن في غبطة وسعادة ولكي لا أستطيع أن أتراجع الآن والناس جميعا ينتظرون مني العون والمساعدة فيجب أن لا أخيب ظنهم بل أتابع السير في طريقي لا أتمهل لحظة فأيامي قد أصبحت معدودة ويطرق تولستوي قليلا ثم يمد يده في إحجام إلي القصص فيعيدها إلي مخبئها في حسرة وأسف ويعود إلي مقاله ليواصل الكتابة في همة لا تعرف الكلل وقد قطب حاجبيه وأطرق برأسه حتى كادت شعرات ذقنه أن تمس الأوراق التي يكتب عليها
وأخيرا ها هو الظهر قد أقبل فكفي اليوم كتابة ويضع الرجل الهرم القلم ويسرع بالنزول إلي حيث ينتظره الفرص المحبوب فيمتطيه في خفة وإذا هذا الظهر الذي كان منحنيا على المائدة قد استقام وبدا صاحبه أكثر حيوية ونشاطا وهو يتبختر بفرسه في رشاقة القوزاق وقد أخذ يتأمل في جمال الطبيعة الفائنة من حوله هذه الطبيعة التي تبدو في هدوئها وسكوتها أكثر قطنة من هذه الأفكار
والخواطر البشرية في تبليلها واضطرابها ويظل تولستوي يعدو في خفة ومرح إلي أن يشعر بالفرس قد كل من تحته وتعب فيعود أدراجه خبيا وقد أشرق وجهه وأحس فى قلبه بالسعادة التي بان يحس بها في صباه وهو يقطع نفس هذا الطريق
ولكن وجهه يتغير ثانيا عندما يقترب من القرية فقد لاحظ بعين الخبير الماهر أن ها هنا في وسط المزرعة قطعة مهملة لا يعني بها فالأرض غير محروثة والسور مهدم قد أخذت أخشابه ولا شك لاستعمالها كوقود ويسرع تولستوي إلى الكوخ ليسأل صاحبه إيضاحا وتفسيرا ولكن امرأة قذرة رثة الثياب عارية القدمين مشمئة الشعر هي التي تفتح له الباب في ذلة وخنوع وقد تعلق بأسمالها البالية ثلاثة من الأطفال الجياع ليس عليهم إلا ما يستر العورة ويعبس تولستوي في وجه المرأة وهو يسألها عن هذا الإهمال الشنيع فتجيب المرأة في كلمات متقطعة يتخللها بكاء وعويل لقد مضي علي زوجها ستة أسابيع وهو في السجن لسرقة الأحشاب فكيف لها أن تمنى بشيء في غيابه إن رجلها قوي مجتهد في عمله ولكن الجوع هو الذي دفعه إلي السرقة وإنك يا مولاي لعليم بسوء حالنا والصعوبة التي نجدها في دفع الإيجار نظرا لرداءة المحصول وارتفاع الضرائب ويري الأطفال أن أمهم تبكي وتستعطف فيمزجون صباحهم ينجيها وبسرع تولستوي إلي نقوده فيضع شيئا منها في يد المرأة ليضع حد لهذا المشهد الأليم ثم يلوذ بالفرار وقد امحي السرور من وجهه وبدا ساهما يفكر في وجوم أهذا إذا هو ما يحدث في أرضى لا بل في الأرض التي تنازلت عنها لامرأتي وأولادي مالي أستتر دائما خلف امرأتي وأحطائها إن تنازلي عن أملاكي لها لمهزلة تمثل على مسرح الحياة لخداع العالم فهأنذا بعد أن كبرت وترعرت على ما يبذل الفلاحون من جهد أرى أسرتي
الآن مازالت تمتص ما يجمع هؤلاء النمساء من ثروة وغني إني أعلم تمام العلم أن كل طوبة من هذا القصر المنيف الذي أسكنه هي من عرق هؤلاء العبيد بل هي لحمهم وعملهم تحول إلى أحجار أي حق لي في التنازل لامرأتى وأولادى عن شئ لا أملكه ياللعار باليو تولستوي أتدعو الناس إلى الخير يوما بعد يوم باسم الله وهذه التعاسة والشقاوة التي من حولك تطل عليك بعيون محلفة كل يوم من الشباك ويريد محياه حزنا وحنقا وهو يحتاز الممر إلى قصره وقد وقف بالباب خادمان واحد ليمسك له الفرس والآخر ليساعده في النزول وينظر تولستوي إليهما مقطب الوجه ويتمم في ذهول عبيدي
ويلج رب البيت باب القصر فإذا المائدة مهيأة للغداء وإذا الضيف والأهل قد اتخذوا أما كنهم منها فيهز تولستوي لهم رأسه في بشاشة وكرم ثم بأخذ مكانه من المائدة في سكون ويأتي له الخادم بأطباق الخضراوات والبقول فهو نباني لا يأكل اللحم ولكن أفكاره تعود به علي الرغم منه إلي المرأة المهلهلة التي ألقي إليها بقطعة أو قطعتين من النقود عزاء وسلوى فينظر إلي من حوله ويحدث نفسه لكم أرد أن أبين لهم أنى لا أستطيع أن أحيا هكذا محوطا بالخدم والحشم أتناول أربع وجبات في اليوم في أطباق من الفضة بينما الناس من حولي لا يجدون ما يمسك الرمق إنهم يعلمون حتى العلم أنى لا أطلب منهم إلا تضحية واحدة هي أن يقلعوا عن هذا الترف الذي يتنافي مع المساواة التى يريد الله منا أن نراعيها بين الناس ولكن امرأتى التي يجب عليها أن تشاركنى أفكارى كما تشاركنى فراشى وحياتى لا أري منها إلا صدودا وعداوة إنها حجر عثرة فى سبيلي وعبء يثقل ضميرى ويدفعني إلي حياة كلها غش وخداع لقد كان لزاما على أن أقطع الخيط الذي يربطنى بهم منذ أمد طويل فماذا بيني وبينهم إنهم يفسدون على حياتي وأفسد عليهم حياتهم فأنا امرؤ غير مرغوب فيه
عبء على نفسى وعليهم جميعا
وينظر تولسيوى إلي امرأته صوفيا أندريبفنا فيري شعرها الأشيب وجبينها المجمد ويري الهم مرتسما على شفتيها الذابلتين فيرق قلبه لمنظرها الحزين وبتمم ما أشقاها وما أفظع صورتها أهذه هي التي ضمتها إلي عروسا ضاحكة بريئة طاهرة منذ أكثر من خمسة وأربعين عاما لقد كانت يومئذ فتاة في ريعان الشباب بينا كنت أنا رجلا أثقلته الهموم فجاءت إلى وانجبت لي ثلاثة عشر طفلا أرضعتهم جميعا وحبتني بحبها وساعدتني كثيرا في تأليف الكتب فماذا صنعت بها إنها يائسة يائسة سريعة التهيج على حافة الجنون وبناتي ماذا صنعت بهن لقد سلبتهن مرح الشباب وملذاته وأولادي الذين أعلم أنهم يكنون لي البعض والكراهية إن هذه المائدة وهذا البيت وهذه الحياة جريمة في حق الله ولكني أجلس هنا في هذا الجحيم مستدفا مستريحا بدلا من المضي في طريقي الذي رسمته لنفسي لقد كان من الأوفق لها لو أني مت فهأنذا قد ضللت السبيل وأصبحت لا أعيش طبقا للمبادئ التي أنشرها على الناس
ويمر الخادم بالحلوي والمرطبات ولكن تولستوي يزيح عنه الطبق الفضى في حركة غاضبة فتسأله امرأته في توسل ممزوج بالسخرية ماذا بها أليست على ما يرام أم أنها غالية عليك ويجيب تولستوي في حزم ومرارة نعم هذه هي المشكلة إنها غالية علي بل غالية جدا فيتتم أولاده وتتألم امرأته ويفتح المراسل أذنيه وعينيه ليقيد ما سمع وما شاهد
وأخيرا ينتهي الطعام وترفع المائدة فيقترح تولستوي ان يخرجوا للتريض قليلا ولكن ما هذا الجم الغفير من الناس أمام القصر إنهم أصحاب حاجات جاءوا يلتمسون قضاءها من تولستوي فهذا فلاح يسأل أحقا أن الأرض
ستوزع على الفلاحين ومتى وهذا حارس الغابة يسأل عن الكون وعن الله فيأمر تولستوي بإعطائه نسخة من كتابه ماذا نعمل إذا وهذا سائل يمد يده إليه فيعطيه قطعة من النقود وهكذا ويلتفت تولستوي خلفه ليري أن الصحفى قد التقط له صورة في هذا الوضع فيظلم محياه ويصيح أأخذت إذا صورة لي أنا تولستوي الصالح الذي لا يفنأ يمد يده بالمساعدة ويوزع الصدقات على الفقراء إن من يستطيع أن ينفذ إلي أعماق قلبي ليعلم أبي لم أكن في يوم من الأيام صالحا ولو أني حاولت مرارا أن أتعلم كيف أكون صالحا إني في الحقيقة لم أعبأ أبدا بشيء آخر غير نفسي وإن كل ما وزعته على الفقراء من مال لا يعادل نصف ما كنت أضيعه على مائدة القمار وأنا شاب في ليلة واحدة لقد كنت أعلم أن دستيوفسكي يعاني آلام الجوع والحرمان ومع ذلك لم يخطر لي على بال أن أبعث إليه ببضع مئات من الروبلات تساعده على العيش شهرا آخر ومع هذا فهأنذا أدع الناس يعظمونني وييجاوني كرجل تبدو عليه دلائل النيل الحقة ولو أني أعلم طول الوقت أنى لم أضع قدمي بعد علي الطريق القويم
ويعود تولستوي من رياضته خفيفا نشطا فيذهب إلى مكتبه يقرأ ويكتب ويراجع إلي أن يحين وقت العشاء فيلحق بالأسرة في قاعة الطعام حيث يتناولون عشاءهم ثم يستمعون إلي قطع موسيقية تهدئ أعصابهم المكدودة وتريح نفوسهم المتعبة
ويعود تولستوي إلي مكتبه مرة ثانية قبل النوم فقد اعتاد في كل ليلة أن يجعل من نفسه رقيبا على نفسه يزن الأعمال التي اناها في كل ساعة من ساعات اليوم المنصرم ثم يقدرها حق قدرها ويفتح تولستوي دفتر المذكرات فإذا بعين الضمير تطل عليه من هذه الصفحات البيض التي سيكتب عليها وهنا يتذكر الفلاحين ويتذكر هذا الفقر الذي جعل من نفسه المسئول الأول عنه ويتذكر
جريه هنا وهناك دون أن يقدم مساعدة لأحد اللهم إلا هذه الحفنة الضئيلة من النقود لقد كان قليل الصبر مع الفلاحين عديم الشفقة في شعوره نحو امرأته فليقيد كل هذه السيئات والذنوب في مذكراته ثم يلخص ما كتب في هذه الكلمات كسول مرة أخري عديم الروح لم أقم يعمل طيب كما يجب حتى الآن لا أستطيع أن أتعلم كيف أحب أولئك الذين يحيطون بي بدلا من حب الإنسانية جمعاء فاللهم هبني من لدنك عضدا ثم يكتب تاريخ اليوم التالي والحروف الأولى من الجملة الروسية إذا قدر لي أن أعيش وهكذا يكون قد عاش يوما آخر بأكمله
ويذهب الرجل الهرم منحني على الظهر إلي حجرة النوم فيخلع ملابسه ونعاله الثقيلة ثم يتمدد على الفراش وقد أخذ يفكر في الموت كعادته في كل ليلة إلى أن تأخذه سنة من النوم ولكنه يصحو فجاءة على وقع أقدام وجلة
خائفة في الحجرة المجاورة فيغادر فراشه في هدوء ويتطلع من ثقب الباب في سكون فإذا النور مضاء وإذا امرأته تنقب في ادراجه وتقلب في أوراقه ومذكراته إنها تريد أن تطلع على أسرار روحه ولا تريد أن تتركه وحيدا حتى مع نفسه ومع ربه إنه معرض في كل مكان لسهام الطمع وحب الاستطلاع حتى في بيته وفي حياته الخاصة ويرتجف تولستوي غضبا ويكاد أن يهم يفتح الباب ليعنف امرأته الخائنة التي جعلت من نفسها جاسوسا عليه ولكن صوتا يهمس في أذنه من يدري لعل هذا امتحان من عند ربك وهنا يسكن غضبه ويعود إلى فراشه في سكون فيستلقى عليه ولكن النوم لا يغلبه لبضع ساعات فيظل هكذا راقدا في الفراش فريسة للغدر وعذاب الشك وآلام الوحدة هذا الرجل العبقري العظيم ليونيقولافيتش تولستوي أنبغ أهل عصره وزمانه ( عن ستيفان زمايج )

