الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 738الرجوع إلى "الرسالة"

١١ - تفسير الأحلام، للعلامة سجموند فرويد، سلسلة محاضرات ألقاها في فينا

Share

الرموز في الأحلام:

والقيام برحلة بعيدة يعبر في الأحلام عن الموت. وبالمثل  جرت العادة أن تقول المربية للطفل عندما يسأل عن مقر شخص  مات من زمن وأحس الطفل بفقده أن هذا الشخص قد   (سافر) .  وهنا أقرر كذلك أنني أعني إن هذا الرمز يرجع مصدره إلى  هذا الرد الملتوي على سؤال الطفل. فالشاعر يستخدم نفس الرمز  عندما يتحدث عن الآخرة فيقول:   (هذا العالم المجهول الذي  لا يؤوب منه المسافر أبداً) ؛ وكذلك من المألوف في حياتنا  اليومية أن نتحدث عن     (الرحلة الأخيرة)   كما أن الشخص  الذي له إلمام بالطقوس الدينية القديمة يعرف بلا شك كيف كان  الناس يحملون على محمل الجد هذه الفكرة عن رحلة في أرض  الأموات، كما هو الحال في المعتقدات المصرية القديمة. ولما كانت  القبور تشيد الآن بعيداً عن منازل الأحياء، فقد صارت     (الرحلة  الأخيرة)   للميت حقيقة واقعة.

والرموز الجنسية ليست قاصرة على الأحلام فقط؛ فكلكم  يعرف أننا نطلق على المرأة كلمة   (شنطة)  عندما نريد أن  نحتقرها، ولكن ربما لا يعلم الناس أنهم بذلك يستخدمون في  حديثهم رمزاً جنسياً. ونحن نقرأ في كتاب   (العهد الجديد)   أن:   (المرأة هي الوعاء الأضعف)  وفي الكتب المقدسة  لبني إسرائيل، وهي تمتاز بأسلوبها الذي يقرب جداً من الأسلوب  الشعري، نعثر على كثير من التعبيرات التي تحتوي على رموز  جنسية، والتي لم يفسرها الناس دائماً على الوجه الصحيح.  أما في الآداب العبرانية التي جاءت بعد ذلك، فالمرأة تشبه غالباً  بمنزل، بينما الباب يمثل الفتحة التناسلية؛ وعلى هذا نرى الرجل

يتشكى عندما يكتشف أن المرأة لم تكن عذراء فيقول أنه   (قد  وجد الباب مفتوحاً)  وفي هذه الآداب نرى أن   (المائدة)   يكثر استعمالها كرمز للدلالة على المرأة، فتقول المرأة عن زوجها:    (لقد مددت له المائدة ولكنها قلبها.)  ويقال عن الأطفال  العرج أن عاهتهم ترجع إلى أن الرجل قد   (قلب المائدة.)

وعلماء الكلام يعضدون الاعتقاد بأن السفن في الأحلام  تمثل النساء. فهم يؤكدون أن كلمة   “ Schiff ” (سفينة)  كانت  في الأصل اسماً لوعاء من الخزف، وتؤدي نفس المعنى الذي تؤديه  كلمة    sshaff(دن أو وعاء من الخشب) . وأما كون   (الفرن)   ينثل المرأة أو رحم الأم، فتفسير تعززه الرواية الإغريقية    (بيرياندر)  وزوجته   (ميليشيا) ، وذلك أن الطاغية، كما  يروي   (هيرودتس) ، بعد أن قتل امرأته بدافع الغيرة،  وكان قد أحبها حباً جارفاً، ناشد خيالها أن يخبره بشيء عن  نفسه، وعند ذلك أثبتت المرأة الميتة شخصيتها بأن ذكرته بأنه  أي   (برياندر)  قد   (وضع خبزه في فرن بارد)  وقد عبرت بهذه  الصيغة المستترة عن حادث لم يكن أحد على علم به. وفي كتاب  للكاتب   (رأفْ. رأسْ. كروسْ)  “ anthrobophyteia ” يدعى  “  F.S.Kraus”وهو موسوعة لا غنى عنها لمن يريد  أن يلم بكل ما يخص الحياة الجنسية عند الشعوب المختلفة، نقرأ  أن الناس في حي خاص من ألمانيا يقولون عن المرأة عندما تضع  طفلاً أن   (فرنها قد تفتتت أجزاؤه) . وإشعال النار وكل  ما يتعلق بذلك تتخلله كثير من الرموز الجنسية، فاللهب دائماً  يمثل القضيب، بينما الموقد أو المدفأة تمثل رحم المرأة.

وإذا كان قد اتفق أن أخذكم العجب لكثرة وقوع    (الأصقاع)  في الأحلام كرمز للدلالة على الأعضاء التناسلية  للأنثى، فإن في استطاعتكم أن تعلموا من أساطير الأقدمين كيف  كانت   (أمنا الأرض)  تلعب دوراً كبيراً في أفكار الناس  ومعتقداتهم، وكيف كان فهمهم للزراعة كله محدداً بهذا الرمز.  وإذا كانت الحجرة في الأحلام تمثل المرأة، فإنكم قد تميلون إلى  إرجاع هذه الحقيقة إلى الكلمة الألمانية    “ Frauenzimmer ”(ومعناها  الحر في حجرة المرأة)  التي تستخدم في اللغة العامية للدلالة على  المرأة  “ Frau ” أي أن المرأة تمثل بالمكان المخصص لها لتشغله:  ونحن كذلك نتحدث عن   (الباب العالي)  ونقصد بذلك  السلطان وحكومته، كما أن كلمة   (فرعون)  التي كان يطلقها قدماء

المصريين على الحاكم معناها   (الفناء الأعظم)    (الفناء الذي يقع  بين بوابتي المدينة كان يستعمل في الشرق قديماً كمكان للاجتماع  مثل الأسواق في العصور الكلاسيكية)  ولكني أحسب أن هذا  الاشتقاق سطحي جداً، وإنما يتهيأ لي أن الأكثر احتمالاً هو أن  الحجرة قد صار استعمالها كرمز للدلالة على المرأة لما لها من خاصية  الاحتواء بداخلها على بني الإنسان. وقد سبق لنا أن رأينا المنزل  يستخدم في نفس المعنى؛ وإذا رجعنا إلى الأساطير والشعر فإن  في استطاعتنا أن نعتبر المدن، والقلاع، والقصور، والحصون  رموزاً أخرى كذلك تمثل المرأة. وهذه النقطة من الممكن  البت فيها إلى رجعنا إلى أحلام الأشخاص الذين لا يتكلمون  الألمانية أو يفهمونها. وقد حدث في السنوات الأخيرة أن أغلب  مرضاي كانوا من الأجانب، وإني لأحسبني أتذكر أن الحجرة  كانت تبدو في أحلامهم أيضاً للدلالة على المرأة ولو أنه لا توجد  في لغتهم العامية كلمة تقابل كلمة  “ Frauedzimmer ”عندنا. وهناك  دلائل أخرى على أن الرمزية تتجاوز حدود اللغات وهي حقيقة  سبق إثباتها قبل الآن على يد الباحث القديم   (شوبرت)   “ schubert ”عام ١٨٨٢. ومع هذا فإنه لا يوجد بين مرضاي  من يجهل اللغة الألمانية جهلاً تاماً، وعلى هذا فإنني أترك هذه  النقطة ليبت فيها أولئك المحللون الذي في استطاعتهم أن يجمعوا  شواهد من بلاد أخرى لا يتكلم أهلها إلا لغة واحدة فقط

والرموز المستعملة للدلالة على العضو الجنسي المذكر لا يوجد  بينها رمز لم يجر استعماله في معرض المداعبة أو الحديث المبتذل،  أو في الأسلوب الشعري خصوصاً عند القدامى من الشعراء  الكلاسيكيين ونحن لا نعثر هنا على الرموز التي تقع في الأحلام  فقط، بل على رموز أخرى كذلك مثل   (الأدوات)  المستعملة  في أنواع العمل المختلفة وأهمها   (المحراث) . وفضلاً عن ذلك  فميدان الرموز المذكرة ميدان متسع إذا نزلنا إليه تعرضنا لكثير  من المناقشات والجدل، وعلى هذا فسنتجنب ذلك خوفاً من  ضياع الوقت. ولكني أريد فقط أن أوجه بعض الملاحظات إلى  الرمز الذي يظهر كثيراً قائماً بذاته؛ أعني العدد   (ثلاثة) .  فهذا العدد تحيط به هالة من القداسة لا نستطيع أن نقرر بعد  إن كانت ترجع إلى دلالته الرمزية، ولكن يبدو أنه مما لاشك  فيه أن الأشياء الطبيعية المثلثة الشكل مثل عود البرسيم تستخدم  كشعار لدلالتها الرمزية. وزهرة الزنبق الفرنسية بأجزائها الثلاثة

يقال أنها ليست إلا صورة تنكرية للعضو الجنسي المذكر، وكان  الناس في العصور القديمة يعتقدون أن   (الأيقونة)  منها هي  أقوى الوسائل التي تدفع عنهم الشر والأذى، والدليل على ذلك  أننا نجد في هذا العصر أن الطلاسم التي تجلب الحظ السعيد ما هي  إلا رموز تناسلية أو جنسية. دعونا ننظر في بعض هذه الطلاسم  التي تصنع على شكل   (دلاّيات)  من الفضة وهي: عود البرسيم  ذو الأربع ورقات، والخنزير، وعش الغراب، وحدوة الحصان  والرجل الذي يكنس المدفأة ومعه سلمه، أما عود البرسيم  ذو الأربع ورقات فقد حل محل العود ذي الثلاث ورقات الذي  كان في الواقع أنسب للغرض المطلوب وهو الرمزية، وأما الخنزير  فرمز قديم للإخصاب، وعش الغراب يمثل القضيب من غير شك،  بينما حدوة الحصان ترسم المنحني الذي تتخذه الفتحة التناسلية  للأنثى. وأما   (الرجل الذي يكنس المدفأة)  بسلمه فينتمي إلى  هذه المجموعة لأن وظيفته تقارن دائماً بعملية الجماع في الأحاديث  المبتذلة. وقد تعلمنا من الأحلام كيف يظهر هذا السلم كرمز  جنسي، وهناك تعبيرات في اللغة تدل على الكلمة   “ steigen ” (يصعد)  من الدلالة الجنسية المطبقة مثل قولهم  den fruen   nacheteigen(يجري وراء المرأة) . وهكذا الحال أيضاً في اللغة  الفرنسية حيث نجد أن كلمة  La marchhe معناها   (درجة)  وأن  الرجل العجوز المتهتك يطلق عليه:  un viecx marcheur وربما كان هذا الترابط بين الأفكار يرجع إلى أن عملية الجماع عند  الحيوانات الكبيرة تستلزم أن يمتطي الذكر أو يركب على الأنثى.

أما تمثيل العادة السرية رمزياً بوساطة جذب فرع من الشجرة  فليس مما يتفق مع الأوصاف العامية المبتذلة لهذه العملية فحسب،  بل إن له كذلك أشباهاً في الأساطير. ولكن الغريب الذي  يلفت النظر حقاً هو تمثيل العادة السرية أو على الأصح الخصاء  كعقاب للإدمان عليها، بسقوط أو اقتلاع الأسنان؛ لأننا نجد  في القصص الشعبية مقابلاً لذلك لا يمكن أن يلم به إلا قليل من  الحالمين. فإني أظن أنه ما من شك في أن   (الختانة)  وهي عادة  عند كثير من الشعوب، تعتبر معادلة أو بديلة من الخصاء.  وقد وصل إلينا منذ عهد قريب أن بعض القبائل الشاذة في  أستراليا تمارس الختانة كطقس للدلالة على البلوغ بينما بعض  القبائل الأخرى التي تجاورها قد استبدلت هذه العادة بعادة  أخرى وهي اقتلاع إحدى الأسنان.

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية