الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 750الرجوع إلى "الرسالة"

١٣ - رحلة إلى الهند

Share

مشاهد أخرى في دهلي

ضريح صَفدًر جَنك: ومن الآثار التي رأيتها في دهلي ضريح لوزير من وزراء الدولة  التيمورية، وهو آخر ما شاد رجال الدولة من أضرحة كبيرة.  كان صفدر جنك وزيراً للسلطان أحمد شاه   (١١٦١ -  ١١٦٧هـ) . وذلك قبل زوال الدولة  التيمورية بمائة عام . وقد  عجزت الدولة من بعد عن رفع الآثار الفخمة، وتشييد مثل  ما شيدت من قبل إبان شبابها وقوتها.

والمزار، في جملته، صورة من مقابر الملوك التيموريين.  وكلها تتفق في القواعد وتختلف في التفصيل، فهو كقبر همايون  بناء عال عليه قبة، حولها أبراج، يقوم على دكة عالية وسط حديقة  واسعة. ولكنه أيسر هندسة وأبسط خطة. فليس حول القبة  حجرات كثيرة متواصلة كما في مزار همايون بل يرى الواقف تحت  القبة أربعة عقود في الجهات الأربع يخترقها البصر إلى الحديقة المحيطة بالبناء على ما بالعقود من شبابيك الرخام.

ويمتاز هذا المزار بأربعة أبراج ضخام على زواياه الأربع،  تذكر بالمآذن الأربع في أركان مزار جهانكير في لاهور والمآذن  الأربع القائمة حول تاج محل منفصلة عن البناء.

ويقال إن في المزار مادته وهندسته ما يؤذن بشيخوخة الدولة  والفنون إذا قيس إلى نضارة الدولة وشبابها ممثلة في أبنية همايون  وشاهجهان وأكبر.

وسنصف بعض آثارهم في المقالات الآتية إن شاء الله. ولكن هذا المزار لوزير لا لسلطان فينبغي أن يحسب هذا في  تقويم البناء.

ومن المشاهد التي رأيتها سقيفة جميلة من الرخام لا تدور عليها  جدران ولكن تحملها عمد كثيرة أجيد نحتها وتشكيلها.

وفوق السقيفة قباب كثيرة من الرخام.

ووسط السقيفة قبر عليه صفائح الرخام، البيضاء البراقة  كقبور التيموريين الأخرى. وفيها كلها روعة وجمال.

والقبر لأمير أسمه ميرزا عزيز كموكل تاش   (الأخ من الرضاع)   وهو أخو السلطان جلال الدين أكبر من الرضاع، وأبن أتكاخان  أحد وزراء أكبر.

وتسمى هذه السقيفة الرواق ذا الأربعة والستين عموداً    (جونسته كهمبا) .

ولما خرجت من هذه السقيفة أبصرت أمامها على الطريق  قبوراً فأشار دليلنا إلى واحد منها أخذت الحوادث من أحجاره  وتراكم حوله غبار العصور فتأملت كتابة عليه فإذا هي:

رشك عرفي وفخر طالب مرد ... اسد الله خان غالب مرد-

١٢٨٥ قلت: قبر الشاعر؟ قيل نعم. ومعنى البيت:  مات غيره   (عرفي)  وفخر طالب. مات أسد الله خان غالب  أي مات الذي يحسده عرفي ويفخر به طالب الخ.

فأما عرفي فهو الشاعر الفارسي عرفي الشيرازي من كبار  شعراء الفارسية. رحل إلى الهند وأتصل بجلال الدين أكبر  وعاش هناك حتى أدركته الوفاة في لاهور سنة ٩٩٩ وهو في  السادسة والثلاثين من عمره.

وكنت في لاهور في شهر نيسان الماضي  (أبريل)  وكان  بها الصديق العالم الأديب علي أصغر حكمت وزير المعارف في ايران  قبلا. فقال يوماً في أحاديثه إن عرفي شيرازي وأنا شيرازي وقد  مات هنا. وضحك. قلت يطيل الله عمرك، ويقيك كل سوء

وأما طالب فهو شاعر فارسي أخر من شعراء الفرس الذين  رحلوا إلى الهند وأتصل بجلال الدين أكبر وأبنه جهانكير من  بعده فحظى عندهما، وذاع صيته ولقب   (ملك الشعراء)  وتوفي  سنة ١٠٣٥ في كشمير بعد أن جاوز المائة من عمره.

فهذا البيت الذى نقش على قبر غالب يشير إلى هذين الشاعرين  اللذين ذاع صيتهما فى القرن العاشر الهجرى .

وأسد الله غالب هذا له شأن في الأدب الأردى، إلى مكانته  في الأدب الفارسي. ولا بد من وقفة على قبر هذا الشاعر الذي  زرته على غير قصد. وكان عليّ أن أسأل عنه، وأسعى إليه، أقضى  حقه بوقفة:

وقفة في العقيق نطرح ثقلاً من دموع بوقفة في العقيق:  هو نجم الدولة، دبير الملك ميرزا اسد الله خان.

وغالب لقبه الشعري المعروف في الأدب الفارسي بالتخلص.  وأصله من تركستان كأمير خسرو الذي ذكرناه من قبل  قدم جده إلى الهند في عهد شاه عالم  (١١٧٣ - ١٢٠٢)   ورحل أبوه عبد الله من دهلي إلى لكنهو ثم حيدر آباد.

وتقلبت به أمور حتى قتل في إحدى الحروب. وأسد طفل  في الخامسة من عمره. وقد كفل اليتيم عمه نصر الله بك خان.

ولما بلغ التاسعة توفى عمه، فرتب له ملك دهلي إذ ذاك رزقاً  شهرياً. ثم ترعرع وتقلبت به الغير، وذاع صيته في الشعر  ونال جوائز الأمراء وأرزاقهم حتى رجع إلى دهلي وأجريت عليه  وظيفة. وأستقر هناك حتى أدركه الموت سنة ١٢٨٦ هـ   (١٨٦٩م)   بعد زوال الدولة الإسلامية من الهند

وكان غالب رضى الخلق، حسن الفكاهة محسناً إلى أصحابه  وتلاميذه، ولكنه كان قلقاً لا يصبر على الاحداث.

ولغالب مذهب في الشعر أنيق دقيق يحتفل فيه بالمعنى واللفظ  وله في الفارسية ديوان وثمانية مؤلفات بين نظم ونثر وله  ديوان باللغة الاردية كذلك وبضعة مؤلفات منظومة ومنثورة.

وقد عنى الناس بديوانه الأردى كثيراً إذ كان الشاعر على  قرب زمانه من أوائل المجيدين في هذا اللسان. وقد شرح ديوانه

هذا ثماني مرات. وهو بعيد الغور فيه كثير من دقائق الصوفية. وطبع الديوان في ألمانيا طبعة مصورة جميلة بيعت النسخة  منها بخمسة وثلاثين جنيهاً. ثم أعيدت هذه الطبعة في حيدر آباد  فبيعت النسخة بخمسة جنيهات. وأعيدت مرة أخرى فرخص  ثمنها قليلا. وللديوان طبعات أخرى رخيصة .

وقد نشرت منذ سنين ترجمة غالب وترجمت أبياتاً متفرقة من  شعره، منها:

أرى شبك الأمواج في كل لجة   بأفواه وحش البحر حيك وقدرا

فماذا تلاقى قطرة الماء من ردى   إلى أن ترى في لجة الماء جوهرا

وهو يشير إلى أن الكمال لا يتاح الا بعد نصب ومقاساة أهوال  ومن شعره:

وكنا ببرق الطور لو أنه   على قدر الأقداح أعطيت الخمر

ويقول في مضي العمر سريعاً:

أسوم جواد العمر ريثاً وما له      ركاب برجلي أو عنان بأنملى

ونرى في طبعة برلين مع هذا البيت صورة فرس ينهب الأرض

عدواً عليه فارس مشدوه ليس في يده عنان ولا في رجاه ركاب.

ويقول في البلاغة:

وينفذ في الالباب سحر بيانه       فأحسب ما قد قاله كان في لبى

هذه وقفة قصيرة على قبر اسد الله غالب الشاعر الكبير.

وليت الزمن أمهلنا أياماً في دهلى لنعود إلى قبره، أو ساعات  في زيارتنا إياه لنستمد المعاني من هذا الرخام الحاني على رفات  الشاعر الخالد كما تنطبق الصدفة على لؤلؤتها؛ ولكن رحم الله  الشاعر القائل:

اسوم جواد العمر ريثاً وما له     ركاب برجلي أو عنان بأنملى

(للحديث صلة)

اشترك في نشرتنا البريدية