كل عمل من أعمالنا وكل ميل من ميولنا يجب أن نفسره بغايته الأصيلة : السعادة ، في معني عميق شامل لا يقف عند حدود الغبطة الظاهرة ، بل يعدوها ليجعل من هذه السعادة غاية الحياة الأخيرة ، الأبدية التجدد ، وهدف نشاطنا الذي يوجهه العقل والغريزة . وعلى هذا نضطر إلي جعل السعادة - فرديا واجتماعيا - مقياسا لقيم الأعمال،نمجد ما يقود إليها ونحاول إنماءه وتوسيعه، ونتخلص مما يبعدنا عنها لأنه يناقض الواجب الذي تفرضه علينا إرادة الحياة
والحياة السعيدة تنفي السلبية العقيمة وتقتضي العمل ، والعمل يفترض سبق الإيمان بحرية الفكر والإرادة برغم كل المذاهب المثالية و " الميتافيزيائية " التي حاولت
حتى اليوم أن تقيد الإنسان بقضاء محدد مرسوم . ولهذا ترانا مسوقين إلى أطراح جدل الفلسفة الخالصة حين نتحدث عن الفكر الحر كسبيل إلي حياة أكمل .
وتاريخ العالم هو من بعض وجهاته حكاية للصراع بين طريقتين من طرائق التفكير لا مجال بينهما للسلام . فأما الأولى فهي النظرة الجامدة الحياة ، المقيدة النفس ، المفسدة القوة ، ترجع إلي الماضي تقدسه وحده وتمجده ، وتقف عنده فلا تتقدم ، تعوزها الحيوية ويسيطر عليها ظلام الموت . هذه الطريقة التي اتبعها الناس في القرون الوسطى كانت أبدا حربا علي العقل ، لأنها جعلت منه آلة مسيرة ينحصر عملها في خدمة اللاهوت . كان القدماء قد بدأوا من الصفر ففكروا - بكثير من الحرية - في كل ما عرض لهم من مشكلات ؛ فلما جاءت العصور الوسطى هيمن " مبدأ السلطة " ، ونزل العقل عن عرشه ليلتوي نشاطه في استنتاجية جدلية ، صلبة لاتقود إلي أمر جديد ، وخسر وظيفته المبدعة ، فهو " إلهي"
مادام طيعا في الخدمة ، " شيطاني" بغيض إذا ما ثارت كبرياؤه على ذل القيد
وأما طريقة التفكير الأخري فهي نظرة الأمل الضاحك ، الشاعرة بقيمة الحياة ، والتي لا تري في التراث الماضي إلا حافزا يزيدها قوة ، وطريقا من ألف ليست مقيدة باتباعه . هي النظرة الجريئة الحرة التي لا يخشي التفكير ولا تهرب منه ، والتي تهمل "مبدأ السلطة" في زاويته التي يغط فيها - وإن أي فكر مبدع لمسوق بذاته إلى اتباع هذه الطريقة ؛ " الشيطان " الذي في عقله ملحاح يفرض عليه أن يشك أبدا فيما يقدم إليه من مبادئ " جاهزة "، أن يبحث من جديد وأن يبني بناءه الفكري الخاص ليعيش وفقا له حياة خاصة ، وما وثب العالم وثباته الباهرة إلا بفضل هذا " الشيطان "
وليس بالتطرف أن نقول : إن القرون الوسطى ، عند الكثيرين منا هنا ، تكاد تستطيل حتى الآن . فالجمود النفسي ، الخوف من التفكير عاهتنا الأولى ، والشيخوخة المبكرة داؤنا الذي نشكو منه . ولأنت حيثما ذهبت واحد شبابا علي عكاكيز ، يخشون من التفكير لأنه يحرمهم الطمأنينة المكينة التى يمتعهم بها الجمود ، ويهربون من الفكرة الجريئة لأنها تمنعهم لذة الاستكانة إلى تقاليدهم : يضعون أصابعهم في آذانهم ، ويأبون أن يستمعوا إلي الدعوة الجديدة ، لأنهم ضعاف الثقة بأنفسهم وبقيمة الماضي الفكري الذي توارثوه فشوهوا صورته ؛ فهم يخشون أن تهزهم تلك الدعوة وأن تعود بهم إلى الحياة النشيطة بعد أن راضت نفوسهم هدأة المرض .
تجاه الخطر الذي تحمله هذه الطريقة ، يقف الجيل العربي الطالع ، المتوثب الظمآن . وهو أشد ما يكون حاجة إلى التحرر الفكري وإلى الجرأة على التفكير . هو في حاجة إلى القادة ، إلى من يعلمه الحياة ويوقد في صدره إرادة القوة . في نفسه الشابة نزعات غامضة تضطرب ، تريد أن تسلك كل الطرق لأنها لا تعرف أيها خير ، وهو في حاجة إلي من يوضح له غموض نفسه ويمهد له السبيل الصاعد
هذا الجيل يشعر بضرورة الابتعاد عن الطريقة القديمة ومحاربتها ، ليصبح أهلا للحياة . إن شيطان الفكر الحر ليضطرب في عاطفته وعقله
على أن اتخاذ أي من هؤلاء المعلمين مثلا صالحا أو غير صالح واتباع هدية في الطريق إلي السعادة أو رفض هذا الهدى ، هو آخر النتائج التي يجب أن نفكر في بلوغها، فما يعنينا أبدا ، بل ما يسمح لنا احترامنا الفكر وتقديسنا الحياة ، أن نتخذ تجاه هذه الحياة موقفا مرسوما موضح الحدود ، وقفه غيرنا من قبل . إن ما ترمي إليه كل الدراسات التي نحتاج إليها اليوم يجب أن يكون حرية الفكر. الفكر الحر هو الهدف الأول ، لأنه السبيل الصحيح للإنسانية الحقة . وليس بين كل عيوب المذاهب السائدة شر من هذا العيب الذي يجعل منها مبادئ جاهزة للتلقين ، تحفظ وتتبع في عبودية ترفضها الحياة . وما كان لداعية أن يفخر بكون فكرته قالبا تصب على هندازه عقول الناس . ومن هنا كان الفارق الكبير بين التلمذة والفهم ، أو على الأصح ، بين العبودية وصداقة الفكر الحر . وهؤلاء الذين يدرسون مفكري العصر الحاضر ، ويتقبلون مواقفهم من الحياة علي أنها حلول نهائية ، ليسوا في شىء خيرا من الذين يتبعون المدارس البالية وينحنون أمام التقاليد مهللين مقدسين . إنهم ما يزالون في أغلالهم . تفكيرهم اجترار وإعجابهم مذلة ونظرتهم إلى الحياة قبول بالموت ، هؤلاء هم التلامذة ، المقلدون العبيد . وغيرهم الأحرار ، أصدقاء الفكر الحر . غيرهم من يرفض الأفكار الجاهزة ، يرفضها لأنه لا يرضي السرقة ، لأنه يأبي أن يتخذ لنفسه مالا لم تتعب في جنيه يداه ، وليس أدل على احترامك الماضي من وقوفك أمامه موقف المناضل ، ولا على جدارتك بكل هذا التراث الذي خلفته لك الإنسانية من أن تنكره وتهدمه لترفع على أنقاضه بناءك الجديد . والمهم هو أن تؤمن بقيمتك لتجرؤ على اقتحام الحياة في تفاؤل ، وأن تفهم أنك لن تكون كامل الانسانية إلا باستكمال فرديتك .

