كان الأمير شكيب أرسلان رحمة الله عليه أضخم شخصية عربية، وكانت له مزايا جمة كل مزية منها تجعل صاحبها لو اقتصر عليها من عظماء الرجال، منها أنه المؤلف المكثر المجود، ولو لم يكن له إلا تعليقاته على حاضر العالم الإسلامي، والحلل السندسية، ولماذا تأخر المسلمون، لكان بها من كبار المؤلفين. ومنها أنه الكاتب الذي ملأ الشرق والغرب نثراً بليغاً، وكان لسان الإسلام ومدره العرب؛ وأحسب أن مقالاته لو جمعت لجاء منها كتاب في ضعف حجم الأغاني. ومنها أنه السياسي الأكبر الصادق الفراسة الصحيح الرأي البعيد النظر، أنذر وحده العرب (لما قاموا باسم القومية يطعنوا الأتراك إخوانهم في الدين في ظهورهم) وحذرهم عاقبة ما هم فيه، قال لهم إن الإنكليز لا وفاء لهم، وإن الشام إن تخرجوه الآن من يد الترك تدخلوه في أيدي غيرهم؛ فكان والله ما قال، فلما انقلب الأتراك وولوا وجوههم عن الإسلام لوى عنهم وجهه وكان حرباً عليهم. وهو الذي أثار الدنيا على الظهير البربري؛ وهو الذي أرجع عرب الجبل الأخضر، وهو الذي
كان سفيراً دائماً لنا في ديار الغرب، سفيراً بلا أبهة ولا رتب يرتضى حياة التقشف ويصبر على مر العيش. ومنها همته وثباته؛ ما كتب إليه إنسان إلا أجابه، ولا خاطبه رجل إلا رد عليه، ورسائله تعد بعشرات الآلاف. ومنها وفاؤه ونبله، وهذان كتابان
عن شوقي والسيد رشيد يقومان دليلا ولا يعوزنا الدليل. ومنها - ولن تحصى هذه الكلمة مزاياه، ما يحصيها إلا الدرس الطويل؛ لذلك فكرت دمشق التي روعها نعى الأمير، وجاءها نبأ وفاته وهي تعد لاستقباله، تأمل أن يجيئها أعز زائر وأكرمه وأعظمه، فكرت في أن:
١ - تقيم أسبوعاً للأمير رحمه الله في مدرج الجامعة السورية في دمشق يتعاقب فيه الخطباء والمؤبنون.
٢ - تنشر ما ينشر من كتبه وتعد نشر المطبوع منها. ٣ - تجمع رسائله الخاصة وتحصيها.
وتألفت لذلك لجنة تمهيدية برياسة صديق الفقيد الأستاذ السيد عارف النكدي رئيس مجلس شورى الدولة، وعضوية الأساتذة السيد سامي العظم المفتش العام في وزارة العدلية، والسيد عز الدين التنوخي عضو المجمع العلمي العربي، والسيد أنور العطار شاعر الشباب السوري، والسيد مظهر العظمة مدير مدرسة التمدن الإسلامي، وعلي الطنطاوي، ورئيس الشرف في هذه اللجنة الأمير عادل أرسلان، لا لأنه وزير المعارف، ولأنه أخو الفقيد، بل لأنه صديقة وما كل أخ صديقاً، ولأنه أعرف الناس به وأشدهم حباً له، ولأنه الشاعر الفحل، والوطني المجاهد، ولأنه الأمير عادل أرسلان. رحم الله الفقيد وألهم هذه الأمة الوفاء له، والاقتداء به.

