الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 31الرجوع إلى "الثقافة"

١ ابن الهيثم(١)

Share

في مثل هذا العام منذ تسعة قرون حلت ، توفي بالقاهرة عالم من علماء الطبيعة ، لا اتردد في أن أقول إنه كان اعظم علماء الطبيعة الذين نبغوا في عصر الحضارة الإسلامية ، ولا اتردد في ان اقول إنه في مقدمة الأعلام من علماء الطبيعة في جميع عصور التاريخ ، هو الحسن ابن الهيثم

وقد اثرت أن أتناول في هذه المحاضرة ثلاثة أمور : الاول شئ عن حياته الخاصة . والثاني شئ عن ابن الهيثم كعالم scientist)  بالمعنى الحديث ، وإبانة هذه الناحية منه . والثالث شئ عن اثره الذي طبع به علم الطبيعة في الجانب المتعلق منه بعلم الضوء .

١ - ابن الهيثم :

ظهر في أوربا في إبان القرن الثالث عشر بعد الميلاد عقب تنبه أهلها إلي ازدهار الحضارة الاسلامية ونضج العلم والفلسفة فيها - كثيرون عنوا بدراسة هذه العلوم ، ونقل كتب الإسلاميين إلي اللاتينية ، والتأليف في هذه العلوم بهذه اللغة . وكان من بين هؤلاء عالم بولوني لعله كان من الرهبان اسمه " فتلو ((vietello)) اشتهر بكتاب في علم الضوء ألفه سنة ١٢٧٠ م ، قال إنه نهج فيه على منهج كتابين في هذا العلم ، أحدهما لبطليموس القلوذي والآخر لمؤلف عربي عرف باسمه اللاتينبي المحرف ((الهازن)) alhazzen ولا يزال يعرف بهذا الأسم عند علماء أوربا إلي وقتنا الحاضر . ثم نشر " رزنر "  ristter سنة ١٥٧٣ م ترجمة لاتينية كاملة للأصل العربي للكتاب الذي ألفه الهازن هذا ، ووسمها بالأسم اللاتيني opticae thesurus alhazzen أي " الذخيرة في علم الأوبطيقى للهازن " . ووقع الكتاب في سبعة أجزاء . وتبين منه أن جل ما ورد في كتاب " فتلو قد نقل نقلا ، أو بشيء من التصرف قليل أو كثير ، من كتاب الهازن " المذكور . ولم يكن أثر كتاب " الهازن مقصورا على " فتلو وحده ، بل امتد إلي كثيرين ممن ألفوا أو صنفوا في علم الضوء أو في الموضوعات التي لها علاقة بعلم الضوء في تلك العصور وقد كان كتاب الذخيرة اللاتينيي عمدة أهل أوربا في هذا العلم في ابان عصر النهضة ، ولا أخطئ إذا قلت إنه لبث مرجعهم الذي يعتمدون عليه إلي القرن

السابع عشر ، وإلا لما وجد " رزتر " داعيا إلي نشره في إبان الربع الأخير من القرن السادس عشر .

ولكن ظلت هوية مؤلف كتاب " الذخيرة مجهولة يكتنفها شئ من الغموض ردحا طويلا من الزمن . " فرزير " نفسه لم يكن يعلم على التحقيق العصر الذي شهده المؤلف . ولما ابتدأ أهل أوربا يتنبهون إلي التراث الذي خلفه الاسلاميون واورثوه العالم من بعد عصرهم الزاهي ، ظن ان اسم " الهازن " إنما هو تحريف اسم الخازن " وان كتاب " الذخيرة مؤلفه ((ابو جعفر الخازن )) الرياضي الفلكي من علماء القرن العاشر بعد الميلاد . وذهب بعض العلماء ممن الفوا في تاريخ العلم مثل " مونتكلا "( montucia)  و " بريستلي " priestiley)  إلي نفي نسبة كتاب " الذخيرة " إلي ابن الهيثم . واختلط الأمر على كثير من المؤرخين والكتاب ؛ فمنهم من ذهب إلي ان " الهازن " مؤلف كتاب " الذخيرة " من الأندلس ، ومنهم من قال إنه من مصر ، ومنهم من جمع بين القولين فقال إنه اندلسي زار مصر وأقام بها مدة.

بل ووقع في هذا الغموض والخطأ كثير من كتاب العربية ومنهم المحدثون . فجورجي زيدان مثلا ذكر ابن الهيثم في كتابيه " تاريخ ادب اللغة العربية " وتاريخ التمدن الاسلامي " ببحوثه الرياضية الهندسية ، ولم يذكره قط ببحوثه في علم الضوء . ومركيس في معجمه روي ان الكتاب الذي نشره " رزنر " هو كتاب في البصريات للخازن . ونجد في أحد كتب التاريخ لبعض أفاضل معاصرينا : " والف الخازن كتابا في انكسار الضوء وفي شكل الصور في المرايا المنحنية".

حقيقة ان مشهوري المؤرخين لتراجم الحكماء والعلماء ، كالقفطي وابن أبي اصبيعة ، علموا بأن لابن الهيثم كتابا في المناظر . ونوه به ابن خلدون في مقدمته حيث قال : " وأشهر من الف فيه ( اي علم المناظر ) من الاسلاميين

ابن الهيثم " : وذكره الانصاري في كتابه " إرشاد القاصد إلي أسني المقاصد " فقال : " ومن المبسوطة (أي الكتب المبسوطه في علم المناظر )كتاب ابن الهيثم " ، ولكن لم يرد ذكر كتاب " المناظر " لابن الهيثم في كشف الظنون . ولم يكن الأصل العربي لكتاب الذخيرة قد عثر عليه

وما ذكره " بروكلمن " عن مخطوط كتاب " المناظر : لابن الهيثم الموجود في " المكتبة الأهلية بباريس " لايمت لكتاب الذخيرة بصلة أو شبه . وقد تحقق لدى أنه تحرير حسن بن شاكر لكتاب أو قليدس في المناظر ، وليس هو كتاب " المناظر " لابن الهيثم البتة .

تبقى الغموض الذي يكتنف هوية " الهازن " فانما حي عثر " قيدمان " المستشرق الألماني ، على مخطوط عربي في مكتبة " ليدن " اسمه " تنقيح المناظر لدوي الأبصار والبصائر ومؤلفه " كمال الدين أبو الحسن الفارسي والكتاب هو تنقيح لكتاب " المناظر " لابن الهيتم . فوازن " قيدمان " بينه وبين كتاب الذخيرة اللاتيني ، فوجدهما متشابهين متقابلين ، إلا في مواضع جاءت مسهبة في الذخيرة موجزة في التنقيح ، وفي مواضع اخري علق فيها الفارسي علي اقوال ابن الهيتم ، أو زادها شرحا وتفسيرا ، أو أضافها من عنده إلي اقوال ابن الهيثم ؛ وكانت نتيجة هذه الموازنة ان تحقق " قيدمان " ان كتاب الذخيرة اللاتينبي هو من تأليف ابن الهيثم ، وليس هو من تأليف الخازن أو سواء من العلماء الاسلاميين

وعلي هذه الصفة تبين ان الهازن " هو تحريف اسم " الحسن " وليس هو تحريف اسم " الخازن)) كما ظن أولا ، وكما يظن أول وهلة .

ولم يصل إلي علمي ان احدا ممن عنوا بدراسة بعض نواحي ابن الهيثم وا كثرهم من الالمان ، قد علم بوجود الأصل العربي لكتاب ابن الهيثم في المناظر ، أو اعتمد عليه

فيما كتب . فالمتقدمون منهم عولوا على كتاب الذخيرة اللاتيني ، والمتأخرون مثل قيدمان " عولوا على كتاب التنقيح أيضا .

وذهب بعض الكتاب إلي أن الأصل العربي لمناظر ابن الهيثم قد فقد وقد  ذكر هذا القول في كثير من الكتب في الوقت الحاضر.

ويكفيني أن أذكر بهذه المناسبة أنه قد تيسر لي بتوفيق من الله الحصول على صورة فوتوغرافية لمخطوط كامل لكتاب " المناظر " لابن الهيثم ، ويسبق تاريخ نسخه العصر الذي نشر فيه " رزنر " كتاب الذخيرة اللاتيني ، إذ تم نسخه في سنة ٨٩٩ من الهجرة . والحصول أيضا على صور فوتوغرافية لمخطوطات ستة أجزاء من الأجزاء السبعة من الكتاب هي مخطوطات المقالات الأولى والثانية والثانية والرابعة والخامسة والسابعة . وهذه المخطوطات اقدم عهدا من المخطوط الاول الكامل . والمقالات الأولى والثانية والثالثة والسابعة منها يرجع تاريخ نسخها إلي عام ٤٧٦ وهي بخط أحمد بن محمد بن جعفر العسكري البصري . وهو بحسب ما يتبين من الصفحة الأخيرة من مخطوط المقالة الأولى منها " صهر المصنف " .

ولكن من هو الحسن بن الهيثم هذا ، مؤلف كتاب المناظر ، الذي تحقق الان من غير شك ان كتاب الذخيرة اللاتيني ترجمته؟

هو الحسن أبو علي بن الحسن بن الهيثم . كان من الأعلام الأفذاذ من علماء النصف الأول من القرن الحادي عشر بعد الميلاد . ولد بحسب ما تؤدي إليه بعض اقوال ابن أبي أصبيعة سنة ٣٥٤ من الهجرة أى حوالى سنة ٩٦٥ بعد البلاد . وكان أول أمره بالبصرة -

وعني في سني حياته الاولى بتحصيل العلم ، والالمام بما وصلت إليه الفلسفة والعلوم التعليمية بل والعلوم الطبية ايضا في عصره . وكان عصره ازهي عصور الحضارة

الإسلامية من الناحية العلمية ، ومن أزهي العصور في تاريخ العالم . حيث كان قد تم نقل ما نقل من اليونانية إلي العربية من كتب الفلسفة والطب والعلم التعليمي ، من هندسة ومخروطات وجبر وأرطماطيقي وفلك ، وما كان بعد في ذلك العصر من فروع العلم التعليمي أو بالأحري العلم الرياضي ، من بحوث في مراكز الأثقال والحيل والمناظر والمرايا المحرقة وما إلي ذلك . وكان قد تم أيضا نقل ما نقل من الهندية والفارسية من كتب الفلك والعدد . وكان أن نضجت هذه العلوم عند الإسلاميين ، وتم لهم دراستها . وكانوا قد بدأوا في شرحها والتعليق عليها وتصحيح أخطائها . وكانت قد تمت مرحلة النقل والترجمة وبدأت مرحلة الابتكار والإبداع . وكان قد ظهر أساطين أعلام في الفلسفة والطب والكيمياء والعلوم التعليمية منهم في الفلسفة الكندي والفارابي ، وفي الطب أبو بكر الرازي ، وفي الكيمياء جابر ، وفي الرياضيات أبو عبد الله محمد بن موسي الخوارزمي وثابت بن قرة وبنو شاكر ، وفي الفلك أبو معشر البلخي وحنين بن اسحاق وأحمد بن كيتر الفرغاني وسهل بن بشر ومحمد بن جابر الحراني المشهور بالبتاني وعبد الرحمن الصوفي وأبو الوفا البوزجاني ، وغيرهم كثيرون ، يضيق المقام عن تفصيل أعمالهم بل وعن ذكر أسمائهم . لهم مؤلفات قيمة نقل أكثرها إلي اللاتينية ، وكانت المراجع المعتمدة عند أهل أوربا لدراسة هذه العلوم في تلك العصور .

فابن الهيثم شهد عند أول نشأته عصرا صاخبا بجلبة الحركة العلمية المتدفقة . فبدأ في صبر وأناة مرحلة من حياته ، كانت بغيته فيها الإلمام بنواحي النشاط العلمي في ذلك العصر . واخذ يدرس كل ما وقعت عليه بداء من كتب المتقدمين والمتأخرين ، لا في العلوم الرياضية وفروعها فحسب ، بل في الطب وفي الفلسفة من منطق وطبيعي وما بعد الطبيعة أيضا . ولم يكن يقنع بمجرد الأطلاع على تلك الكتب ، وإنما عني بتلخيصها وبوضع المذكرات في موضوعات تلك العلوم ، وبالتصنيف فيها . وكان يبغى من

ذلك ثلاثة امور ذكرها في مقالة اطلع عليها ابن ابى اصيبة وأوردها في كتابه ، وكانت بخط ابن الهيثم نفسه . قال :

" وأنا - مامدت لي الحياة - باذل جهدي ومستفرغ قوتي في مثل ذلك متوخيا منه أمورا ثلاثة : أحدهما إقادة من يطلب الحق ويؤثره في حياتي وبعد مماتي . والأخر اني جعلت ذلك ارتياضا لي بهده الأمور في إثبات ما تصوره واتقنه فكري من تلك العلوم . والثالث أني صيرته ذخيرة وعدة لزمان الشيخوخة وأوان الهرم " .

وبلغت تصانيفه في تلك العلوم العشرات من الكتب ؛ بلغ ما يتعلق منها بالفلسفة والعلم الطبيعي في حدوده المعروفة في ذلك العصر ثلاثة واربعين كتابا ، وما يتعلق منها بالرياضيات والعلوم التعليمية خمسة وعشرين ، فضلا عن كتاب في الطب اعتمد في تصنيفه علي كتب " جالينوس " بلغت أجزاؤه عدة الثلاثين . وذكر ابن أبي أصبيعة أسماء هذه الكتب نقلا عن مقالة ابن الهيثم التي ذكرناها آنفا .

هذه المرحلة من حياة ابن الهيثم أوثر أن اسميها مرحلة التحصيل . ولكن لا يجوز تقسيم حياة الإنسان قسمين ، نسمى احدهما مرحلة التحصيل ، ونسمى الآخر مرحلة الإبداع أو الخلق إلا إجمالا ، فحياة الفرد وحدة متدفقة متصلة لا تقبل التجزئة . وكما أن التحصيل لا ينقطع إلا بانقضاء الأجل ، فكذلك الإبداع في العلم قد ينتج من اثاره ، في مقتبل العمر وريعان الشباب . فان كان ابن الهيثم نفسه بوقت المرحلة التي ألف فيها هذه الكتب التي أشرنا إليها بعام ٤١٧ من الهجرة ، وكان وفقا لرواية ابن ابى اصبيعة قد بلغ الثالثة والستين بحسب التوقيت العربي . ولم يكن قد أدى بعد أعظم أعماله العلمية قيمة وأجلها شأنا ، فلا شك عندي ان موضوعات عمله العلمي في الفترة التي تلت ذلك ، قد شغلت عقله الجبار قبل عام ٤١٧ من الهجرة ؛ ولاشك عندي أن عناصر بحوثه المتأخرة قد توافرت لديه

دراستها والنظر فيها من قبل ؛ وهو نفسه يذكر في مقدمة كتابه في المناظر أنه كان قبل هذا الكتاب ألف مقالة في علم المناظر ثم يقول بلفظه :

" فمن وقع إليه المقالة التي ذكرناها فليعلم أنها مستغني منها بحصول المعاني التي فيها في مضمون هذا الكتاب .

وأيضا لاشك في ان كثيرا من مؤلفاته في تلك المرحلة الأولى تحمل طابعه الشخصي الخاص ، وفيها ابتكار وفيها تصرف ، وفيها تكييف طبعه عليها من عنده ، لا فيما يتعلق منها بالعلوم التعليمية فحسب ، بل وفيما يتعلق منها بالأمور الفلسفية ، بل وبأمور الاعتقادات ايضا . في تصانيفه في تلك المرحلة من حياته ردود على الفلاسفة وعلماء المنطق وعلى بعض رؤساء المعتزلة . ومن تصانيفه الرياضية ما نحا فيه منحني خاصا مثل كتابه(( في الاصول الهندسية والعددية)) ويقول عنه بلفظ :

" كتاب جمعت فيه الأصول الهندسية والعددية من كتاب اوقليدس وابولونيوس ، ونوعت فيه الاصول وقسمتها وبرهنت عليها ببراهين نظمتها من الامور التعليمية والحسية والمنطقية ، حتى انتظم ذلك مع انتفاض توالى اوقليدس وبطليموس " .

وأيضا كتابه " الجامع في أصول الحساب " ويقول عنه بلفظه

" واستخرجت اصوله لجميع أنواع الحساب من أوضاع أوقليدس في أصول الهندسة والعدد . وجعلت السلوك في استخراج المسائل الحسابية يجهني التحليل الهندسي والتقدير العددي . وعدلت فيه عن أوضاع الجبريين والفاظهم " .

ومنها كتابه أو مقالته " في حل شك علي أوقليدس في المقالة الخامسة من كتابه " ورسالته في (( برهان الشكل الذي قدمه ارشميدس في قسمة الزاوية ثلاثة اقسام)) ويقول بلفظه :

" ولم يبرهن أرشميدس عليه " .

ومنها اجوبته عن سبع مسائل تعليمية سئل عنها في بغداد وغير ذلك كثير .

وتحمل بعض مؤلفاته في تلك الفترة من حياته مسحة محلية تتفق وظروف الحياة ولواززم المجتمع في الأمصار الإسلامية ، كمقالته في استخراج سمت القبيلة ومقالته ( فيما تدعو إليه الأمور الشرعية من الامور الهندسية ) ومقالته " في تفضيل الأهواز على بغداد " .

ويحمل بعضها مسحة علمية تطبيقية تجعلها من ( الهندسة) بمعناها الفني المعروف في الوقت الحاضر مثل مقالته في " استخراج ما بين بلدين في البعد من جهة

الأمور الهندسية ومقالته في اجرا آت الحفور والأبنية بجميع الأشكال الهندسية".

هذا قليل من كثير يكفي لبيان بعض نواحي نشاط ابن الهيثم العلمي ولبيان ماهية بعض الموضوعات التي تناولها في مصنفاته وكتبه التي اشرنا إليها . ومن هذه المصنفات ما فقد ، ولعل منها ما هو نسي منسي في حكم المفقود . وهي جميعا جديرة بالبحث عنها ودراستها ، عسى ان تنكشف بذلك حقائق تتغير بها الأوضاع التاريخية لبعض الأمور المتعلقة بهذه العلوم.

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية