الاستاذ ساطع الحصري باحث ممتاز عرف بالدقة في البحث والإخلاص للحق وقد كتب (للثقافة) بحثا لها في الحملة الفرنسية والنهضة المصرية خالف فيه النظرية المشهورة في أن حملة نابليون على مصر كانت مبدأ نهضة مصر ورأى في ذلك رأيا جديدا نعرضه للقراء والباحثين في سلسلة قيمة من المقالات يسر المجلة أن تنشرها تباعا في اعداد أربعة
لقد أجمعت كلمة المؤرخين والكتاب في مختلف البلاد العربية على اعتبار حملة نابليون العسكرية نقطة تحول ومبدأ نهضة في تاريخ القطر المصري بوجه خاص ، وتاريخ الشرق العربي بوجه عام .
وقد انتشرت هذه النظرية بين المفكرين والمثقفين منذ مدة طويلة ؛ وأصبحت الآن من " الآراء الشائعة " التى لا يشك بها أحد ، ولا يختلف فيها اثنان .
لأنها من الآراء التي يرددها على الدوام مئات من المؤلفين في عدد كبير من الكتب المطبوعة في مختلف المواسم العربية ؛ ويكررها مئات من المدرسين على مسامع الآلاف من الطلاب في مختلف المدارس والمعاهد كل عام . حتى إن كتاب الأدب أنقسهم صاروا يقولون بهذه النظرية ويعتبرون مجيء نابليون إلى مصر فاتحة عهد جديد ، ومبعث تطور هام في تاريخ الأدب العربي الحديث .
وقد غالى بعض المؤامنين في تقدير وتبجيل هذه الحملة العسكرية إلي حد القول بأن :
الفتح الفرنسي لمصر كان كفتح الإسكندر للشرق سواء بسواء ، كانت خطوة بالحضارة إلى الأمام .
ما هو نصيب هذه الآراء والاقوال من الحقيقه ؟ وما هو مبلغ مطابقتها مع منطق الحوادث وشهادة الوقائع ؟ يجب علينا ان نفكر في ذلك دون ان نتاثر بشدة
شيوع هذه الآراء ، ودون أن نبالي بكثرة القائلين بها . فلنتساءل إذا : " هل أثرت الحملة الفرنسية - حقا- في حياة مصر واحوال الشرق تاثيرا عميقا ، ادى إلى انقلاب حقيقي ونهضة فعلية ؟
إن الإجابة على هذا السؤال جوابا صحيحا يتطلب القيام ببحث انتقادي واسع ودقيق .
ويجدر بنا أن نبدأ هذا البحث بالقاء نظرة إجمالية على تاريخ الحملة الفرنسية لتبيين أهدافها الأساسية مع تثبيت أهم صفحاتها وأبرز مظاهرها .
غاية الحملة وزبدة وقائعها :
لقد جردت فرنسا حملتها العسكرية على مصر - تحت قيادة نابليون بونابارت - بنية استثمار ذلك القطر العربي واستغلال خيراته .
وقد كتب " تالليران " في التقرير الذي قدمه لتأييد هذه الحملة : " إن مصر كانت فيما مضى ولاية تابعة إلى الجمهورية الرومانية ؛ فيجب أن تصبح الآن ولاية تابعة ( إلي الجمهورية الفرنسية ) .
وكتب الجنرال " منو " في أحد التقارير التي قدمها إلى نابوليون : " يجب على مصر أن تعوض لنا ما خسرناه ( في جزر الأنتيل )
حتى إن نابليون نفسه كتب في أحد التقارير التي أرسلها إلي الدير كتوار : " إن الاعمال التي تمت في مصر قد ضمت الجمهورية امتلاك هذا القطر الجميل من العالم ( إلي الأبد )
كما أنه قال في أحد المناشير التي أذاعها باللغة العربية : " اعلموا أن الفرنساوية لا يتركون الديار المصرية ،
ولا يخرجون منها ابدا . لأنها صارت بلادهم وداخلة في حكمهم
وقد كرر نابليون هذه الفكرة في بلاغ آخر نشره على المصريين ، بأسلوب أحسم من ذلك أيضا :
" واعلموا ان أرض مصر استقر ملكها للفرنساوية . فيجب عليكم أن تعتقدوا ذلك ، وتركزوه في أذهانكم ، كما تعتقدون وحدانية الله تعالى "
وهناك دلائل وروايات كثيرة تدل دلالة قاطعة على أن نابليون كان يرمى - من وراء هذه الحملة - إلى غاية اوسع نطاقا وابعد مدى . إنه كان يعتبر فتح البلاد المصرية - والاستقرار فيها - بمثابة " خطوة أولى " في سبيل تحقيق " آمال وخطط واسعة " اخرى . إنه كان يريد ان يتخذ مصر " قاعدة " لحركات واعمال خطيرة ، تضمن لفرنسا " التوسع في الشرق ، و التغلب على أوربا المتأنية عليها " .
ولكن أمور الحملة العسكرية المذكورة لم تسر كما كان بشتهيها نابليون - وكما كانت تشتهيها فرنسا من وراء نابليون - لأن " الحكم الفرنسي " في مصر ، لم يستمر مدة طويلة ؛ بل إنه انتهي بفشل تام وانسحاب نهائي ، بعد مدة لا تزيد على ثلاث سنوات إلا شهرين . كما ان هذه المدة القصيرة مضت بين سلسلة متوالية من الحروب والثورات والمظالم والاعتصامات .
كان نابليون يأمل أن ينال من الباب العالي تأييدا رسميا لحملته على مصر ، غير أن الوقائع خيبت أمله هذا بسرعة ، واضطرته إلى محاربة العثمانيين والإنكليز والمماليك والأهالي ، في الشمال وفي الجنوب ، في الشرق وفي الغرب ، حربا لا هوادة فيها .
وقد استطاع الانكليز أن يفاجئوا الأسطول الفرنسي في أبي قير ويدمروه تدميرا ، قبل ان يمضي شهر على نزول
الحملة إلى البر ، وانقطع بذلك ارتباط الجيش الفرنسي ببلاده الأصلية ؛ فصارت الحملة بعد ذلك تعيش عالة على مصر والمصريين ، بكل معنى الكلمة .
ولهذا السبب أخذت قيادة الحملة تفرض على الأهالي - على الدوام - أنواعا شتى من الضرائب والفروض والغرامات ؟ وصارت تكثر من مصادرة الأموال والذخائر ومن تسخير الدواب والجمال ، ومن إرهاق كواهل الناس بسلسلة طويلة من التكاليف .
وكان قواد الحملة يقدمون - من وقت إلى آخر على هدم عدد كبير من المباني - بين دور وحوانيت ومساجد وجوامع ومدارس وقصور ، لغايات عسكرية بحتة . لأنهم كانوا يجدون ذلك ضروريا ، تارة لتسهيل المراقبة على الأهالي مع منعهم من التترس والتحصن في الازقة ، وطورا لحفر الخنادق ، وتشييد القلاع ، وتهيئة المدافع .
كما أنهم كانوا لا ينقطعون عن قطع الأشجار وتخريب البساتين ، لتسهيل أعمال الضبط والمراقبة من جهة ، وللحصول على الأحطاب الضرورية للوقود والأخشاب اللازمة لصنع المراكب وتشييد الحصون وتقوية الخنادق من جهة اخرى .
ويجد الباحث في اليوميات التي كتبها الجبرتي عن تلك الحقبة من الزمن ، كثيرا من الصحائف التي تصف هذه التخريبات ، وتذكر اسماء أهم القصور والجوامع والمدارس والحارات التي ذهبت ضحية لامثال هذه الاهمال والتدابير العسكرية
غير أن تخريبات الجيش الفرنسي في مصر لم تقتصر على الأموال والاشجار والمباني وحدها ؛ بل تمدت كل ذلك إلي النفوس أيضا : فإن قواد الحملة عندما لاحظوا عدم انخداع الناس بالدعايات الساذجة التي كانوا قاموا بها
تحت ستار الدين ، أخذوا يسلكون مسالك القسوة والإنتساب ؛ وصاروا يكثرون من أخذ الرهائن واعتقال الناس ؛ وأقدموا على إعدام الكثيرين منهم لاتفه الأسباب عقابا لهم أو تخويفا لأمثالهم ، وقاموا غير مرة بأعمال تعذيبية وإرهابية فظيعة لا تختلف كثيرا عن همجية القرون الأولى .
وقد قابل الفرنسيون الثورات التي قامت في البلاد على حكمهم الجائر ، بمنتهى الصرامة والوحشية ؛ إنهم صوبوا نيران مدافعهم على مختلف احياء المدينة ، وأزهقوا ارواح الالاف من الأشخاص ، وسببوا حرائق كثيرة ، واسترسلوا في التعذيب والتخريب والسلب والنهب ، بشتى الصور والآساليب .
يقول الجبرتي عن أحوال البلد عند بدء الاحتلال الفرنسي : " إنها كانت في غاية الشناعة ، جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر ، ولا سمعنا ما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين
كما أنه يصف الفظائع التي ارتكبها الفرنسيون - من قتل ونهب وسلب - عند ثورة القاهرة الثانية بقوله : " فعلوا بالأهالي ما يشيب من هوله النواصى ؛ وصارت القتلى مطروحة في الطرقات والأزقة ، واحترقت الابنية والدور والقصور " . ثم إنهم استولوا على الحانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع ، وملكوا الدور وما بها من الامتعة والأموال والنساء والخوندات والصبيان والبنات ومخازن الغلال . . وما لا تسعه السطور ولا يحيط به كتاب ولا منشور ويصرح الجبرتي بأنهم لم يستثنوا من هذه الفظائع حتى العجزة والمسالمين قائلا : " والذي وجدوه منعطفا في داره او طبقته ولم يحارب ، ولم يجدوا عنده سلاحا ، نهبوا متاعه وجرده من ثيابه " واصبح من متى هناك على قيد الحياة " فقراء لا يملكون ما يستر عوراتهم
ويعترف المؤرخون الفرنسيون انفسهم ان نابليون كان يصدر أوامر يومية كثيرة توصي القواد بالإكثار من إعدام الأشخاص على ان تقطع رؤوسهم بعد ذلك ويطاف بها في الشوارع إرهابا للناس لانه كان يرى أن هذه الطريقة الوحيدة لفرض الطاعة على هؤلاء وكان يضرب لهم مثلا بما يفعله هو في القاهرة ، ليقتدوا به في مناطق حكمهم .
وقد قال نابليون في احد اوامره اليومية " نحن نقطع كل ليلة ثلاثين رأسا ، وكتب مرة إلى أحد القواد يبلغه بوجوب قطع رؤوس ما لا يقل من تسعة أو عشرة أشخاص
إن أمثال هذه الأوامر كثرت بوجه خاص بعد عودة نابليون من بر الشام ، خائبا مقهورا ، حتى إن قائد حامية العاصمة رأى ان يقترح عليه تغيير " طريقة الإعدام " بنية الاقتصاد في الرصاص
ويعترف المؤرخون الفرنسيون انفسهم بأن نابليون امر بقتل الجنود الذين كانوا استسلموا خلال حملته على يد الشام - خلافا لأبسط قواعد الحقوق الدولية - وكان عدد هؤلاء الأسري يزيد على ثلاثة آلاف .
كما أنهم لا ينكرون أن الجنود كانوا يسترسلون في السلب والنهب والتدمير ، دون ان يسالوا بنصائح ضباطهم وأوامر قوادهم في هذا المضمار
ومن المفيد لنا أن نرجع إلى نتائج محاكمة سليمان الحلبي - الذي قتل القائد العام كليبر - المستدل منها على " العقلية " التى كانت سائدة بين ضباط الحملة وقوادها
وقد طلب النائب العام الحكم ( تحريق يده اليمنى ، وتخزيقه خوزقته حتى يموت فوق خازوقه ، وجيفته باقية فيه لماكولات الطيور " .
ولبت المحكمة هذا الطلب واتخذت القرار التالي : "تحرق يده اليمني ؛ وبعده يتخوزق ، ويبقي على الخازوق حتى تأكل رمته الطيور .
وقد نفذ هذا الحكم - بحذافيره - على يد جنود الثورة الفرنسية الكبرى ، في مطلع القرن العشرين
هذه هى الخطوط الأساسية من وقائع الحملة الفرنسية على مصر
حملة عسكرية استعمارية ، مقرونة بحكم عسكري عنيف ، انتهت بفشل تام ، بعد أن استمرت نحو ثلاث سنوات ، مضت كلها بين الحروب والثورات والاعتقالات والمظالم والاعتسافات
فهل يمكن أن يكون لمثل هذه الحملة الاستعمارية ، تأثير إنشائي ، يبرر اعتبارها فاتحة عهد جديد ، وباعثة نهضة قومية
هذا ما يجب أن نشك فيه شكا قويا ، وما يجب أن نبحث فيه بحثا جديا ، لنتوصل إلى استكفاء الحقيقة بنظرات مجردة من الآراء " القبلانية " التى كثيرا ما تستولى على الأذهان ، دون ان تترك لها مجالا للتفكير في الأمور تفكيرا علميا صحيحا
البراهين المزعومة :
فلنبحث إذا ما هي الدلائل التي يستند إليها القائلون بهذه الفكرة - والمسلمون بهذه النظرية - للبرهنة على هذا التأثير الخطير ؟
لقد راجعت في هذه الأيام كثيرا من الكتب العربية التي تتطرق إلى هذا الموضوع ؛ وكان بينها مؤلفات مطبوعة في القاهرة ، واخرى مطبوعة في بيروت ودمش وبغداد وقد لاحظت ان الدلائل المسرودة فيها للبرهنة على تأثير الحملة الفرنسية في النهضة المصرية - بوجه خاص - والنهضة العربية - بوجه عام - ، كثيرة ومتنوعة ، أستطيع أن الخصها بما يلى :
كانت الحملة الفرنسية مبدأ الاحتكاك بين الشرق والغرب ، في العصور الحديثة ؛ إنها كانت بمثابة اللقاء الأول بين هذين العالمين
كان جيش نابليون ، جيشين في واقع الأمر أحدهما جيش المحاربين ، والآخر جيش العلماء ، وهذا الحيش الأخير هو الذي خدم النهضة المصرية خدمة مباشرة وغير مباشرة .
(ج) لقد أدخلت الحملة إلى مصر أول مطبعة عربية . وقد ترتب على ذلك نتائج ثقافية خطيرة .
(د) اكتشف رجال الحملة حجر الرشيد الذي ادى إلى حل رموز الكتابة الهيروغليفية ، وكشف النقاب عن تاريخ مصر القديم
( ه ) أحدثت الحملة الفرنسية كثيرا من المؤسسات التنظيمية وهيأت كثيرا من المشاريع العمرانية ؟ وهذه المؤسسات والمشاريع لبت دورا هاما في النهصة المصرية .
( و ) أظهرت الحملة المذكورة ضعف الدولة العثمانية وشجعت بذلك على الحركات الاستقلالية .
( ز ) رفعت الحملة مكانة علماء الدين ، وزادت نفوذهم على الأهلين . وذلك خدم نهضة مصر - فيما بعد - خدمة كبرى
( ح ) كسرت الحملة شوكة أمراء المماليك وساعدت بذلك على تخلص مصر من شرورهم ، بعد مدة قصيرة
( ط ) أن الحملة المصرية ، هي التى فسحت أمام
محمد على مجال العمل ، وانارت له سبل الإصلاح . بل هى التي كونته ، واثارت همته الشماء
فلنتمم النظر في هذه الدلائل المختلفة ، لنرى أولا : مبلغ مطابقتها للحقائق الراهنة ؟ وثانيا : مبلغ تأييدها للنظرية القائلة بتأثير الحملة الفرنسية في النهضة المصرية .

