الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 647الرجوع إلى "الثقافة"

١ - الحياة كما عرفها طرفة

Share

في الشعر الجاهلي نوع من الأصالة والصدق يجعله حريا بأن يدرس ويعتز به ، شأن كل أدب توفرت له هذه الصفة . والسر في ذلك أن الشعر الجاهلي ولد بكرا في بيئته ، أو هو ابن بيئته كما يجري بذلك التعبير . ومن هؤلاء الشعراء ممن مثل تلك البيئة فظهرت سماتها وملامحها منبئة في صوره وتعبيراته وأفكاره . ففضلا عن أن شعر هذا العصر يدل عليه بوجه عام دلالة تامة ، فإن لكل شاعر تقريبا طابعه الخاص الميز له . لامرئ القيس طابعه ، ولزهير طابعه ، ولطرفة طابعه . . وهكذا كل منهم يصور لنا جانبا من جوانب تلك الحياة النابضة في ذلك العصر الغامض .

ونحن اليوم معنيون بطرفة بن العبد الذي لم تطل به الحياة فلاقي حتفه وهو ابن عشرين . وطرفة مشكوك في ديانته ، وقد ضمه مؤلف " شعراء النصرانية " إلى مجموعة شعراء العصر الجاهلي ، ولم يبين الأساس الذي اعتمد عليه في ذلك . على أن نظرة متفحصة في ديوان طرفة وملحقاته ( راجع الطبعة الأوربية ) تشككنا كثيرا في مسيحية طرفة ، إن لم تحملنا على اعتقاد وثنيته . والذي يعنينا من التعريج على هذه المسألة اعتقاد سائد عند بعض الكتاب بأن الحياة العقلية في العصر الجاهلي مدينة للديانة المسيحية والديانة اليهودية . ومهما اختلفنا حول هذا الاعتقاد الذي يطالعنا في ديوان طرفة من أفكار وعقائد ليس له صلة بمسيحية ولا يهودية ، بل ما يطالعنا أقرب إلى الأفكار الحرة التي يعانيها البعض في تلك الفترة من الحياة ، فترة الشباب المبكر الذي عاشه طرفة وعاناه .

هذه الفترة الحرجة في حياة الفرد هي التي وجهت شعر طرفة وأملت عليه أفكاره وعقائده في الحياة والموت والناس . . وقد عبر عن تلك الأفكار في قوة وصدق

شعرنا دائما بمرارة التجربة أو بمرارة ثمرتها ، ولكنها ثمرة ناضجة على كل حال . فإذا كان قد أودي ابن عشرين فقد عاش طرفة هذه العشرين كاملة ، أعني أنها كانت مليئة بالتجارب الشعورية التي أثمرت هذه الثمار . وفي هذا سر ما عبر عنه القدامي بأنه كان جريئا على الشعر ؛ فما اكتسب هذه الجرأة إلا نتيجة لنضج أفكاره وتجاربه ، فكان صادق التعبير عن هذه التجارب وعرض تلك الأفكار . وقد ألمع هو إلى هذا الصدق الفني حين قال :

وإن أحسن بيت أنت قائله

بيت يقال إذا انشدته : صدقا

فإذا قلنا إن لطرفة اتجاها خاصا في الشعر ، وطابعا مميزا له ، وشعورا صادقا يؤديه تعبير صادق لم نبعد . وبعد جولة في ديوانه نستطيع أن نضع أيدينا على أفكاره ونجني من ثمار تجاربه . ولكن قبل أن نعرض لذلك نلفت النظر المحيط الذي تدور فيه تلك الأفكار دائما ولا تخرج عنه أو تخترق حدوده ، أو إلى الأرض التي نبتت فيها بذور تلك الأفكار . القلق والتشاؤم : هما الباعثان والموجهان دائما لأفكاره وخواطره ، لا نستطيع أن نضيف إليهما ثالثا لا يدخل في نطاقهما . ها هو ذا طرفة يقص علينا من تأريق الحياة له ليلة ابتدرته فيها طوارق الهم فتجافي عيونه الكري واستهلت سوابقها . وإنه ليبيت برعي النجم أسيرا لتلك الأفكار مكبلا بهذا الهم الذي لم يكن خيال محبوب زار وهنا ، أو ذكري لأيام أنس بربع صار موحشا بعد إيناس . . ولكنه الدهر العضوض :

أرقت لهم أسهرتي طوارقه

وساعدتي دمعي ففاضت سوابقه

وبت اراعي النجم لا أطعم الكرمي

         كأني أسير طائر القلب خافقه

يعالج أغلال الحديد مكبلا

         وقد عدن بيضا كالنغام مفارقه

ولم أبك طيفا زار وهنا خياله

        ولا شاك خافي الخدر كنت أعانقه

ولا شاقني ربع خلا من أنيسه

       فأضحت به آرامه وذقاذقه

ولا خلت أضغاثا فبت ممهدا

       لأن الفني ما عاش فالله رازقه

ولكن دهرا ضاق بعد الساعه

        وجاءت أمور وسعتها مضايقه

وقد تسأل : ما الذي يبيت طرفة هكذا مهموما ؟ والجواب على ذلك أن الشاعر لا يملك من أمره شيئا ، وقل أن يستطيع التحكم في خواطره ، خاصة إذا كانت تدور به حول ما يثير ويقلق . وغير الشاعر يستطيع أن يقنع باقل نصيب من حياته دون أن يشغله هم أو يؤرقه خاطر . يقول طرفة :

ومن هانت الدنيا عليه فإنني

           ضمين له أن لا تتم خلائقه

ومن كابد الدنيا فقد طال همه

          ومن عف واستغني رأي ما يوافقه

ومن حارب الأيام طاشت سهامه

          ومن أمن المكروه فالدهر عاتقه

وفي البيت الأخير تحس بالتشاؤم الذي يسيطر على موقف طرفة إزاء الحياة ، فهو لا يتوقع مطلقا أن تصيب سهامه ، بل يتوقع لها الطيش ، ولا ينتظر أمانا من المكروه لأن الدهر له بالمرصاد عائق له دون هذا . فهو لا ينتظر تحقيق أمل في الحياة ، بل لا يتوقع حياة هادئة لا يصيبه فيها مكروه .

وهناك تجربة لطرفة مع أهله وعشيرته حرية أن تزيد من همه وتقلق فكره . فهناك ثلاث خصال كان طرفة يراها لازمة لحياة الشاب ولا يعنيه بعدها أن تودي بحياته : شرب الخمر ، وغوث المحتاج ، والتمتع بالنساء :

ولولا ثلاث هن من عيشة الفتي

        وجدك لم أحفل مني قام عودي

فمنهن سبق العادلات بشربة

        كميت مني ما تعل بالماء تزيد

وكري إذا نادي المضاف مجنيا

        كيد الفضا نبهته التورد

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب

        بهكنة تحت الطراف المعمد

وما زال طرفة يدمن شرب الخمر ، ويبيع كل ما ملكت يده وينفق في ماله نبذته العشيرة وأبعدته كالبعير الذليل ، فلم ينكره عندئذ الفقراء ولا الأغنياء . وهل كانت العشيرة تضمن له الخلود إن هو أقلع عن تصرفه ؟ فإن كانوا لا يستطيعون أن يدفعوا عنه المنية فليدعوه لإنفاق ما ملكت يده والتمتع بملاذ الحياة ، مبادرا بذلك قبل أن تبادره المنية :

وما زال تشرابي الخمور ولدني

      وبيعي وإنفاقي طريقى ومتلدي

إلى أن تخامتني العشيرة كلها

       وأفردت إفراد البعير المعبد

رأيت بني غبراء لا ينكرونني

       ولا أهل هذا الطراف المدد

ألا أبهذا اللائمي أحضر الوغي

     وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي

     فدعني أبادرها بما ملكت يدي

وهكذا نبذ طرفة ليعتنق آراءه وحده ، وليمارس الحياة

كما يراها وحده . وليتحمل وحده نتيجة كل هذا . ويلومه مالك ابن عمه ، ثم هو يتحاماه ويقنطه من كل خير ، وهكذا يجفي طرفة ويهجر ويضام دون أن يحدث حدثا ، ويكاد ابن عمه من تضييقه عليه يحرمه انفاسه رغم شكره وسؤال العفو . وهذا الظلم من ذوي القربي ما أقساه على النفس . إن طرفة لا يستطيع أن يغير وجهة نظره في الحياة حتى يرضي العشيرة . ولظلم ذوي القربى له أهون عليه من أن يغير رأيه . فإن لم يحتملوه فليتركوه لسجيته وإن شطت به الدار :

يلوم وما أدري علام يلومني

       كما لامني في الحي قرط بن معبد

فمالى أراني وابن عمي مالكا

      متى أذن منه بنا عني ويبعد

وأيأسني من كل خير طلبته

      كأنا وضعناه إلي رمس ملتحد . .

بلا حدث أحدثته وكمحدث

     هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي

فلو كان مولاي امرا هو غيره

     لفرج كربي أو لأنظرني غدي

ولكن مولاي امرؤ هو خانقى

  على الشكر والتسأل أو أنا مفتدي

وظلم ذوي القربي أشد مضاضة

   على المرء من وقع الحسام المهند

فذرني وخلقي إنني لك شاكر

    ولو حل بيني نائبا عند ضرغد

هذه هي تجربة طرفة مع أهله ، وهي تجربة مرة ، شديدة الوقع على النفس ، وقد قال لنا طرفة إنه حينما تحامته القبيلة لم يتنكر له الفقراء ينسو الغبراء ولا الأثرياء أهل الطراف . ولعله أنس إليهم وراح يجرب صحبتهم ، فيكونون له أهلا بأهل وخلانا يخلان . وما أحسبه كان مقبلا على ذلك

بشيء من الرجاء ، بل كان القلق والتشاؤم يكونان السحاب الذي أظله . والمنظار الأسود إلي الحياة والناس لم يفارق ناظريه . ولذلك لم ينجح فيما أقدم عليه ، بل كان الفشل يترصده هنالك ، ولم يكن لتجريته مع الأصدقاء تمرة أقل مرارة منها مع عشيرته . كان طرفة يحس بنفسه إحساسا تايا ، ويحاول أن يرتفع عن الدنايا والصغائر ، ولعله أصاب من ذلك كثيرا ولم يلق كفاءه ولقي من أصدقائه مثل الذي ذاق من أهله . وطابع الصدق في تجربته مع الأصدقاء لا يقل وضوحا عنه في تجربته مع أهله ؛ وذلك لأنه يشعرنا بأنه تغلغل في نفسية صديقه وسير أغوارها وعرف كوامنها ، ولم يكن تزدهيه منه الابتسامة فوراءها عبوس ، ولا المواقفة لأنها منطوية على مكر ، ولم تخدعه منه المجاملة بالجهر والصدر لا تهدأ له هادئة . . وكل هذه اختيارات نفسية يلمس طرفة بنفسه نتائجها في صديقه . قد يكون أخطأ في تقديراته ولكننا لا ننسي هنا أيضا تشاؤمه :

مضي سلف أهل الحجا منه والتقي

       ولا خير في دهر ثولت غرائقه

فلم يبق إلا شامت بمصبية

       وذو حسد ما تستقيم طرائفه

عدو صديق عابس متبسم

        يعاملني بالمكر حين أوافقه

يجاملنى جهرا إذا ما لقيته

       وفي الصدر ما تهدي هديرا شقاشقه

إذا ما رأي الدنيا علي تهللت

         بإقبالها يوما صفت لي خلائفه

وإن آل خطب أو ألمت مخلة

         أوصله فيها بدت لي صواعقه

ومن ينابيه على تغيظا

        وصعد أنفاسا كأنى خانقه

ونسأل طرفة : كيف تظهر له نتائج تلك الاختبارات وهي خافية في النفس ، وكيف يعرفها والطريق إلى ذلك مقفل ؟

فيجيب بأن ما يدور في النفس له امتداد بيولوحى يظهر للعين حين يصمت الشخص ، ويعرف باللحظ حين ينطق . وهذا يدل على أن تجربته دائما مدققة متفحصة :

وعين الفتي بما في ضميره

       وتعرفه باللحظ حسين تناطقه

ولئن كان طرفة قد فشل مع أهله وأحد الدار عنهم ليعيش أفكاره حرا لا تكبله الأوهام فقد فشل في الركون إلى الأصدقاء ، ولم يجد منهم إلا ما يزيد همه ويثير قلقه . والنتيجة الحتمية هو أن يبتعد أيضا عن هؤلاء الأصدقاء ويرغب عنهم :

سأصرف نفس عن هوي كل غادر

           وأعرض عن اخلاقه وأخارقه

ويقول :

وأما رجال نافقوا في إخائهم

          ولست إذا أحببت حرا أنافقه

قلوب الذئاب الضاريات قلوبهم

           وألسنهم أحلى الذي أنت ذائقة

فلست إليهم ما حييت براغب

         ولا خير في حب امرئ لا تطابقه

لا خير في حب امرئ ليس من طبقتك في الفهم وتناول الأمور ، فيكون ذلك مثارا للخلاف الدائم بينكما ، كما حدث بين طرفة وأهله وبينه وبين أصدقائه . الأصدقاء هينون بدورهم على طرفة حتى ليسئ الظن بتصرفاتهم إساءته الظن بكل شئ . ويكفي سببا لمفارقته صديقه أن يبذل له من الود أقل من بذله :

إذا المرء لم يبذل من الود مثل ما

            بذلت له فاعلم بأني مفارقه

وهكذا نري الدنيا تضيق الخناق على طرفة ، فلا هو سعيد الحال مع أهله ، ولا ناعم البال بصحبة ، بل لقي من أولئك الظلم والاضطهاد والجفاء ، ومن هؤلاء النفاق والرياء

فساعد ذلك على كثرة شكوكه وقلقه . ونمي بذور التشاؤم في نفسه . وحين تضيق بالإنسان الدنيا يحط على رأسه عبء تقبل كمد لي البعير ، في طرف منه الحياة بكل ما فيها ، وفي الطرف الآخر الموت وما وراءه ، وان يستطيع التخفف من عبئه إلا أن يقطع أحد الطرفين فيهوى الثقل المقابل وكأنما قطع الطرفين معا . ولكن أي الثقلين تري قد فضل طرفة بعد التفكير أن يبدأ بيته ، وكم تردد بين الحياة والموت ؟

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية