الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 709 الرجوع إلى "الرسالة"

١ - بول وفرجيني

Share

حياة المؤلف:

(ولد في المدينة الهافر في فرنسا عام ١٧٣٧، ولم بلغ  الثانية عشر من عمره، رحل إلى جزر المارتينيك الامريكية  فاثارت الرحلة في نفسه رغبة شديدة في دراسة نباتات المنطقة  الحارة ولما اتم دراسته وتخرج في فن الهندسة، التحق  بخدمة الجيش الروسي، مدة قصيرة، ثم رحل إلى جزيرة مورية وس mauridos   في المحيط الهندي، وكانت تابعة  لفرنسا في ذلك الوقت، فافادته تلك الرحلة علماً. وعاد إلى  فرنسا عام ١٧٧١ يعتنق اراء جان جاك روسو الحرة فيما يتصل  بالحضارة وانها مفسدة لطبيعة الإنسان. وفي عام ١٧٨٤  نشر ثلاثة مجلات تحت عنوان:   (دراسات في الطبيعة) ، قال  عنها العلماء في عصره انها افكار شعرية اكثر منها افكار  علمية، ولم تصادف ما كان يقدر لها من الانتشار.

وبعد سنوات قليلة نشر قصة (بول وفرجيني)  فلقيت  رواجاً عظيماً وعين بعد ذلك مديراً لحدائق النبات الملكية  ثم أستاذاً للدراسات الاخلاقية. ولما احيل على التقاعد زمن  نابليون بونابرت أجزل له العطاء فعاش سعيداً في عزلة شعرية،  ورزق في هذه الفترة طفلة سماها   (فرجيني)  ولما بلغ سن  الواحد والستين من عمره رزق طفلاً   (بول) . وعاش  المؤلف بعدها إلى السابعة والسبعين ومات سنة ١٨١٤ قبل  موقعة واترلو بسنة واحدة

القصه

اراد المؤلف من قصته الوصول إلى غايتين: الاولى تصوير  تربة ونباتات المنطقة الحارة وما بينهما وبين اوربا من فروق.

الثانية: ان يرسم صورة رائعة لمجتمع ساذج مثالي  لم تعرف المدنية الطريق إليه.

الراوية: شيخ صادفه المؤلف خلال اقامته في الجزيرة  موريتوس قال الشيخ:

في اوائل القرن الثامن عشر، عاشت سيدتان متجاورتان  في بقعة قريبة من ميناء سانت لويس. كانت احداهما مدام دى  لاتور، وهى ارملة شاب نورمندى، مات وهو يحاول ابتياع  عدد من الرقيق في جزيرة مدغشقر، وكانت الاخرى شابة ريفية  من مقاطعة بريتان واسمها مرغريت، فرت من مسقط راسها  لتفتش عن عالم جديد لا يتصل علمه بزلة اقترفتها. ولدت للاولى  طفلة سمتها   (فرجيني)  وولدت للثانية طفل سمته   (بول) . عاشت  السيدتان في ود متبادل، تتعاونان على ما تطلبه الحياة من  كدح مجهود.

شب الفتى والفتاة وفي نفسيهما شعور الاخ لاخت، ولما  بلغا اشدهما كان في نية السيدتين تزويجهما وربط قلبهما برباط  متين من قداسة الزواج، لولا أن حاكم الجزيرة اقترح ارسال  فرجيني إلى فرنسا لتتابع دراستها عند اقربائها الاغنياء هناك. . .  وقد اتفق الراي على ذلك ودنت ساعة الوداع والفراق.

دنت ساعة العشاء فالتففنا حول المائدة، وحالت العواطف  المتباينة التى تعصف بنفوسنا بيننا وبين الطعام، إذ كان يلفنا  صمت رهيب. . . وكانت فرجينى أول من ترك المائدة وتبعها بول  وشكا، واتخذوا مجلسها تحت ظل هذه الشجيرات التى نتفيأ  ظلها الآن وصمتا. . . وكانت الليلة نموذجاً رائعاً لليالي المناطق  الحارة الساحرة التى يعجز القلم عن وصفها: فقد أطل القمر من  السماء وعلى جوانبها هالة فتانة من غيوم مبعثرة موشاة باللجين؛  واخذ نوره ينتشر ويمتد إلى جبال الجزيرة، وبدت قممها البعيدة  غارق في يم عميق من النور؛ وسكنت الريح، واخذت الاحراج  البعيدة والوديان العميقة والقمم الصخرية الحالة تردد صدى  اصوات جميلة من حناجر الطيور التى طفقت تتداعب في اعشاشها  مرحة بما يضفيه عليها جمال الليلة من فرح وحنان ورغبة في

الوجود. . .، وتلالات النجوم في محيطها البعيد مضطربة تبعث  بنورها إلى الدنيا النائمة وكانها محبات يطفن بحبيب. . .

كانت فرجيني تتطلع إلى الأفق البعيد وكانها تفتش عن  مجهول، فرأت على جبين الافق مما يلي الميناء انواراً حمراء مبعثرة  على الشاطئ من قوارب الصيد، ورأت نوراً قوياً وقد وقف إلى  جانبه خيال جسم كبير. . . فاعادها ما رأت إلى نفسها وايقنت ان  ذلك الجسم الكبير ليس الا تلك السفينة التي ستفرق بينها وبين  بول، فأدارت وجهها وهى تغالب ما لا تحتمل من آلام قلبها مخفية  دموعها عن الذي تبكيه. وكنت انا ومدام دي لاتور ومرغريت  غير بعيدين عنهما، وقد ساعدنا سكون الليل على الاستماع إلى ما دار  بينهما من حديث مازال يعيش في ذاكرتي:

بول: لقد علمت بأنك ذاهبة عنا وشيكا إلى فرنسا، وكانك  غير وجلة من اخطار البحر التي كان يرهبك مجرد ذكرها!؟

فرجينيا: انما هو واجب على يتطلب مني اطاعة اهلي

بول: اتتركينا من اجل قريب بعيد لم تقع عينك عليه؟!

فريجينا: شد ما يؤسفني ان اكون مضطرة إلى ذلك!  فوالدتي تدفعني إليه، والكاهن الذي اعتدت ان اعترف له  قال لي: أنها ارادة الله، ولا بد من الذهاب، وأن الحياة مسرح  للتجارب. . . ويا حسرتاه! ما أمر ذلك واوجعه في نفسي!

بول: ماذا؟! تجدين أسبابا كثيرة لتبرير ذهابك عنا،  ولاتجدين سببا ًوأحداً لبقائك بيننا!! السبب الحقيقي لسفرك  تذكريه! انه الثروة التى تغرى النفوس! أنك لواجدة في  ذلك العالم الذي ستذهبين إليه الثروة والى جانبها أشخاصاً أكرم  منى مولدا وأرومة وأسع ثراء، تستطيعين في سهولة ويسر أن  تتخذي منهم أخا وصديقاً! شد ما يؤلمني أنني لا أستطيع أن  أقدم إليك شيئاً من هذه الأمور! أتكونين أسعد منك الآن إذا  تم لك ذلك؟! أى شاطئ ستذهبين إليه وتجدين اعز عليك  من هذه البقعة التى فتحت عينيك على نور الحياة فيها؟ وأية  مخلوقات في مقدورك ايجادها أحب إليك واحنى عليك منا!  كيف تحتملين العيش بعيدة عن حنان أمك الذي اعتمدت عليه

وماذا يكون شأنها، وقد تقدمت بها السنين، حيثما تتلفت لا  تجدك على المائدة إلى جانبها، ولا تستعين بك إذا ما همت  بالتحرك من مكان إلى مكان!! ماذا يكون حظ أمي من من اللوعة  عليك وهي تكن لك أقوى العواطف وأخلصها؟! ماذا أستطيع  من القول لهما وهما تجهشان في بكاء مرير موجع عليك؟! أما عن  نفسي! فلا أقول لك شيئاً أيتها الظالمة! ماذا يكون مصيري  حينما لا أراك في الصباح، ولا نتلاقى في المساء! وعندما أحدق  في هاتين النخلتين اللتين غرستا يوم ولادتنا، واللتين بقيتا شاهدتين  على ودنا الذي لا يزول!

ليس بمقدوري أن أثنيك عما اعتزمت! ولكن أليس في  استطاعتك السماح لي بمرافقتك وركوب البحر إلى جانبك!  سأحرسك من عواصف البحر وأحميك! سأضع رأسي على  صدرك وأبعث الدفء من قلبي المحترق إلى قلبك الرحيم، وهناك  في فرنسا سأكون خادمك الأمين، وإذا احتاجت سعادتك إلى  حياتي فسأبذلها رخيصة تحت قدميك!

وما وصل إلى هذا الحد من الألم حتى غلبت عاطفته العنيفة  لسانه عن الكلام فصمت. . . واستمعنا بعد ذلك إلى فرجينيا  تتحدث إليه بصوت مرتجف تقطعه شهقات من بكاء عنيف  مكبوت.

قالت فرجينيا: انني مغتربة لأجلك!؟ أنت الذي أراه يرهق  جسده بالعمل المضني كل يوم ليقيم أود أسرتين بائستين! وإذا  كنت قد قبلت هذه الفرصة لأكون غنية فذلك لأني أود أن أرد لك جميلك مضاعفاً ألف مرة! أتحسب أن كنوز الدنيا تعادل  حبي وحنيني إليك! لماذا جرحت عواطفي بالتحدث عن نسبك؟

وإذا كان ممكنا أن أختار لي أخا، فهل تحسب انني اعدوك في  الاختيار؟ انك يا بول لأعز إلى قلبي من الأخ والأهل جميعاً!

كم جاهدت نفسي لأروضها على احتمال البعد عنك!، أعني على  انتزاع نفسي من هذا المكان العزيز إلى كالحياة نفسها، إلى أن  يبارك الله زواجنا حينما أعود إليك انني أستطيع احتمال كل لون

من ألوان الألم والحرمان في الحياة ولكنني لا أستطيع احتمال  منظر هذا الحزن العميق المخيم عليك!

وما كادت تتم فرجينيا حديثها حتى صرخ في ألم حزين وضمها  إلى صدره وهو يصيح: سأذهب معك! لن تستطيع قوة في  الدنيا التفريق بيننا!

واقتربنا منهما فقالت له مدام دي لاتور أم فرجينيا: يا بني!  وماذا يكون مصيرنا إذا ذهبت معها؟

قال بول في صوت متهدج حزين يردد ما قالته: يا بني يا بني!  انت الام التي تريد التفريق بيننا كيف تريدين ذلك وقد نشأنا  اخوين لا نفترق ابداً كيف ترسلينها وحيدة إلى اوربا، إلى تلك  البلاد غير الكريمة التي ظنت عليك بمأوى في الماضي! والى  اقارب لم يسألوا عنك وعنها ابداً؟ في استطاعتك القول انها ليست  شقيقتي وان ليس لي سلطان عليها انها كل شي لدي هي  ثروتي، وحياتي، واسرتي. لقد جمعنا في في الماضي سقف واحد  ومهد واحد، وسوف يجمعنا قبر واحد أيضاً! فاذا ذهبت فإني  لاحق بها.

سيمنعني الحاكم من ذلك كما يخيل إليك. وهل يستطيع  الحاكم من القاء نفسي في البحر؟ هل في مقدوره منعي من  اللحاق بها سابحاً؟

سيكون البحر احب لي من اليابسة بعد سفرها على متن  الامواج! وما دام قد قدر لي أن لا اعيش معها فلا اقل من أن  اموت واغمض عيني وهي اخر ما ابصر في الوجود. ايتها الام  الوحشية! ايتها المرأة التي لاتعرف الرحمة! ليت المحيط الذي  تدفعين بها إليه لا يرجعها إليك ابداً! وليت الامواج التي  تستعيد جسدي وجسدها إليك يثير مرآها عذاباً لاينقطع من  تأنيب الضمير في قلبك الجلمود!

فاسرعت إليه وامسكت بذراعيه، لأن اليأس قد جرده من  عقله، فقد جحظت عيناه، وتصبب جبينه عرقاً، واصطكت  ركبتاه، واحسست بقلبه يخفق خفقاناً شديداً.

قالت فرجينيا: يا عزيزي بول! انني لأشهد أيام طفولتك الغالية  والامك والامي، وكل ذكرى حبيبة يمكن ان تربط مخلوقين  بائسين مثلنا، بأنني سأكون لك! انني لاسالكم ان تشهدوا أيضاً

ايها الذين ربيتمونا منذ طفولتنا على ما اقول! وانت يا ربي الذي  لم أدنس اسمه الكريم بالكذب كن شاهداً علي! وانت ايها  البحر الذي ساعتلي متن امواجك، ويا أيها الهواء الذي املا  رئتي منك - كونا شاهدين على ما اقول!

لقد عاد إليه هدوءه، فطأطأ رأسه على اثر سماع كلماته الحبيبة،  وبكى بكاء مراً اختلطت دموعه بدموع امه التي اسرعت إليه  تحتضنه وتردد صدى الامه بسيل من الدموع. ثم قالت له مدام  دي لاثور: اني لااستطيع احتمال هذا، فلن تذهب ابنتي إلى  فرنسا مهما كان الثمن الذي سادفعه. خذه معك إلى منزلك فلم  يذق احداً منا النوم منذ اسبوع ونحن على مثل ما ترى من اللوعة  والحزن والدموع.

قال لبول: ان فرجينيا لن تسافر يا ابني، وغداً سنتحدث  إلى الحاكم في امره ببقاءها. هيا بنا إلى منزلي واترك فرصة لاسرتك  تذوق بعض الراحة، فقد انتصف الليل. استجاب بول إلى رغبتي  متحاملاً على نفسه يجر رجليه خلفه وكأنما مربوطتان في جسم غيره  وقضى الهزيع الاخير من الليل في نوم قلق متقطع. . . وعاد مسرعاً  إلى اسرته عند بزوغ الفجر.

سافرت فرجينيا إلى فرنسا وادخلتها عمتها الغنية احدى المدارس،  وبعد عامين اعدت لها زواجاً ملائماً رفضته الفتاة رفضاً قاسياً  احتفاظاً بالعهد الذي قطعته على نفسها لبول. وما عتمت ان فرت  إلى المحيط الهندي على ظهر سفينة كانت تقصد الجزيرة، وما كادت  تقترب من الشاطئ حتى ثارت عاصفة اغرقت السفينة وغرقت  مع الركاب فرجينيا التي كانت تطوي نفسها على اسعد ما تكنه  النفوس من الفرح بلقاء بول ووالدتيها والجزيرة والشجيرات.

وحاول بول ان يصارع العاصفة فيصل إلى السفينة قبل  غرقها ولكن الموج رده إلى الشاطئ مهشماً محطماً، وما لبث  ان مات ودفن إلى جانب فرجينيا في قبر واحد.

اشترك في نشرتنا البريدية