منذ سنوات وأنا أختلف إلى معارض الصور المتحركة وقد شاهدت في هذه الفترة ما لا يقل عن ثلاثين عرضاً عربياً ، وكنت أود أن أظل صامتاً لا أبدي رأياً في شهود هذه الأفلام . لأني لم أقصد إلى مناقشة أو نقد ، ولأن صناعة ناشئة يجب أن لا تؤخذ بمناهج النقد وهي لا تزال في دور نشأتها ، وأن يؤجل لها في الحساب حتى تخط لها طريقاً واضحاً . وقد يكون في ذلك ما لا يتفق ومنهج النقد الصحيح ، ضرورة أن التوجيه إنما يكون جليل القيمة واضح الأثر إذا صادف زمانه ، ولأن الملاحظات إذا أبدت فرادى متفرقة تهيأت لها نفس المنقود ، وتقبلتها قبولاً حسناً يظهر أثره في كل خطوة تخطوها هذه الصناعة .
ولكن شيئاً واحداً يحمل الناقد على التريث في إبداء رأيه حتى تتكون عنده فكرة عن الفيلم العربي - ليست واضحة فقط - ولكنها راسخة أيدتها التجربة القائمة على التكرار ؛ ذلك لأن النقد الموجه إلى الشريط العربي منهم بالتحامل والإسراف وإستفاضة حديثه باليأس من نهوض هذه الصناعة ، ولهذا رأيت أن لا أتعجل الحكم على شيء مما رأيت ، وأن أرجته حتى نهاية الرحلة ،
فإذا رأيت رأياً بعد طول الإناة ، وإصطناع الرفث كنت قوي التشبث بهذا الرأي ، عظيم الإيمان به والدفاع عنه .
يجب أن نسأل أنفسنا : أمن الواجب أن تهدف قصة الصور المتحركة إلى غرض إنساني أو إجتماعي ، وأن تكون أداة تثقيف وإصلاح ؟ أم أنها لون من ألوان اللهو تستجمع به النفس نشاطها حين ترهقها الحياة ؟
أظن أن خير جواب على هذا السؤال هو ما يقف في منتصف الطريق ، فيصيب طرفاً من هذا وطرفاً من ذاك ، فلو أن عرض الصور قد إقتصر على المعاني المجردة ، معاني التثقيف والإصلاح ، لكان معلماً لا يأمن الملل من محاضرته .
وواعظاً لا يكفل الإصغاء الدائم من سامعيه أما الموضوعات ذوات الأهداف الحية ، والحوادث المتسلسلة ، والحوار الطبيعي البعيد عن الصنعة والتكلف - فإن العرض المصري يخفق إخفاقاً بعيداً في هذه النواحي إذا إستثنيت خمسة أفلام من هذه المجموعة الكبيرة التي شهدتها في هذه الفترة ، ولا أقول إنها تنال كل الرضا من الناقد البصير ، ولكنها تبعث على التفانه ، ويرى أن لها شيئاً من التوفيق في الموضوع والحوار والهدف والإخراج في صورة من النجاح غير الباهر ، ولكنها على كل حال تستحق كلمة الثناء .
وما يعنيني أن تصيب نجاحاً مادياً - وإن كنت أعتقد أنها أحرزته - فما يصح بحال أن يكون النجاح المادي دليلاً على النجاح الفني ، ولا يصح أن يكون في إقبال الجمهور ما يشير إلى شئ من ذلك من قريب أو بعيد ، فإن الجمهور - مع إحترامي لشعوره - لم يصل بعد إلى درجة يستقيم معها أن تعقد الصلة بين إقباله وبين الجودة فيما أقبل عليه .
في ( قضية اليوم ، والجيل الجديد ، ويد الله ، ودنيا ، وهذا جناه أبي ) صور حية مستعدة من الحياة الإجتماعية ، تعد مثالاً حسناً للفيلم العربي ، لأنها تهدف إلى أغراض خاصة قصد إليها منذ الخطوة الأولى في الإخراج ، فاستقام التمثيل لوضوح الطريق وتحديد الهدف ، ولا يؤخذ على هذه الأفلام غير اليسير من الملاحظات .
( قضية اليوم ) هي حقيقة قضية اليوم : فتاة أتمت دراسة الحقوق - وحاولت أن تجمع بين الإمارة على المنزل وبين الخطابة في المحاكم فلم تفلح ، وإستبدت الثقافة والطموح بهذا المنزل .
وتعرضت حياته لألوان من الفوضى والإضطراب ، ثم تعود الفتاة بعد أن أقنعتها التجربة إلي حياة الأسرة راضية ؛ ولا عيب في هذا الشريط غير أنه يجرد فتاة الجامعة من
عاطفة الأمومة حين أحست ثمرة حبيبة إلى قلوب الأمهات وأرادت التخلص منها .
و( الجيل الجديد ) صورة لكفاح الشباب وطموحه حين يحطم قيد الوظيفة ، ويلقي بنفسه في معترك الحياة فيصب فضلاً من النجاح ما يزال يؤيده بالثقة والتجربة حتى يبني لنفسه المستقبل المرموق . ولكن الواقعية تفوت حوادث القصة ، فقد كان المؤلف يحاول أن يخلق شيئاً من لا شئ : كان يحاول أن يخلق الثراء العريض من جنيهات معدودة ، ثم يختفي هذا الثراء من هبوط يسير في أسعار السوق . فالخطوات سريعة مرتجلة لا يؤيدها منطق الحوادث .
و( يد الله ) صورة الفتى الظالم تمتد عينه إلي زوج أخيه ، ثم يصحو ضميره ، وهناك العذاب يقضي عليهما جميعاً . ويؤخذ على الفتى الأول أنه أضاف الإغراء كله إلي غيره ، وحشد لنفسه كل مظاهر العفة والترفع ، وأظن أن من العدل الفني أن تقسم مواطن الإبتذال بين بطلي القصة - متى كان الموقف يسمح بذلك - وأن يحمل كل منهما نصيبه في المواقف الرهيبة المؤذية كما يحمله في المواقف التي تنال تقدير الجمهور وإعجابه . والممثل القدير لا يضيره أن يحمل فوق نصيبه في المواقف التي تبعث سخط النظارة أو سخريتهم منه ، لأن واجبه الأول أن يجيد تصوير الموقف كممثل وبخاصة في تمثيله هو الذي يدرأ عنه السخط أو السخرية ، أو على الأقل يخفف من غلوائهما .
و( دنيا ) وكان أولى أن يحمل هذا الفلم واحداً من هذه الأسماء ( إحذري الوعود - لا تبيعي الحاضر بالغائب نهاية فتاة ) لأن حوادثه تدور كلها حول هذا المعنى ، والقصة واقعية وفيها درس رادع .
ويؤدي هذا المعنى أو قريباً منه فليم (هذا جناء إبي) ولكن الدرس هنا للفتي الذي يقف المهاجم القاسي لإبنته المجهولة ، أو بعبارة أوضح : إبنة شبابه الطائش .
ومع أن فلم ( غرام وإنتقام ) قد أصاب نجاحاً مادياً لعله الأول من نوعه في تاريخ الشريط العربي ، فإن ناقداً لا يستطيع أن يقول إن له موضوعاً حياً ، أو هدفاً واضحاً ، وقد يكون الحوار حسناً ، ولكن ما قيمة الحوار إذا لم يقم على أساس من قوة الموضوع ، ولم يقصد في النهاية إلى هدف واضح ؟ .
ماعدا ذلك مما شاهدت في معارض الصور المتحركة - فشئ لا يستحق حتى أن يوصف بأنه تافه أو سخيف ؛ فليس هناك موضوع أو هدف أو حوار ، ولكنه خليط عجيب متنافر لا تسمح أطرافه باللقاء . ويقضى أنهم لم يفكروا في بناء هيكل القصة ، ولكنهم عالجوا حوادثها متفردة . وكل مشهد فكروا فيه لوقته فحسب ، كأن ليست هناك صلة تربطه بالسابق أو اللاحق . ولقد كانت بعض هذه الأفلام تحمل أسماء لا أعرف لها سبباً بعد طول التفكير في التماس سبب قريب أو بعيد ، من ذلك فلم ( ليلة الجمعة) و(ليلة الحظ) .
والقائمون على إنتاج الفيلم العربي بمصر يدعون العبقرية لأنفسهم على طراز غير مألوف ، ويذهبون في سلوكهم إلى إنكار التخصص وتنوع المواهب . فهم يضمون أنوفهم فيما عرفوا وما لم يعرفوا ، ويأبون إلا أن يسيطروا على شتى النواحي الفنية ، حتى يخرج الشريط للعرض على الجمهور .
وقد ترى أحدهم وهو يشرف وحده على الإخراج وتأليف القصة ووضع الحوار والأغاني في كثير من الأدعاء المسرف في الغرور . وهي ظاهرة يشكو منها كبار النقد السينمائي في هوليود نفسها ، بعد أن غصت بالوافدين إليها في الأعوام الأخيرة ، وقامت المنافسة على أشدها بين رؤوس الأموال فأصبحت النواحي الفنية - التي تنادي كل ناحية منها بموهبة خاصة - حقلاً من حقول التجارب يستنبت رأس المال فيه إختصاص العلم والفن والإقتصاد في وقت واحد .
ومن الغريب أن إغتصاب هذه الحقوق يقول به الممثل الأول في الفيلم سواء أكان له عهد سابق بالمسرح ، أم كان تمثيله مقصوراً على معارض الصور المتحركة . وإذا صح أن يدعي ذلك لنفسه من له ماض في المسرح - وهي دعوى لا تخلو من خلل وغرور - فكيف بدعيه الممثل السينمائي وليست له ثقافة عامة ، أو خبرة فنية تؤهله لذلك ؟.
وإذا كان للممثل الأول فضل من التوفيق في التمثيل أو كان حسن الصوت ، أو كان يحمل وجهاً وسيماً - حتى ولو كان الرأس فارغاً - فإنه يجد في هذه الأدوات نوعاً من الدالة يبيح له أن يغتصب لنفسه حقوق المواهب المتعددة فإذا تقدم كاتب بقصة تناولها الفتى الأول والمغنى واللحن والمحاور - ولا ننسى أن جميع هذه الصفات لواحد - بالحذف والزيادة والتعديل . وما يزال هذا الرأس الفارغ بطمس من مظاهرها الروحية حتى تستحيل القصة إلي " حكاية " ومن المؤكد أن الكاتب لا يحتج كثيراً على إمتهان فنه ، لأنه يعرف أن الفتى الأول صاحب مواهب متعددة ، تستقل إحداها بتأليف القصة إذا حاول الكاتب إعتراضاً ، أو أشار إلى صواب .
حين ألف برناردشو مسرحية " جان دارك " أمطره الناقدون وابلاً من آلاف الرسائل . يأخذون عليه بعض المواطن في مسرحيته ، وكان أكثر النقد موجهاً إلى أنه لم يحرق جان دارك على خشبة المسرح أمام الجمهور كما صنع غيره من كتاب المسرح الذين كتبوا عنها ، وإلى أن المسرحية كثيرة الفصول يستغرق تمثيلها ما يقرب من خمس ساعات ، ولم يشأ الكاتب أن يدافع عن رأيه في الرسائل الأولى لأنه يرى لنفسه عبقرية في التأليف المسرحي لا يصح معها أن يوجه نقد إلى فنه . ولأن له ثقة بنفسه تضمه قبل شكسبير في هذا الفن ، تلك الثقة التي لا تخلو من
العناد والسخرية بالناس . فلما أغرقته الرسائل عبر المحيط من أوربا وأمريكا دافع عن رأيه في حرارة وإيمان في مقدمة طويلة لا تخلو منها مسرحية من مسرحياته.
والأسباب التي يعزى إليها ضعف الفيلم العربي تتركز في فقدان التسلسل المألوف للحوادث ، ثم في اللغة وما يتصل بها من الأغاني والحوار ، وأساليب الأداء التي تؤاخي الموقف الذي يشغله الممثل . وما عدا ذلك من النواحي الفنية الأخرى ، فقد تقدم المخرجون فيها ، وأصبحت الإضاءة وتسجيل الصوت في الشريط العربي بحيث لا يمكن أن تنسب الضعف إلى واحد منهما .
أما التسلسل في مشاهد الفلم فمفقود تقريباً وكأن كل منظر يكون حلقة لا تربطها صلة بالسابق أو اللاحق . ويبدو لي أن إنقطاع هذه الصلة رجع إلى التكلف الذي لا يساوق طبائع الأشياء ، ثم إستقلال الممثل الأول بالإشراف على ما لم يدخل في دائرة مواهبه .
أما التكف فظاهرة واضحة يقوم بها غالباً كل ناشئ في الفنون ، ولو أن القائم على الإخراج كفانا هذه الثرثرة ولاذ بالصمت ، ثم أسلم عمله إلى منطق الحوادث تتحدث هي كما تريد - لكان في ذلك الخير له وللجمهور . (للحديث بقية)

