في فلسفة شوبنهاور جانب أعتقد أنه لم يلق حظه المناسب من الرعاية والتنويه ، لا من بعض شراح فلسفته وناقديها ، ولا من الكثيرين ممن كتبوا في فلسفة التاريخ وبحثوا طبيعته ، وحاولوا أن يعرفوا هل التاريخ علم أو فلسفة أو فن أو هو هؤلاء جميعاً ؛ وذلك مع ما لهذا الجانب من جوانب تفكيره من الدلالة على مناشئ فلسفته ، وطرافته ، واتجاه تفكيره ، ونوع تأثيره ؛ وهذا الجانب المهمل هو رأيه في التاريخ وتقديره لدراسته ، فقد كان أكثر معاصريه من مفكري الألمان وممثلى فلسفة الرومانتزم ، يحاولون أن يتفهموا حاضرهم عن طريق المنهج التاريخي ، وأن يثبتوا أن حركة التاريخ المتئدة الخطوات ، والتي تلبس أردية الزمان تكشف عن المبادئ العضوية التي تتكون منها أسس الحياة الحقيقية ؛ فحقيقة الحياة المتــــــــــــكثفة المبهمة ترق صفحتها ، ويشف جوهرها ، وتنجلي عنها سحائب الغموض ، ويبدو بناؤها الداخلى وتكوينها الصميم للعين النفاذة والخاطر اللماح الذي يراقب نموها وتدرجها في مراتب الكمال خلال سير التاريخ وعلى توالي أعصاره وتتابع أدواره ؛ وعندهم أن التـــــــــاريخ هو دعامة البحوث النظرية وقوام الفلسفة ؛ وكان أكبر ممثلى هذه الحركة وقطب رحاها هيجل قريع شوبنهاور في الفلسفة الألمانية ، وخصمه الذي كان على الدوام هدف نقده وزرايته ، وهو يعتبر التاريخ أسمي ضروب المعرفة ، والتاريخ في عرفه أسمي من العلوم الطبيعية ، لأن العلم الطبيعي يستطيع أن يرينا الدائرة الأبدية التي تتكرر فيها المظاهر ، في حين أن التاريخ يكشف لنا عن ترقي "المطلق" وتحقيقه في الزمان ، ومن
ثم فإن الدنيا تسفر عن حقيقتها في التاريخ لا في العالم الخارجي ؛ وهذا التقدير الرفيع لوظيفة التاريخ كان له تأثير كبير في تفكير القرن التاسع عشر ومذاهبه ، وكان من أسباب نـهوض الدراسة التاريخية الألمانية التي بدأت بالمؤرخ نيهر والمؤرخ سافينييه ، ووصلت إلي أوجها في المؤرخين المشهورين فون رانك ومومسن ؛ وقد تأثرت فلسفة هيجل إلي حد بعيد الفلسفة المثالية الإيطالية الحديثة ، وبندتو كروتشه أكبر ممثليها يذهب إلي أن الفلسفة والتاريخ شئ واحد .
أما شوبنهاور فقد اعتزل هذه الحركة من باديء أمرها ، وعمل على مقاومتها وتسفيه آراء القائمين بـها ، والفيلسوف في رأيه عبقري موهوب ، فما حاجته إلي هذه النظارة من المعلومات التاريخية التي يستعين بها العلماء ، وهو الذي تنكشف لبصيرته الحقائق وتزول عنها الغواشي والحجب ؟ وهذا الذي يسمونه "تقدماً " و " ترقياً " إن هو إلا وهم من الأوهام وضلالة من ضلالات العقول .
ويرى شوبنهاور أننا نستفيد من الشعر ضروبًا من المعرفة أصدق وأغزر مما نستفيد من التاريخ ، وأرسطو يقر هذا الرأي .
ويذهب شوبنهاور إلي أن الحقائق في كل طبقة من طبقات الموجودات وفي حدود كل جنس من الأجناس مما لا يستطاع حصره ، ولا يمكن عده ، لأن عدد الأفراد غير متناه ، وتنوعات فروقها لا تحصى ، وعندما يشرف عليها العقل لأول وهلة يكاد يصيبه الدوار ، ويفقد توازنه ، ومهما بالغ في التحري والاستقصاء يتضح له أنه مقضي عليه أن يجهل الكثير ، ثم يتقدم العلم ويتناول تلك الحقائق بالتنظيم والتنسيق ، ويضع متشابـهاتـها تحت تصورات جنسية ، ثم يقسم الأجناس إلي أنواع ؛ وبذلك تمهد السبيل إلي معرفة العام والخاص ، ويعد الذهن المتقصى بالراحة ، ويوحي إليه الطمأنينة ، ثم تتجمع
سائر العلوم وتتداني وتقسم فيما بينها عالم الأشياء الفردية ، وتسمو فوقها جميعاً الفلسفة لأنـها أعّمها وأوسعها شمولاً ، وهي لذلك أجلها شأنًا ، وهي تعلن النتائج التي ذلل لها العلماء العقبات ، وفتحوا موصد الأبواب ، ولكن التاريخ يقف وحيداً منفرداً ، ولا ينتظم في سلك هذه العلوم ، لأنه لا يستطيع أن يفخر بمزية من مزاياها ، وليس في وسعه أن يدعي خاصة من خصائصها ، وذلك لأنه تنقصه الصفة الجوهرية للعلم ، وهي القدرة على إخضاع الحقائق لنوع من الترتيب والتنسيق ، والحقائق في التاريخ تتجمع وتتجاور ، ولكن لا يمكن إخضاعها لنظام يعين على استنباط القوانين واستخلاص النتائج ، ولذا لا يوجد منهج منظم للتاريخ كما لسائر العلوم ، والتاريخ علي هذا الاعتبار ضرب من ضروب المعارف العقلية ، ولكنه ليس علماً ، لأننا لا نستطيع أن نصل فيه إلي الخاص عن طريق العام ، بل يلزم أن نتفهم الخاص مباشرة ، ولذا تراه دالفاً علي أرض التجربة ، في حين أن العلوم الحقيقية تعلو فوقها وتسيطر على الخاص ، وذلك على أقل تقدير في داخل حدود معينة ، ويمكن أن يتنبأ فيها بحدوث أشياء لأنـها قد حصلت على تصورات شاملة كلية ، وبذلك يحظي الإنسان بنوع من الراحة ، ويطمئن من ناحية ما سيحدث ، والعلوم تتحدث إلينا على الدوام عن الأنواع لأن لها من التصورات ما يمكنها من ذلك ، ولكن التاريخ يحدثنا أبداً عن الأفراد ، وهو من أجل ذلك علم أفراد ، وهذا تناقض واضح ؛ ويستتبع ذلك أن العلوم تتحدث دائماً عما سيكون ، والتاريخ على نقيض ذلك ، فهو لا يتحدث إلا عما كان مرة واحدة ولم يتكرر بعدها ؛ ولما كان التاريخ لا يتناول إلا الفردي والمعين الخالص الذي هو بطبيعته لا يمكن أن يحصر ولا أن يستوفي ، فهو إذاً يعرف كل شئ معرفة ناقصة غير مستوفاة ؛ وقد يعترض على ذلك بأن في التاريخ وضعاً للخاص تحت
سيطرة العام , لأن العصور والحكومات وما إلى ذلك من التغيرات العامه أو الثورات السياسية , وبالإختصار كل ماهو فى الجداول التاريخية هو العام الذى يخضع له الخاص ,وتسرى عليهأحكامه ؛ ولكن هذا الرأى يرتكز على فهم خاطئ لتصور العام , لأن هذا العام المشار إليه فى التاريخ هو مجرد شئ ذاتى , وقد نشأ عمومه من نقص معرفة الأشياء , والعجز فى إدراك التفصيلات , ولم ينشأعن معرفة موضوعية , أى أن عمومه ليس قائماً على تصور يضم بين أطرافه طائفة من الحقائق , وأكثر الأشياء عموما فى التاريخ , وأوسعها شمولاً , لا يخرج عن حدود الفردية , ولا يتسم بغير متسم الخصوصية , مثل الحقبة المتطاولة من الزمن أو الحادثة الهامة ؛ وعلاقة الخاص العام فى التاريخ هى علاقة الجزء بالكل , وليست علاقة الحالة من الحالات بالقاعدة المطردة القانون الثابت ؛ وهذا يناقض المألوف فى العلوم الحقيقية التى تقدم لنا تصورات لا مجرد وقائع وحقائق فردية ؛ ومن ثم فإن معرفتنا للعام فى تلك العلوم تفيدنا معلومات أكيده عن الخاص الذى تطالعنا صورته بعد ذلك ؛ فنحن إذا عرفنا مثلاً قوانين المثلث عامة أمكننا أن نعرف خواص المثلث الذى يرسم بعد ذلك حياتنا ؛ وليس التاريخ كذلك , فإن العام فيه ليس عاما موضوعيا للتصور , وإنما هو عام ذاتى نستعين به على المعرفة , وهو يكتسب صفة العموم كلما حفل نصيبه من السطحية والتفاهة؛ ويمكننى أن أعرف بوجه عام عن حرب الثلاثين سنة أنها كانت حرباً دينيه ثارت فى القرن السابع عشر , ولكن هذه المعرفة العامة لا تجعلنى قادرا على الإخبار بأى شئ أكثر تحديداً عن غيرها , ومما يؤكد ذلك ويوضحه أن الخاص فى العلوم الحقيقية الجديرة بهذه التسمية هو الذى نستطيع أن نثق به ونتأكد منه , لأننا نعرفه بالإدراك المباشر الذى تقوم عليه الحقائق العامة وتنتزع منه , ولذا قد يتسرب إليها
الخطأ وبغشاها الوهم ؛ ولكن الأمر في التاريخ علي خلاف ذلك ، فالاأكثر عموما فيه هو الأوفر نصبنا مني التأكيد ، مثل العصور المختلفة وتوالي الملوك والثورات والحروب ومعاهدات الصلح ، ولكن الحوادث الخاصة وصلانها وملابساتها عرضة للشك الذي يزداد قوة كلما ألمنا بتفصيلانها ، وتعمقنا في الوقوف على أسبابها وأصولها ، والتاريخ الخاص أكثر متعة وأقوي جاذبية ، ولكنه في نفس الوقت أقل استحقاقا للثقة ، وأبعد عن مجال التأكد والتبقن ، بل هو في هذه الحالة يقترب من عالم القصص والرواية ؛ ومن الصعب علي الإنسان أن يتفهم خوادث حياته الخاصة ويستوعب روابطها التشعبة ، وعلاقاتها المستخفية ، وذلك لصعوبة تبين الدوافع المختلفة التي تعمل تحت تأثير الصدف والأغراض الخفية والبواعث المستدقة ، وما دام غرض التاريخ هو الحادثة الفذة ذات الصفة الخاصة ، فإنه من أجل ذلك نقبض الفلسفة التي تحاول أن تشرف على الأشياء من أشد وجوهها شمولا ، وغرضها هو العام الذي يظل علي الدوام واحداً وكامناً في كل خاص ؛ ولذا فإن الفلسفة تري في الخاص الناحية العامة ، وتعتبر الفرق في المظاهر فرقاً غير جوهري ؛ والتاريخ يعلمنا أنه في زمن من الأزمان قد وقع شيء ما ، في حين أن الفلسفة تحاول أن تعيننا على أن نبصر أنه في كل الأزمنة كان نفس الشئ ويكون وسيكون . والحقيقة أن جوهر الحياة الإنسانية مثل الطبيعة بوجه عام موجود في كل لحظة تاما بجير منقوص ، والإحاطة به واستكناء سره يستلزم التعمق في البحث وشدة الغوص . والتاريخ يحاول أن يستعيض عن العمق بالطول والاتساع ، وعنده أن كل حاضر إنما هو جزء يتمه الماضي غير المحدود ويضاف إليه المستقبل غير المحدود كذلك ؛ ويستبين لنا من خلال ذلك الفرق بين العقل الفلسفي والعقل التاريخي : فالأول يحاول النفوذ إلي الأعماق ، والثاني يحاول التنقل بين
عقود الماضي وسلاسل أحداثه ، والتاريخ يرينا من كل النواحي نفس النبي في أزياء مختلفة ، والذي لا يدركه في صورة من الصور قل أن يهتدي إلي حقيقته بعد عرض مختلف الصور ؛ وصحائف تواريخ الأمم لا تختلف إلا في الأسماء والعناوين ، ومحتوياتها الجوهرية واحدة في كل زمان ومكان . والفن مادته "الفكرة " والعلم مادته " التصور " ، ومادة التاريخ هي الحوادث المتغيرة القلب ، ولذا يبدو أنه غير جدير بأن يبذل فيه مجهود جدى . وربما كان من الخير للعقل الإنساني أن يختار ميداناً لجهاده ما هو أدوم وأبقى ، أما محاولته فهم تاريخ العالم من حيث هو كل مستوفي الأجزاء له غاية مقسومة ، وخطة مدبرة ، فإنها محاولة غير مجدية . والواقع أن حياة الفرد وحدها هي الحياة التي لها وحدة واتصال ، ولها معني ودلالة ، وحوادث حياتنا الداخلية حوادث حقيقية ، لأنها منبعثة عن الإرادة ، والإرادة هي الشئ في نفسه الذي لا حقيقة لغيره ، وفي كل عالم " أصغر " ينطوي العالم " الأكبر " وما يرويه لنا التاريخ هو في الواقع حلم الإنسانية الثقيل المختلط المشوش ، ويحمل بالهيجليين الذين يعتبرون فلسفة التاريخ أكبر غاية لدراسة التاريخ أن يرجعوا إلي أفلاطون الذي لا يمل ترديد أن الفلسفة مجالها ما هو ثابت وباق وغير قابل للتجديد ؛ وفلسفة التاريخ الحقة لا توجه التفاتـها إلي ما هو في صيرورة دائمة وتعتبره طبيعة الأشياء ، وإنما تحصر التفاتـها في الكائن الذي لا يتغير ، وترينا أن وراء الاستحالات التي لا تنتهي تكمن الطبيعة الإنسانية التي لا تتغير ، والتي يشبه سلوكها اليوم سلوكها بالأمس وسلوكها في المستقبل ، فهي هي في مختلف الظروف وشتي الأزياء ؛ ومن قرأ هيرودوت بتبصر وإمعان فكأنه قد قرأ تاريخ الإنسانية جميعه .

