في ثلاث مواطن من باب (البريد الأدبي) في هذه المجلة، (أنظر الرسالة، الأعداد: ٤١٧، ٤١٩، ٤٢٠) كلمات ثلاث في المثل القائل: (النحو في الكلام كالملح في الطعام) . ذهب كاتب الأولى إلى تضعيف هذا المثل كون وجه الصحة في إيراده:
(الهزل في الكلام كالملح في الطعام) استناداً منه إلى ما جاء في كتاب مجالس السلطان الغوري. فجاء الكاتبان الثاني فالثالث يؤيدان صحة المثل بنصه الأول
وهأنذا الآن بين يدي نص صريح وقفتُ عليه، يثبت صحة المثل ويبين مغزى إطلاقه
جاء في القسم الثاني من الجزء الخامس من كتاب (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، المتوفي سنة ٥٩٧هـ (ص ١٦٠ من الطبعة التي ظهرت أخيراً في حيدر آباد) :
(حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال: دخلتُ على أبي العيناء في آخر عمره، وقد كفّ بصره، فسمع صرير قلمي على الدفتر قال: مَن هذا؟ قلت: عبدك وابن عبدك محمد بن يحيى الصولي! قال: قال بل ولدي وأبن أخي! ما تكتب؟ فقلت: جعلني الله فداءك شيئاً من النحو والتصريف! فقال: النحو في الكلام كالملح في الطعام، فإذا أكثرت منه صارت القدر زعافاً يا بني! إذا أردت أن تكون صدراً في المجالس، فعليك بالفقه ومعاني القرآن. وإذا أردت أن تكون منادماً للخلفاء وذوي المروءة والأباء، فعليك بنُتَف الأشعار ومُلَح الأخبار) أهـ
فأنت راءٍ مما نقلنا أن هذا المثل لا يحتمل تأويلاً ولا يستوجب تبديلاً، بعد أن كفانا أبو العيناء (المتوفى سنة ٢٨٢هـ) نصب البحث عن موقع استعماله
أُطالع باغتباط ما يكتبه الأستاذ محمد عبد الغني حسن بعنوان (مدن الحضارات في القديم والحديث)، فهو بحث جليل؛ وقد استوقفتني فيه نقاط (العدد ٤١٧ من الرسالة) أضنها تحتاج إلى مراجعة، وهي:
١ - قال في الصفحة ٨٤٤ في كلامه على بغداد: (والبحتري الشاعر الرقيق يصف لنا بركة المتوكل في شعر تصويري جميل. . . ويقول في ذلك:
تنساب فيها الماء معجلة كالخيل خارجة من حبل مجريها)
والذي يُفهم من هذا الكلام ومما يتلوه، أن بركة المتوكل كانت في بغداد، في حين أن من المعروف عرفان اليقين أنها في سامراء. والذي يقرأ سيرة المتوكل يجد أنه قضى أغلب أيام خلافته في سامراء، وبها أقام قصوره التي فاقت سائر قصور الخلفاء، ولا داعي إلى تفصيل ذلك
٢ - وورد بعد ذلك بخمسة عشر سطراً قوله: (وكان نهر دجلة في ذلك الحين يكاد يغص بالحرامات الكثيرة والزوارق الجميلة. . الخ) . والواضح أنها (. . . . يغص بالَحرَّاقات. . .) وهي ضرب من السفن النهرية، ولعل هذا من أغلاط الطبع
٣ - وفي آخر الصفحة نفسها، عَدَّ (جميل نخلة المدور) عراقياً مع أنه لبناني
(بغداد)

