لا تزال دراسة التطور ، تحتل مكانا رفيعا ممتازا ، لدي الذين يدرسون الأحياء ، وما يتصل بها من علوم كثيرة منوعة ، فهم يفرضون وجود سلسلة متصلة الحلقات ، تربط الكائنات الحيوانية ، تطورت مجموعة بعد أخري ، وكذلك الكائنات النباتية يربطونها في سلسلة متصلة من المجاميع ، درجت كل واحدة بعد الأخرى ، خلال الأحقاب الطويلة ، التي تتابعت على الأرض مذ كانت الأرض ؛ ففي كل حقب من الأحقاب الجيولوجية ازدهرت مجاميع من الكائنات الحية ، نباتية وحيوانية ، كانت تميز الحقب ؛ وما زالت تعرف به ويعرف بها . وقد تنقرض هذه ، بتأثير كثير من العوامل البيئية التي تكتنفها ، لتظهر مجاميع أخري ، تكون أقدر علي مجالدة الظروف ، ومتابعة النمو والاستعمار والتكاثر فيها ومنها ما يتميز بمرونة ظاهرة قوية ، فيوائم بين ظروفه الجديدة وبين أسباب عيشه وحاجات نموه ؟ فتتابع العصور والأحقاب ، وأسباب حياته متصلة مطردة ، فمن الكائنات ما انقرض انقراضا تاما منذ أحقاب سحيقة ، وإنما عرفناه ودرسناه من آثاره التي بقيت مطمورة في باطن الأرض ، على صورة حفريات نباتية أو حيوانية . استطاع العلماء أن يدرسوا هذه الحفريات المختلفة ، وأن ينسبوها إلي مجاميع بذاتها ، ازدهرت خلال حقب من الأحقاب ، وقد يبقى جنس أو أكثر من أي من هذه الجاميع ، يمكن نسبته إليها لوجود كثير من أوجه الشبه التشريحية بينها ، يبقي ميزا لهذه المجموعة ، شاهدا علي وجودها ، ودالا على ازدهار دولتها يوما ما .
على أن فكرة التطور ليست حديثة العهد ، كما يظن
كثير من الناس ، فلم يبتدعها "دارون" ابتداعا ولكنها درجت مع الانسان منذ أكثر من الفي سنة ؛ وما زالت تنتقل من جيل إلى جيل ، ومن فئة إلى فئة ، تخبو حينا لتظهر حينا آخر ، إلي ان القتها يد الزمن إلي رجالات القرن التاسع عشر . وكان "دارون" احد الاعلام الذين جاهروا بها وحملوا لواءها ، ولعله كان من أبرزهم شأنا وأشدهم إيمانا ، منذ ظهر كتابه اصل الأنواع سنة ١٨٥٩ ، فأصبحت تنسب إليه ، واصبح هو علما عليها ، فيقال الذهب الداروني ، أو التطوري .
ثم إن مشاهدات " دارون " وملاحظانه واستئاجاته البديعة التي ضمنها كتبه ورسالاته ، هي التي خلعت على النظرية ثوبا رائعا من البهجة والبهاء ، يهر به كثير من المعاصرين ، فامنوا به ، وانضموا تحت لوائه ، ورضوا بالانتساب إليه ؛ بل إن فيهم من بن "دارون" نفسه في قوة الايمان بهذه الدعوة ، والمبالغة في الحماسة لها ، والاستزادة من انصارها والداءين لها ، وقد اصبح كثير من هؤلاء وأولئك "دارونيا" أكثر من "دارون" نفسه ، فأضافوا إليها ما ليس نبها ، والبسوها من الاثواب ما لم يفكر " دارون " في إلباسها إياها ...
ويمكن دراسة هذه الفكرة منذ عهد حكماء الاغريق الأقدمين (سنة ٥٤٥ في م)، أمثال أنا كسماندر واميدوكليس . وقد كان " زينوفينيس " اول من لاحظ وجود حفريات حيوانية ؛ واعتقد ان هذه البقايا والانار هي لحيوانات عاشت على الارض في مصر من العصور ، ثم تحجرت على هذه الصورة التي وجدها عليها وكانت هذه خطوة بارعة جريئة في هذا السبيل ، واعتبرت دراسة
هذه الحفريات من الأدلة المادية التي تفيد الفكرة وتتبنها ، بدلا عن النظريات والآراء الكلامية
ومن الحق أن نقول إن "أرسطو" هو الذي خلق الدارونية قبل أن يوجد "دارون" بفيف وعشرين قرنا ولعله كان يعتقد بحق انه مجدد مبتدع ، وانه ليس مقلدا ولا تابعا لغيره . وإنما كان يضع نظما جديدة ، وبني على أساس مكين فقد استنتج من دراساته المستفيضة ، ومقارناته الدقيقة ، وملاحظاته المدينة ، على كثير من الحيوانات ، استنتج أن هناك سلسلة وراثية متصلة ، تصل بين "البوليب"البحري الضعيف الرقيق ، وبين "الانسان" . فلا جرم أن سمي " أرسطو " التطوري الأول .
وقد كان " لو كريتس " شاعرا ، ولكنه مع ذلك صاحب فكرة ، يمكن أن تضم إلي هذه الآراء عن الكائنات الحية ، فقد قال إن الحيوانات المفترسة قد مهد لها افتراسيها أسباب البقاء ، فعاشت في مختلف الأجواء والبيئات ؛ أما الحيوانات الآليفة ، فانما خلدها نفعها للانسان . فحاول هذا جهده ان يكثرها وان يستغلها لنفسه ايما استغلال ؛ فماشت هي الاخري رغم خلوها من القوة والسرعة والسكر ، وما إليها من صفات الحيوانات المتوحشة عموما وكان يعتقد مبدأ تعاقب وتسلسل الاجناس وبقاء الأقوى ؛ فهي تتابع واحدا بعد الآخر ، فإذا ما فني جنس نشأ آخر يكون أقوي علي الاحتمال والصراع.
وقد لبثت مثل تلك الآراء والأفكار تسيطر قرونا عدة على النابهين والمفكرين ، فهي تسهويهم فيؤمنون بها وبتداولونها جيلا عن جيل ، ومدرسة بعد مدرسة, وكانت خلاصة هذه الآراء وزيدتها إنما هي " التطور " .
كذلك نشأت نظرية التطور أو التسلسل منذ فجر التاريخ ، وكانت أساس آراء "دارون" وملاحظانه التي لخصها في رسائله مع زميله " ولاس " ، إلى جمعية "لينيس"
عن "منشأ السلالات من الأنواع" ، "وعن اثر الانتخاب الطبيعي في تكوين السلالات" . وذلك في سنة ١٨٥٨ .
وخلاصة هذه النظرية كما سجلها "دارون" أن تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي وبقاء الاصلح ، كل هذه تعمل عملها في تكوين الأنواع والسلالات . وان السلالات الصالحة القوية هي التي تستطيع ان تلائم بين ظروف بيئتها وأسباب حياتها ونموها
وقد بين الأستاذ "باطسن" (Bateson) أن المشكلة لم تحل بهذه النظرية أو تلك ، وأح مع عدم معارضته لمسألة أصل الأنواع والانتخاب الطبيعي ، فان يري أن كثيرا من الآراء والفروض التي بنيت عليها النظرية واعي الاساس متداعي القواعد . وقد لبثت هذه النظرية مدى حين مثارا لنقاش المؤدين والمعارضين, ومع ما كان يلقيه المعارضون في طريقها من اشواك النقد المر والتعريض اللاذع ، فقد ثبتت دعائمها في كثير من أقطار أوربا وخاصة في انجلترا والمانيا ، وسيطرت فكرة التطور على دراسات علوم الحياة جميعا في هذه الأقطار . وظلت تتمتع بهذا المركز الممتاز حتى عام ١٩٠٠ الذي يعتبر عاما خطيرا بالنسبة لتاريخ النظرية التطورية.
وعلى أي حال فقد كان نجاح " دارون " الفذ إنما هو في بعث نظرية التطور من جديد ، وإثارة اهتمام العلماء والبحاث بها من جديد ، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير ، وذلك بتأييدها بملاحظاته عن أصل الأنواع والانتخاب الطبيعي ؛ وكان النصر العظيم الذي فازت به هذه النظرية على يد " دارون " هو نقلها من ميادين الفلسفة والكلام والمنطق إلي ميدان العلم العملي والتجارب والبراهين المنتزعة من حقول التجارب على الحيوانات والنباتات ، فاهتم بها علماء الاحياء واكبوا على استنباط البراهين التشريحية والوصفية من دراساتهم المتتابعة على الكائنات جليلها ودقيقها.
وفي سنة ١٩٠٠ هبت على نظرية التطور ثورة عنيفة قادت تودي بها ، وتقذف بها من حالق ؛ فمن ابن جاءت هذه العاصفة ؟! لقد اثار هذه العاصفة النمسوي " مندل " يبحوثه على الوراثة والنهجين (1) في النباتات وقد كان مندل معاصرا لدارون تقريبا ، فقد اجري تجاربيه في سنة ١٨٦٥ ، في حين ظهر أصل الأنواع لدارون في سنة ١٨٥٩ . ولكن نتائج " مندل " لم تثر في حينها اهتمام العلماء والبحاث ، وإن كانت تجاريبه التي اجراها بين عام ١٨٥٦-١٨٧٢ ، مما جعل شهرته تذيع في الأوساط العلمية . ولكنها لم تنشر على الملأ إلا في سنة ١٩٠٠ ، أي بعد وفاته بنحو ست عشرة سنة ، فقد مات مندل سنة ١٨٨٤ قبل ان ري آثار تجاريبه ونتائجه
أجري "مندل" تجاريبه على نبات البسلة المعروف وكان ينمو في حديقه الدير الذي يعمل به وكانت هويته المزاوجة بين سلالات مختلفة من نوع البسلة (pisam sativum) فكان منها الطويل الذي يبلغ ارتفاع نباته قرابة ست أقدام ، ومنها القصير الذي لا يكاد يجاوز القدم طولا . فكان يزاوج بين السلالتين ، وذلك بأن ينرع من النباتات الطويلة مثلا اعضاء التذكبر من زهورها ، ويلقح أعضاء التأنيث فيها بحبوب لقاح ينتزعها من الاعضاء المذكرة في البسلة القصيرة . كما يجري عكس ذلك ، بأن ينقسم أعضاء التأنيث في البسلة القصيرة بحبوب لقاح من الأعضاء المذكرة في البسلة الطويلة . وهو يأخذ لاتمام ذلك على الوجه الاكمل كل أسباب الاحتياط ، حتى لا يختلط عليه الأمر ، كما انه يكرر تجاريبه بضع مرات ، حتى يتحقق من توافق النتائج ، فيطمئن إليها . وكان ينتظر في كل مرة حتى يحصل على البذور ، ثم يعيد زراعتها ثانية ويلاحظ نتائجه ولقد
كان يتوقع عند مازاوج بين البسلة القصيرة والطويلة انه سيحصل على بسلة متوسطة الارتفاع ، ولكن كم كانت دهشته عظيمة عند ما وجد بسلة الجيل الأول كلها طويلة تكاد تساوي البسلة الطويلة الأصلية التي زاوج بينها وبين القصيرة وعندما زرع بذور هذا الجيل الأول الذي حصل عليه ، وزاوج بين نباتانه ثانية كانت نباتات الجيل الثاني فيها الطويل والقصير ، ولكن بنسبة ثلاثة من البسلة الطويلة إلي واحد من القصيرة .
اعتبر "مندل" الطول الصفة السائدة أو الغالية ، أما القصر فقد أسماه الصفة المتنحية وعندما زاوج بين نباتات الجيل الثاني ظهر ان واحدا فقط (الثلث) من الثلاث الطويلة هو الذي حافظ على هذه الصفة في كل إنتاجه ، اي انه حافظ على صفة الطول ، فكان ينتج كالأصل اي ان انتاجه " صريح " أما الثلثان الباقيان ، فان نتيجة المزاوجة بين نباتانها كانت إعطاء النسبة السابقة ثانية ، اي ١:٣ . أما النباتات القصيرة في الجيل الثاني ، فإنها حافظت على صفة القصر في كل انتاجها ، أي أن إنتاجها " صريح " أيضا .
استنتج " مندل " أنه إذا وجدت الصفتان المختلفتان في النباتين المتزاوجين ، فإن الصفة السائدة هي التي تسود نباتات الجيل الأول ، ولا يمكن التفريق بين الأفراد التي سيكون إنتاجها صريحا من تلك التي ستعاود إظهور الصفتين في نتاجها . ولكن عند المزاوجة بين افراد هذا الجيل الاول تحصل على النسبة ١:٣ : فربع الافراد يحمل الصفة المتنحية وإنتاجها صريح دائما ، وثلاثة أرباع الأفراد تحمل الصفة السائدة ، وبالمزاوجة بينها نحصل على نفس النسبة مرة اخرى . . وهكذا فالصفة المتنحية تظهر ويكون انتاجها صريحا إذا اختفت الصفة السائدة كما أن ثلث الباقي من نباتات الجيل الأول فقط هي التي يكون انتاجها صريحا بالنسبة للصفة السائدة وهي الطول . وعلى ذلك تكن تحليل النسبة ١:٣ إلى ١:٢:١
بمعنى أن واحدا سيكون إنتاجه صريحا بالنسبة للقصر ، وآخر سيكون إنتاجه صريحا بالنسبة للطول واثنين يحملان صفة الطول إلا انها ليست نقية ، ولكنها تخفي تحتها الصفة المتنحية وهي القصر ، ولذلك فإنه بمزاوجة أفرادها ثانية تتكرر النسبة ١:٣ . وهكذا لقد زاوج " مندل " بين سلالات مختلفة من البسلة ، ولاحظ صفات أخرى عدا الطول والقصر ، كشكل البذرة ، ولون القصرة (غطاء البذرة) ، ولون الفلقات داخل البذرة . . وفي جميع هذه الحالات حصل " مندل " على نفس النتائج والنسب بين كل زوج من الصفات . فان إحداهما تكون هي السائدة ، على حين تكون الأخرى متنحية . وطبيعي أنه عندما تتعدد الصفات المتباينة بين النباتين المتزاوجين فان النتائج تكون أكثر تعقيدا ، وإن امكن تحليلها وإرجاعها إلي القانون الاساسي الذي ذكرناه فيما تقدم .
ولقد علل "بانيت" نتائج " مندل " بأن اعتبر الخلايا التناسلية أو الأمشاج ذات قدرة على نقل الصفات من جيل لآخر ، ولكنه ظن أن المشيبج يستطيع حمل صفة واحدة من الصفتين المتقابلتين اي ان المشيج ، إما ان يحمل صفة الطول أو القصر ، ولكنه لا يحملهما معا . كما يفترض أن المشيج نقي من أب نقي أي يكون ذا إنتاج صريح لو تزاوج مع افراد نوعه فحسب ، وفرض هذا النقاء أساسي جدا في نظرية " مندل " وعلى هذا النهج السليم الذي وضعه " مندل " وضعت أسس على الوراثة.
ولقد قيل عن نظرية مندل أو " المندلية " إنها خاصة بالوراثة ، وأن ليس ثمة علاقة بينها وبين التطور أو " الدارونية " ، ولكن الذي لا مراء فيها ان للمندلية ابلغ الأثر على الدارونية ، بل إنها قد غيرت نظرة الناس إليها ، إن لم تكن قد اكثرت حولها عاصفة شديدة زعزعت من أركانها ، وجعلت الناس يرتابون فيها أبلغ الريب ،
بعد أن كان إيمانهم بها قويا . وكان العول الأول الذي شرعته المندلية على النظرية التطورية هو جعل التجربة اساس البراهين ، بدلا من مجرد الجدل المنطقي والاستقراء المبني على الملاحظات السطحية ، للبستانيين والزراع ومربى الحيوانات الآليفة وتجارها ، وما قابل هؤلاء واأولئك عند استنبات أصناف أو سلالات جديدة من زهور الحدائق ، أو تكثير ما يظنونه سلالات جديدة لحيوانات اليفة ، تلك الملاحظات التى اعتمد عليها دارون وكانت عمدته في تدعيم النظرية التطورية ، مع انها لم تكن نتائج تجارب أجريت على أسس علمية يمكن الاطمئنان إليها . وما كان ليزيد في قيمتها العلمية ما البسها النطق ، وبراعة الاستقراء من ثوب جميل خلاب .
أما مندل فقد رسم الطريقة العلمية التي ينبني اتباعها ووصل إلي نتائج لم تكن في صالح الدارونية أول الأمر فقد اثبت " مندل " ان هناك من الصفات ما ينتقل من جيل إلى جيل دون ان يموره تغيير او تبديل . وهي نتيجة تعارض الدارونية التي تقول باجتماع الاختلافات اليسيرة بعضها إلي بعض ، بعامل الانتخاب الطبيعي ، إلي أن تتكون السلالات أو الأنواع الجديدة
وقد ثبت أن هذه الاختلافات ليست كافية بالمرة لتكون أصلا لنوع جديد . وإنما نتجت أغلب الأمر من تأثير البيئة على الفرد ، وهي لم تصل بعد إلى الخلايا التناسلية التي تنقل الصفات الثابتة التي تميز الأنواع بعضها من بعض إذ الواقع أن هناك كثيرا من الأنواع (في النبات والحيوان) تشمل سلالات عديدة تختلف فيما بينها اختلافات بسيطة ، إلا أنها كثيرة ، تحمل على الظن بأنها انواع ، وما هي كذلك . وقد أسماها "جوردان " (الأنواع الأولية) ليميزها عن الأصناف والسلالات من ناحية ، وعن الانواع الأصيلة من الناحية الأخرى . (يتبع )

