صوب الأستاذ بداري اعتماداً على رواية الجاحظ نسبة هذه الجملة إلى ابن المقفع: (الذي أرضاه لا يجيئني، والذي يجيئني لا أرضاه) يعني الشعر. وكان الأستاذ الكبير العقاد نسبها إلى الخليل في بعض مقالاته
وأقول: إن ذلك لا يمنع من صحة نسبتها للخليل مع تغاير في الألفاظ. جاء في الجزء الثالث من العقد: قيل للخليل: مالك لا تقول الشعر؟ قال: (الذي أريده لا أجده، والذي أجده منه لا أريده) فالمعنى والصياغة متحدان في الجملتين، ولعل الاختلاف في اللفظ راجع إلى تصرف النقلة: وأروِى للأصمعي قوله في هذا المعنى: (يأباني جيدهُ وآبي رديئه)
وقد رأى الأستاذ بداري أن الذوق الأدبي يرجح صدور هذه الجملة عن ابن المقفع لا عن الخليل، لأن أول أديب كبير وكاتب عظيم، والثاني إمام لغوي نحوي. وعندي أن هذه العلة التي ساقها الأستاذ حجة عليه لا له
ذلك أن هذه الجملة وما شابهها وردت للتدليل على شيئين: أولهما: أن ترديد النظر في الشعر والرواية له والإكثار من حفظه، لا تكفي وحدها لخلق الشاعر، بل لا بد له قبل ذلك من الملكة الموهوبة والطبيعة المواتية. قال ابن عبد ربه: كان الخليل ابن أحمد أروى الناس للشعر ولا يقول بيتاً، وكذلك الأصمعي وثانيهما: أن قرض الشعر والنفوذ إلى أسراره والتفطن لمواضع الجمال فيه، لا يُنال بحفظ متن اللغة ودراسة العروض والقوافي وعلوم البلاغة. قال ابن رشيق في العمدة: أن أهل صناعة الشعر أبصر من العلماء بآلته: من نحو وغريب ومثل وخبر وما أشبه ذلك، ولو كانوا دونهم درجات فكيف إذا قاربوهم أو كانوا منهم بسبب. قيل للمفضل الضبي: لم لا تقول الشعر وأنت أعلم به؟ قال: علمي به هو الذي يمنعني من قوله؛
وأنشد:
وقد يقرض الشعر البكئ لسانه
وتعي القوافي المرَء وهو أديب
وقال الأصمعي:
أبي الشعر إلا أن يفيء رديئه على، ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتني إذ لم أُجد حوك وشيه ولم أك من فرسانه كنت مفحما
وفي ديوان الصبابة: أن ابن دقيق العيد قال لابن سيد الناس: قل لعلماء المعاني والبيان والبديع: أتحسنون أن تقولوا مثل قول المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفه لي وأنثني وبياض الصبح يغري بي
فإن قالوا لك: لا. فقل إي فائدة فيما تصنعون. (يريد: أن العمل غير العلم)
فواضح أن الغرض من الجملة السابقة المنسوبة للخليل وابن المقفع: بيان أن الشعر لا يملك بالرواية ودراسة العلوم وجمع اللغة، وإلا لكان الأصمعي والمفضل وإضرابهما أشعر خلق الله! بل لما كان أحد أولى من الخليل بالشعر وهو واضع العروض نظام الشعر وسلك القافية! ونسبتها إلى الخليل أولى من نسبتها إلى ابن المقفع حتى تقوم الحجة على أن اللغة والنحو والصرف والعروض وسائر العلوم اللسانية وما يتصل بها - وهي من سمات الخليل البارزة - لا تجعل غير الشاعر شاعراً. وأما ابن المقفع فكان أديباً كاتباً كما قال الأستاذ، لا راوية ولا عالماً بالمعنى الاصطلاحي، فالتمثيل به في هذا السبيل لا يكون ظاهراً ظهوره في الخليل، لأن الكتابة والشعر يفيضان من نبع واحد، والعلم شيء وراء ذلك
وإذا صح ورود هذه الكلمة عن ابن المقفع فلا يفهم منها أنه لا يحسن قول الشعر، فالحق أن له شعراً جيداً - وإن قليلاً - ومعروف أن مقطعات الكتاب أرق وأعذب من شعر الشعراء الخلص، ولكن المراد أن الشعر لا يواتيه كما يواتيه النثر، فقصر همه على ما هو أجدى عليه

