كتبت مجلة الأزهر في جزء المحرم سنة ١٣٦٢ مقالاً في ذكرى الهجرة، فرقت فيه بين النبوة والعبقرية، فذكرت أن النبوة روح إلهية تتجلى معها قوة الحق في أروع مظاهرها، فتؤيد القائمين بها خرقاً للسنن الثابتة، ونقضاً للعادات المقررة، فيدرك الناس أنهم إزاء إرادة إلهية لا يقف في طريقها حائل، ولا تثبت في مقاومتها القوة. أما العبقرية فهي هبة ليس للقوة العقلية أثر في إيجادها، تعجز عن مجرد حمل الناس على تقدير ما تأتي به، حتى إن أكثر العباقرة عاشوا غير مقدرين، ولم يفهم الناس جلالة ما أتوا به بعد أن ماتوا بعدة قرون، ثم بنت على هذا أن نجاح الدعوة الإسلامية لم يكن فيه أي أثر للعبقرية، وإنما كان معجزة عظيمة جعلها الله دليلاً على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ومجلة الأزهر تقصد بهذا أن تهدم الأساس الذي قام عليه كتاب عبقرية محمد للأستاذ العقاد، مع أن هذا الأساس لا شئ فيه من جهة الدين، وقد بنيت عليه قبل ظهور ذلك الكتاب
مقالاتي في السياسة الأسبوعية - أثر السياسة النبوية في نجاح الدعوة الإسلامية - فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مع الوحي مجال فسيح يعمل فيه كانسان، فيجتهد في بعض أحكام الدين، وينظر في أمور الدنيا، ويبحث ما يعرض له من مسائل السلم والحرب، وقد أظهر في ذلك المجال براعة عظيمة تشهد له بكمال العبقرية، ومع هذا كان يدركه فيه ما يدرك كل إنسان، فيلفته الله إليه، ويهديه إلى ما ينبغي أن يعمل فيه، وكل هذا جاء به القرآن الكريم، وتشهد به كتب السيرة والأصول. ولعل مجلة الأزهر تتوهم أن التسليم بهذا قد يجر إلى التسليم بأن ذلك النجاح كان للعبقرية وحدها، كما يزعمه بعض أعداء الإسلام، ومثل هذا التوهم الخاطئ هو العقبة الآن
في سبيل كل إصلاح.

