الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 172 الرجوع إلى "الثقافة"

١ - نزعة صوفية، ومزاج رمزى

Share

كان لى صديق - رحمة الله عليه - له نزعة صوفية ومزاج رمزى ، كان لا يرى الأشياء كما يرى ، بل يرى كل شئ رمزا لمعنى . وكان لا يسمع كما نسمع ، بل كانت كل كلمة يسمعها توحى إليه بمعان تنسجم مع نزعته ومزاجه .

كنت أسايره مرة فى شارع من شوارع الإسكندرية ، فطلع علينا فجأة بائع جرائد يقول : " البصير ، البصير " . فقال صاحبي : " سبحانه وتعالى " . وأسمعته يوما أبياتا لأبى تمام ، حتى إذا وصلت إلى قوله :

وأمجدتم من بعد إنهام داركم

                فيا دمع أمجدنى على ساكنى مجد

استعادنى البيت ، ثم رأيته يكرره حتى دمعت عيناه ، وقص على فى اليوم التالى أن البيت ظل عالقا بذهنه حتى شطره وخمسه وسبعه ، ولم يذكر لى أى المعانى رمز إليها هذا البيت حتى بعثته على ذلك كله .

وله فى ذلك طرف كثيرة لا أطيل بذكرها وسميت ذلك مزاجا لأن هذا النموذج من الناس أقرب إلى أن يكون خلقة من أن يكون اكتسابا ،

وإلى ان يكون استعدادا فطريا من أن يكون تعليما ومرانا . هذا المزاج لا بد من قدر منه للشاعر والموسيقى والفنان والصوفى ، وإن اختلف حظهم منه واختلفت نواحى تلقيهم وأدائهم .

هؤلاء كلهم يرون أن الدنيا كلها جمال مقنع ، فلا بد أن تكشف القناع لترى الجمال ، وأن حقائق العالم مستورة ، وأن مظاهره ليست إلا أعلاما يستدل بها على خطاياه ، وأن قيمة العالم فى باطنه ، وليس ظاهره إلا رمزا له ، وأن الجمال المكشوف ليس جمالا ، والحقيقة العارية لا تلذ النفوس  الكبيرة ، وأن البحث عن الحقيقة ألذ من الحقيقة نفسها ، وأن جمال الجميل فى بعده ، تنظر إليه وكأنك لا تنظر ، وتقرب منه وكانك لا تقرب ،

ومعالجته يقبض أن تكون من جنس طبيعته تدل عليه وكانك لا تدل ، بالرمز وبالايماء ، وباللهجه تجعلك تسبح فى خيالك ، وبالإشارة تستدل بها على الطريق يجهدك ؛ ومن أجل هذا كان الفرق بين تعبير العلم وتعبير الشعر والموسيقى والتصوف . فتعبير العلم واضح محدود ، يفهمه الناس بوضوح ، ويفهمونه على السواء متى تحقق شرط الذكاء . أما الشعر والموسيقى والتصوف فتعبير فى غير استقصاء ، ورمز في غير جلاء ، كل يرمز بما يهوى ،

وكل يفهم كما يشاء ، حسب مزاجه وظروفه ونفسيته . ومن أجل هذا أيضا كانت اللغة أداة طبيعة للعلم ، وأداة مسكينة للفن والتصوف .

يقول فى ذلك ابن الفارض في نائبته الكبرى :

وثم أمور تم لي كشف سرها

             بصحو مفيق عن سواى تغطت

وعسى بالتلويح يفهم ذائق

             غني عن التصريح الممسك

بها لم يمنح من لم يبح دمه وفي ال

            اشاره معنى ما العباره حدث

وهو معنى جميل فى أسلوب غير جميل .

لقد مالت بعض الأديان القديمة إلى هذه النزعة الزمزية ، كما ترى فى ديانه قدماء المصريين بصورهم ورموزهم ،

وفى ديانة قدماء اليونان بأساطيرهم ، وعند قدماء الهنود فى قصصهم وعبادتهم .

ولكن يظهر أن الاسلام لم يمل إلى هذه النزعة ، وخاصة فى أيامه الأولي ، كما لم يمل إليها دعاة الاصلاح الدينى فى النهضة الأوربية ، ومع هذا لم يخل أهل دين من الأديان منها حسب مزاج معتنقيه ؛ فكان فى النصرانية وضربون ومتصوفون ؛ وكان فى الاسلام هذا النزاع الحاد بين الفقهاء والصوفية ، وبين أهل الشريعة وأهل الحقيقة ، وأهل الظاهر وأهل الباطن ، وأهل العقل وأهل الذوق ؛ وكلها ألفاظ تعبر عن شئ واحد ، وهو أن هناك مزاجا يميل إلى العقل

والاقتصار على التصريح  , وأن لا شئ وراء ظاهر القرآن وظاهر الدين ، وأن هناك مزاجا رمزيا لايرى الاقتصار على الظاهر ، وأن وراء كل ظاهر باطنا ، وأهم من العقل الذوق ، ووراء الشهورات خفيات ، ووراء التفسير التأويل .

هؤلاء الرمزيون يعتمدون على قلوبهم أكثر مما يعتمدون على عقولهم ، وعلى أذواقهم أكثر من منطقهم ، وعلى خيالهم وإلهامهم أكثر من تفكيرهم ، وعلى عواطفهم أكثر من مقدماتهم ونتائجهم ، وعلى حبهم أكثر من بجوثهم .

قلت لصاحب هذا يوما : إن الحب يفسد الحكم ويعمي ويصم .

قال : إنك لا تدرك الحق إلا بالحب . ألا ترى أن الأم أعرف الناس بأبنائها ، لأنها تعرفهم بعاطفتها وذوقها وحبها ، على حين أن غيرها يعرفهم بعقله وإن شئت فقل يجهلهم بعقله ؟ او لا نرى أن الشاعر يتخير بذوقه محوره وكلماته وقافيته وصوره ، فاذا حكم فيها العقل وحده لم يدرك جمالها ولم يتذوق حسنها ؟ إلى ذوقنا الذى نعتمد عليه فى إدراك موسيقى الشعر ونغماته وجماله هو الذى يجب أن نعتمد عليه فى إدراك موسيقى العالم ونبضانه وجماله - ألا

ترى الأحلام اللذيذه كيف تنبعث فى ظلام الليل الحالك فتلعب ألعابا سارة وتتقدم بصور جميلة ترمز بها إلى حقيقة تاريخ الانسان وما جرى له من أحداث وما تعلق به قلبه من أمانى ومخاوف ؛ كذلك الانسان الصاحى إذا وهب القدرة على فهم الرموز يرى الحياة صورا رمزية جميلة متعاقبة متلونه ترمز إلى حقيقة العالم ومراميه .

قلت له : إن الفهم عن طريق الرمز مسألة شخصية ذوقية لا يمكن ضبطها ولا الاشتراك فيها ; فكل يفهم من الشئ رمزا لمعنى قد لا يوافقه فيه الآخر ، فقد يفهم أحدهم البحر رمزا للعظمة والسلطان ، وقد يفهمه آخر على أنه رمز للغيظ وثوران الغضب ، وقد يفهمه ثالث على أنه رمز للخطر  

الحدق . ذلك أن للشئ صفات متعددة ، و كل صفة ترمز لمعنى ، فأى المعانى يراد ؟ ثم هذا أمر وليد الخيال  لا حد له ، فقد بعمن حتى يأتى بالأوهام ويكون شأنه شأن التشائم الموسوس ، كالذى يحكى من ابن الرومى انه خرج من داره فرأى حانوت خياط قد صنعت درفتاها كهيئة لام ألف ورأى تحتها نوي تمر ، فقال إن هذا يرمز إلى أن " لا تمر " وكان بعض العابثين يقرع عليه الباب فيقول : من الطارق ؟ فيقول : " مره بن حنظله " فيئشاءم من ذلك يومه ولا يخرج من بيته ؛ وكالخيالات التى تبعها الخمر أو الحشيش أو الأفيون ، فيخلقون دنيا غير دنيا الناس ،

وبتخيلون فيها ما يضحك وما يبكى ، ويعتمدون فى كل ذلك على خيالهم الخادع ووهمهم الكاذب ؛ فلو أقررنا هذه الدلالة الزمزية أفسدنا التفاهم . ألا ترى أن من يعتمدون على اللغة وعلى منطق العقل يسهل تفاهمهم ، لأن لألفاظ اللغة معانى محدودة لا يتسرب إليها الخطأ إلا من طريق الجهل ؛ والعقل له منطق محدود وشروط معينة يعرف بها وجه الخطأ والصواب - أما طريقتكم الرمزية والذوقية فلا ضابط لها ، ومن أجل هذا صعب فهم كلام الصوفية ، لان صاحبه

يعبر عن ذوقه هو ومواجيده هو ، فلا يفهمه إلا من منح ذوفا كذوقه ومواجيد كمواجيده ، ولا يشاركه فى فهم رموزه إلا من كان فى حالة مزاحية تشبه حالته . فالمعقول - إذا أنتم أردتم التفاهم - أن تستعملوا القدر المشترك بين الناس من اللغة والمنطق ، وإلا فلا تستعملوا اللغة .

إنكم باستعمالكم اللغة أفسد نموها برموزكم ، فأخذتم كلمات الخمر والحب والغزل المعروفة المتفاهمة ، ووضعتموها لأشياء صوفية رمزية لا ضابط لها فكانت غامضة الدلالة ، ومن تصدى لشرحها وقع فى نفس الغموض الذى وقع فيه أصلها . ذلك لانكم استعملتم اللغة فى غير ما وضعت له ، وأطلقتم لخيالكم العنان فجعلتم الألفاظ والأساليب ما لا تطيق ، فلا أنتم عبرتم عن انفسكم تعبيرا صحيحا ولا انتم تركتم اللغة من غير إفساد .

تبسم ضاحكا من هذا القول وصمت قليلا ثم قال : إن كلا من العقل والذوق والعاطفة والخيال له حالة يكون فيها صحيحا سلما وحالة يكون فيها مريضا ؛ فالعقل قد يمرض فيكون جنونا ، والذوق قد يمرض فيجد الحلو مرا ، والعاطفة قد تمرض فتغلى أو تبرد ، والخيال قد يمرض فيكون وهما . فاعتمادنا على الذوق كاعتمادكم على العقل ، كلانا يعتمد على صاحبه فى حال صحته ، والذوق إذا صح أرشد إلى خير مما يرشد إليه العقل . وأين التفاهم والاتفاق فى عقولكم ؟

ها أنتم تخضعون للعقل فانظروا مصيركم ، هل يتفاهم عقلاؤكم؟ وهل تتفقون في مجالسكم واحاديثكم وتصرفاتكم ؟ إن لكل إنسان عقله كما أن لكل إنسان ذوقه ، وهل تظن ـن العقل ـداة صالحة لفهم الحقيقة ؟ وما هذا العقل الذى تمجده ؟ إنه خادم الغرائز والشهوات ، انه ليس الا منظما لحياتنا اليومية ، إنه ليس قائدا لسلوكيا ، إنما هو تابع لأغراضنا ، إنه يخدم الحق والباطل ؛ والمحاميان فى قضية واحدة يجدان منطقا يخدم مطالبهما المتناقضة . لولا الذوق

والعاطفة يلطفان من حدة العقل فى هذه الحياة ما صلحت . ما الوطنية وما القومية وما حب الآباء لابنائهم ؟ إن سخافات فى نظر العقل المجرد ، ولكنها محكم الدنيا وتسير العالم . الفرق بينها نحن الصوفية وبينكم أنتم العلماء أننا نعتمد على نفوسنا وتعتمدون على حواسكم ، نطهر أنفسنا ونصفيها فيلمع فيها نور الحق ، وتدورون أنتم حول العلم الخارجى تودون معرفة الحق عن طريق حواسكم ، وهيهات أن تصل الحواس وما يتبعها من عقل ومنطق إلا إلى الظواهر الخارجية . إذا ـردت أن تعرف شيئا فاما أن تلف حواليه وإما ان تتغلغل فيى باطنه ، فالأولى هى طريقتكم والمعرفة بها معتمدة على حواسكم ، وتقويمها راجع إلى مشتهياتكم ، ومحدود بزمانكم ومكانكم وظروفكم أما طريقتنا نحن فتجلية مرآة نفوسنا حتى تنطبع فيها الحقيقة

مجردة عن الزمان والمكان والظروف والتشهى ، إنا نعتمد على البصيرة وتعتمدون على البصر ، إنكم بحواسكم عددتم الأشياء حسب مظاهرها ، ونحن وحدنا الأشياء حسب حقيقتها ، فالخلاف بيها فى العرض لا في الجوهر ، فالحقيقة واحدة والأشكال متعددة ، وربما صدكم التعدد عن رؤية الواحد ؟ وليست الشرور والرذائل إلامظاهر عارضة للحقيقة الواحدة ، وليس هناك في الحقيقة تقسيم لخير وشر و ... وإلى هنا اندفع فى قوله وشطح فى تفكيره ، فكاد يغيب عن وعيه ، ولم أفهم ما يقول ، وأبعد فى رمزه فلم اتابعه فى سيره ، وانتهزت أول فرصة أرده فيها عما لم افهم إلى ما أفهم .

ثم كان قد أداه مزاجه الرمزى هذا إلى أن يفهم بعض النصوص الدينية على انها تلويح لا تصريح ورمز لا تقرير ، وسأقص بعض آرائه فى هذا الموضوع فيى المقال التالى إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية