الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 648الرجوع إلى "الثقافة"

٢٤ - خاطرة

Share

اشتريت هذه الأيام مبردا كهربائيا ؛ فأصبح في ميسورنا دائما أن نجد الماء البارد والأكل البارد والفاكهة الباردة ميسرة سهلة ، ولا أدري لم امتزج عندي الشعور باللذة منه بالشعور بالخوف ؛ وربما كان ذلك الخوف راجعا إلى أن اللذة الكبيرة تستدعي الإفراط إلى حد الضرر . وشئ آخر ، وهو أني أكره لأولادي أن تيسر لهم الحياة تيسيرا يفقد قوة المقاومة ، وقد كان هذا رأيهم في كل حياتهم . فقد تعلموا في رياض الأطفال وهي يسيرة سهلة بجانب كتاتيبنا ، وعودوا فيها الليونة والنعيم ، بدل ما كنا نلقاه في كتاتيبنا من الشدة والشقاء ، وركبوا السيارة المريحة السهلة بدل أن كنا نسير من الأزهر إلى بيتنا على أرجلنا نحوا من ساعة كل يوم صباحا ومساء . ووجدوا الأكل الطيب كلما اشتهوا ، وكنا لا نجد الأكل الضروري إلا بعناء .

وقد كنت نتاج ذاك الشقاء . فماذا يا تري يكون نتاج هذا النعيم !.

إني أخشى على الفتي من أن يجد كل مطالبه ميسرة ، وأن لا يتعود اجتياز العقبات التي تكون في طريقه . ورأيت في تجارب حياتي كيف فشل أكثر أولاد الأغنياء لشدة ترفهم و نعيمهم ، وفاز عليهم البؤساء الأشقياء .

وقرأت أن الامبراطور غليوم ملك ألمانيا السابق ، كان يفرض على نفسه كل يوم وقتا يقطع فيه الأشجار ويكسر الأخشاب ، احتفاظا عنده بقوة المقاومة إذا جد الجد .

هذا ما خشيته من المبرد الكهربائي ، والله يحمينا ويحمي أولادنا من ضرره ، كما يحمينا من أضرار كل المخترعات الحديثة التي تسهل الحياة وقد تتلف الناس .

اشترك في نشرتنا البريدية