الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 652الرجوع إلى "الثقافة"

٢٥ - خاطرة

Share

يعجبنى تعبير انجليزى لا أعرف له نظيرا في اللغة العربية ، وهو ما يمكننا ان نترجمه ب ) حوض اللذة ( ، ويعنون به . استعداد النفس للذة .

والذى ألاحظه أن حوض اللذة على حد تعبيرهم واسع عند الطفل والجاهل ، ضيق عند الكبير والعالم ؛ فالطفل يتلذذ جدا بقطعة من الحلوى وبالثوب الجديد . وقد شاهدت ذلك فى نفسى فكنت كثير اللذة بفطيرة اكلها فى الصباح وبشجرة بجوار ساقية أجلس تحتها ، وأقرأ وأغنى بعض القصائد ، ويعجبنى صوتى إذا غنيت ، وأفرح جدا بقرش يعطينيه أبى وبمائة وخمسين قرشا تعطينيها مدرستى كل شهر ، ويعجبنى منظر البحر إذا رأيته ومنظر الجبل إذا مشيت فيه ، وأتلذذ جدا من كتاب اشتريه ، وأفرح برمضان إذا أتى ، وبالعيد إذا أقبل ، وأحتفل لهما كل الاحتفال

وهكذا أرى الجاهل " واسع حوض اللذة ؛ فهو يتلذذ من أكلة فخمة ، ومن ثوب جديد ، ومن نكتة رائعة ، وكل اهتمامه بجنيه يربحه ثم ينفقه ، وببيت يشتريه ، وبأكلة يا كلها وثوب يلبسه . وكلما رقى الإنسان وكثر علمه وارتقت ثقافته وكثر تأمله ضاق حوض اللذة عنده . فلا ترضيه أكلة . ولا يلذه منظر ؛ والمتنبى يعبر عن ذلك بقوله :

يقولون لى ما أنت فى كل بلدة ؟

وما تبتغى ؛ ما ابتغى جل أن يسمى

وأوضح من ذلك ما قاله :

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت فى مرادها الأجسام

وها أنذا لما كبرت ضاق عندى حوض اللذة جدا ، فإذا ربحت مائة جنيه لم أتلذذ منها لذتى بالقرش الذى كان يعطينيه أبى ، وإذا نظرت إلى منظر طبيعى لم أتلذذ منه كما كنت أتلذذ فى الماضى ، وإذا نظرت إلى رواية تمثيلية أو رواية سينمائية لم أتلذذ منها كما كنت أتلذذ أيام شبابى ؟ فالطفولة والشباب كانا يضفيان على كل شئ . مما يجعلنا نتلذذ أكبر لذة ونحتمل الألم فى ثبات ، فلما زال الشباب زال كل شئ . وصدق الشاعر إذ يقول :

ما كنت أوفى شبابى كنه عزته

حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع

ولذلك نرى الشباب يضحك من كل شئ . ويسر من كل شئ . وسبب ذلك ما قلنا : من أن حوض اللذة عندهم واسع ، فإذا انقضى ضاق حوض اللذة ، فلم يضحكوا كما كانوا يضحكون ، ولم يطربوا كما كانوا يطربون .

ولست أدرى ، أخير الناس من ضاق حوضه أم من اتسع حوضه أما أرسطو فكان يفضل الإنسان الحزين على الإنسان المرح ، ولذلك كان يفضل المأساة على الملهاة .

أما أنا فقد أوافق أرسطو فى أن الحزين أنفع للناس ، وأكثر خيرا وإفادة ، ولذلك كان أكثر المصلحين من أكثر الناس حزنا ، يحز في نفوسهم ما يرونه من ضلال الناس وفسادهم وظلمهم ، ويعملون جاهدين على اصلاحهم وتقويم معوجهم ، ولو أداهم ذلك إلى الموت . ولكن هؤلاء الحزناء شر على أنفسهم ، فهم دائما قلقون حائرون مضطربون ، فلئن دعوت لنفسى دعوة صادقة ، فإنى أسأل الله أن يوسع حوض لذتى .

اشترك في نشرتنا البريدية