الشهرة هي الآخرى حظ من الحظوظ ، من الصعب جدا إدراك قوانينها المعقدة الدقيقة ، فكما يمنح الشخص رزقا كبيرا وآخر رزقا ضيقا لا لسبب معلوم ، كذلك يمنح الشخص شهرة واسعة ، وآخر لا يمنحها مع استيفائه لكل شروطها ، وإنما :
هو الحظ حتى تفضل العين أختها
وحتي يكون العبد للعبد سيدا
ويشبه الحظ في ذلك ورق الياناصيب ، من مائة ألف أو أكثر ، يشترون هذا الورق ، يكسب واحد أو اثنان ، وقد يكون هذا الكاسب أقل الناس حاجة إلى الكسب . وتجربتنا في الحياة تدلنا على أن للشهرة قاعدة قد تعرف وقد لا تعرف ، فكتاب يطبع ويشتهر ، وكتاب يطبع ولا يشتهر ، وربما كان الكتاب الذي لا يشتهر خيرا ألف مرة من كتاب يشتهر ، ومن المؤسف أن العالم مع تقدمه الكثير في نواح مختلفة من الحياة ، ومع تجاربه الطويلة لم يتقدم كثيرا في فهم قانون الشهرة ، مثله في ذلك كمثل قانون لعب النرد واللعب بالورق ، وقد تكسب من حيث لا تدري ، وقد تخسر من حيث لا تدري .
وحدث متحدث أن رجلا كان محاميا ماهرا ، لم يعرف عنه إلا أنه كان أمينا في عمله ، مخلصا لقضاياه ، ولكن لم يعرف أنه شاعر ، وأخيرا نظم بعض الشعر وعرضه على صاحب جريدة ، فاشترته منه بخمسين دولارا ، ولكن ما لبث هذا الشعر أن اشتهر وراج ، وباعت الجريدة منه ثمانية آلاف نسخة على حساب هذا الشعر ، ثم طبعته في كتيب وحده وكسبت منه آلاف الجنيهات ، ولم يكن هو ولا الجريدة يتوقعان شيئا من هذا الرواج .
وتنظر حولك ممن اشتهروا لظروف خاصة ، فتجد شهرة
كاذية وهم لا يستحقون شيئا منها ، بينما غيرهم من المغمورين أقوم منهم . وقد منح بعض الناس قدرة على التهويش والعمل على الشهرة ، فاسمهم في كل جريدة وعلى كل لسان ، وإذا تحركوا حركة أو سعلوا سعلة طنطنوا بها ، بينما الآخرون يعملون عملا عظيما ويتركونه للقدر فلا يشتهرون .
ونصيحتي لك أيها الناشئ ، ألا تقصد إلى الشهرة ، بل دعها تأتي عفوا من غير قصد ، واقصد إلى الجودة أكثر مما تقصد إلي الشهرة ؛ فإن أنت الشهرة فيها وإلا فإلي جهنم . ومن الشاهد أن الشهرة لا ترتبط بالإجادة ، ولا بالعلم الواسع ، ولا بالفن الدقيق ، ولكن بأشياء أخري قد نعلم بعضها ولا نعلم أكثرها . وبالأمس مررت على صيدليتين . إحداهما مشهورة ضيقة الحجم ، تكسب كثيرا ، وبجانبها صيدلية اخري أكبر منها حجما وأكثر أدوية ، ولكنها لا تكسب شيئا ، وقديما دخل أعرابي السوق فلم يريح شيئا ، ووجد من ليس له استعداد كبير وهو يربح الربح الكثير ، فقال : الحمد . يلحنون ويربحون ، ونحن لا نلحن ولا نربح ؛ ظنا منه ، خطأ ، أن اللحن مرتبط بالربح . ولكنها في آخر الأمر حظوظ . وكم سكن حي الدقي رجال عظماء كعبد الخالق باشا ثروت وأمثاله ، ولكن لم يشتهر الحي إلا بحي العجوزة ، ومن هذه العجوزة ؟ لست أدري . وإلى الآن لا يزال عمر افندي بدكانه الصغير يتغلب اسمه على أوروزدي بك ببنائه الكبير ، ولا يزال أوروزدي بك يتمسح باسم عمر افندي ، وكم في الدنيا من أمثال هذا ، وكما قال ابن الرومي :
إن للحظ كيمياء إذا ما مس كلبا اصاره إنسانا

