اليوم كانت الريح شديدة، وكنت في الإسكندرية وسلمني ساعي البريد خطابا استسخفته فمزقته وألقيته في مهب الريح، ثم وقفت أتأمل فرأيت عجبا .
قصاصات حملتها الريح فطارت سريعا لا تعرج على شئ، وما زالت تجري حتى غابت عن عيني .
وقصاصات جرت كثيرا ثم اصطدمت بحجر فوقفت عنده تحاول الهرب منه فلا يمكن، لأن الريح تدفعها من خلف والحجر يصدها من الأمام، فوقفت في منتصف الطريق .
وقصاصة ثالثة ما بدأت أن تتحرك حتى اصطدمت بقشرة بطيخ فلصقت بها ؛ فلا هي قادرة على التخلص منها لتسير إلى الأمام، ولا هي قادرة على الرجوع بفعل الريح . وهكذا ورقة واحدة تقسمتها الأقدار ولعبت بها الظروف .
فقلت : أليس كذلك الناس في الحياة ؟ من أب واحد وأم واحدة ، وبعضهم يسير قدما في الحياة لا يقوي على شئ حتى يصل إلى النهاية المحتومة، وبظن لغفلته أنه إنما وصل إلى ما وصل إليه بجده وسعيه ؛ مع أنه لا يفوق غيره في شيء، وإنما خدمته الظروف فخلت الطريق أمامه .
وآخر يسير نصف الطريق فيصطدم فيقف حيث كان؛ لا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر، ويري غيره قد سبقه
فيظن أنه إنما سبقه لكفاية فيه، وليس كذلك، وينظر فيرى من هو متخلف عنه فيحمد الله على ما كان .
وثالث لا يلبث أن يبتدئ فيتعثر ، فلا يستطيع أن يصل حتى إلى من وقف في منتصف الطريق، ومع ذلك قد ينظر فيري أنه أحسن صحة من السابقين أو اكثر عقلا أو نحو ذلك، فيقول مع القائلين :
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاء مرزوة
هذا الذي ترك الأذهان حائرة وصيَّر العالم النحرير زنديقا
وهكذا يكفر بالحظ ولا يستطيع أن يجد الحل . هذه أوراق متشابهة جدا، ومصايرها مختلفة جدا .
وهكذا شأن الدنيا : غني يكسب ورقة اليانصيب مرة ومرتين، ومحتاج لا يكسبها. وأذن ولا حلق، وحلق ولا أذن. وصحة ولا مال، ومال ولا صحة، وامرأة غنية وهي عقيم، وامرأة فقيرة وهي ولود، ومثرية قبيحة، وجميلة معدمة، ونور للعميان، وظلام للمبصرين، والله بالسر عليم .
هل يستطيع صاحب المنطق الوضعي ان يكشف عن هذه الأحوال ؟

