قد بينا في كلمتنا السابقة أثر الابل في اللغة حقيقيها ومجازيها ، مفردها ومركبها . والان لنأخذ في نبيان اثرها في تسميتهم بأسمائهم ، وفي ايمانهم واقسامهم ، وفي أمثالهم وحكمهم .
أما أثرها في أسمائهم فقد يجد الباحث أمثلة كثيرة اشتقها العرب من الابل وما يمت إلى الابل بسبب . وصاغوا أسماءهم من ألفاظ وضعت أولا على الابل واستعملت استعمالا خاصا بها ، ثم نقلت بعد ذلك إلى التسمية
من ذلك ) مصعب ( فاشتقاقه من الفحل من الابل يترك للضراب ولا يستعمل ، فيقولون فل مصعب وصعب ، وقد سمت العرب صعبا ومصعبا
و ) بكر ( اشتقاقه من البكر وهو الفتي من الابل و ) عقيل ( من قولهم عقلت البعير اعقله فهو معقول وعقيل ، إذا ثنيت إحدي يديه لززت الوظيف إلى العضد
و ) الأحب ( وهو من ولد تيم بن مرة . فاشتقاقه من قولهم : أحب البعير يحب إحبابا ، إذا يرك فلم يتحرك ، والإحباب في الابل مثل الحسران في الخيل
وبنو خزيمة بن لؤي يعرفون بامهم عائذة بنت الخمس ، والخمس ورد من اوراد الابل ، وهو ان ترد يوما ثم ترعي ثلاثا ثم تطلب الماء يوما وترد في اليوم الخامس
ومن رجال بني جمح عثمان بن مظمون . واشتقاق مظمون من بعير مظمون إذا شد عليه الظعان والظمان حبل يشد به الهودج على البعير ، وبه سميت الظمينة . ولا تسعى المرأة ظمينة حتى تكون في هودج ، ثم كثر ذلك في كلامهم حتى لزم المرأة اسم الظمينة
ومن ذلك قالوا ظمن القوم إذا ارتحلوا .
واشتقاق ) خديجة ( من قولهم خدجت الناقة واحدجت إذا القت ولدها ناقص الخلق . ومنه الحديث " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج " .
ومن رجالهم ربيعة بن مقروم الشاعر الجاهلي الاسلامي . فأما مقروم فاشتقاقه من قولهم قرمت البعير اقرمه إذا حززت اعلي انفه ثم عطفت الجلدة حتى نجف فيقع الجرير عليها ، فالبعير مقروم . وأما المغرم والقرم من الابل فالفحل الذي لا يبتذل ولا ركب والجمع قروم ، وبذلك سمي السيد قرما .
ومن رجازهم ) القلاخ بن حزن ( والفلاخ اشتقاقه من الفلخ ، وهو ان يردد الفحل صوته في جوفه ، يقال قلخ البعير يقلخ قلخا .
ومن رجالهم ) الحجاج بن علاط ( وهو الذي جاء بفتح خيبر إلى مكة واسلم . واشتقاق علاط من علطت البعير اعلطه إذا وسمته في عرض خده او في عنقه.
ومن رجالهم صهيب بن سنان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعرف بصهيب الرومي ، وكانت له قدم في الاسلام ، وامره عمر رضي الله عنهما ان يصلي بالناس في أيام الشوري حتى يجتمعوا على رجل
وصهيب تصغير اصهب والصهبة من الوان الابل بياض يعلوه شبيه بالصفرة ؛ وبذلك سميت الخمر صهباء .
وغير ذلك من الأمثلة التي نشاهدها في كتب اللغة وكتاب الاشتقاق لابن دريد والمخصص لابن سيده
أما إذا أردنا الوقوف على سر هذه التسمية فهو سر قائم على قانون ثابت وأسس واضحة بينة . فان لأسماء الأعلام تاريخا طويلا في علم العمران ، وهي تختلف صورة ومعنى باختلاف الأعصر وباختلاف الأمم . فكل أمة تختلف التسمية فيها عما في سواها ، وتختلف في الامة
الواحدة باختلاف ادوار تمدينها . على انها في كل دور تقتبس مما يقع في النفس موقع الاعتبار من الكائنات على اختلاف طبقاتها ، فتختار من أسمائها ما يلائم عاداتها ومعتقداتها . فإذا تدينت انتسبت إلي الإله او الآلهة ، سواء اكانت تلك الآلهة اجراما سماوية أم حيوانات أم أصناما أم غير ذلك .
اما قبل التدين أو في حال البداوة الخشنة فالغالب أن يختار الناس لابنائهم اسماء ما يعجبون به او يخافونه من الأجسام الطبيعية ولا سيما الحيوانات ؛ وذلك على ما يتوسمونه في المولود من القوة أو الشجاعة أو الدهاء او الدعة أو الخوف ، فيختارون اسم حيوان فيه مثل هذه الطباع ؟ فيسمون الرجل الشجاع بالاسد ، والسريع الوثوب بالنمر ، ويسمون الفتاة اللطيفة بالغزال او الحمامة ، أو الجميلة بالبدر بل البدور .
فتسمية العرب رجالهم بأسماء الحيوانات أو أجزاء الحيوانات وما يتعلق بها امر طبيعي لشدة إعجابهم بذلك الحيوان وتعلقهم به وحبهم له ومشاركته لهم في حلهم وترحالهم ؛ فهي مصدر وحيهم ومهبط إلهامهم ومنبع اشتقاقهم ومعين استمدادهم .
ظل العرب على ذلك في بداوتهم حتى تدينوا فتسموا بالأسماء الدينية . وقد جاء في حديث مسلم : " إن أحب أسمائكم إلي الله عبد الله وعبد الرحمن . ولما تمدينوا تسموا بأسماء الصنائع كالنحاس والكحال والنجار ؛ ولما ضعفت عصبية النسب عندهم تسموا بالنسبة إلى البلاد كالدمشقي والبغدادي والبصري والبخاري .
ويروي الجاحظ في صدد التسمية رأيا لا بأس به وهو ليس ببعيد عما ذكرناه من قبل . . فقد ذكر في الحيوان من الجزء الاول : " والعرب إنما كانت تسمى بكلب وحمار وحجر وجعل وقرد على التفاؤل بذلك من الشدة والصلابة والبقاء والصبر وقال آخر لو كان الرجل
منهم إنما كان يسمى ابنه بحجر وجبل وكلب وحمار وثور وخنزير وجعل على هذا المعنى ، فهلا سمي ببرذون وبغل وعقاب واشباه ذلك وهذه الأسماء من لغتهم ؟ قال الأول : إنما لم يكن ذلك لأنه لا يكاد يري بغلا وبرذونا ، ولعله لا يكون رآهما قط " .
أما الحديث عن أيمان العرب في الجاهلية ، وتأثرها بالابل فالامر فيه عين يسير . من ذلك اقسامهم بقولهم : ) لا والراقصات ببطن مر ( - وبطن مر من نواحي مكة على ليلتين منها ، ويقال له مر الظهران فيه عيون كثيرة ونخل وجميز
ومنه ) لا والذي جلد الابل جلودها ( .
ومن هذا الباب أيضا وهو القسم ما جاء دالا على التصميم إلى الأبد ، فهم يقولون في ذلك :
) لا أفعل ما أبس عبد بناقته ( - والإبساس أن يقول عند الحلب بس بس ، وهو صويت للراعي يسكن به الناقة عند حلبها
و ) لا أفعل كذا حتي يلج الجمل في سم الخياط ( ، قال تعالى : " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " .
و ) لا أفعل كذا ما أرزمت أم حائل ( - أرزمت الناقة إذا حنت ، والحائل الآنثي من أولادها ، أي لا أفعله أبدا
و ) لا افعل ذلك ما اطت الابل ( - أطيطها حنينها - قال الأعشي :
ألست منتهيا عن بحث أثلتنا
ولست ضائرها ما أطت الابل
و ) لا أفعل ذلك ما حنت النيب ( . و ) لا أفعل ذلك حتى يحن الضب في أثر الابل الصادرة ( .
أما أمثالها المستقاة من الابل ومعاطتها ، والنوق ومباركها ، والجمل وشقشقته ، والبعير وحفيظته فحدث
عنها ولا حرج ، فهي ميثونة في مطاوي حديثهم ، ومائلة في خلايا نترهم ، وهاك منها غيضا من قبض ، وطلا من وابل
فان الأمثال مرآة صافية لأخلاق الأمم وعاداتها ، وسجل صادق لميولها وعواطفها ، وصدي دقيق لبيئتها وألوان حياتها ، من ذلك :
إن مما ينبت الربيع ما يقتل حسبطا أو يلم قاله عليه الصلاة والسلام في صفة الدنيا والحث على قلة الأخذ منها ، والقناعة بما يتيسر منها . والحبط انتفاخ البطن ، وهو أن تأكل الابل حتى تنتفخ بطونها ، فتكون عرضة للهلاك ، فهو مثل المفرط الجشع .
) إن نسلم الجلة فالنيب هدر ( ، إذا سلم ما ينتفع به هان ما لا ينتفع به ، فالحلة جمع جليل يعني العظام من الابل والسبب جمع ناب وهي الناقة المسنة .
إنما يجزي الفتي ليس الجمل يضرب في المكافأة أي إنما يجزيك من فيه إنسانية لا من فيه بهيمية .
) أنا جذيلها المحكك ( الجذيل عود ينصب في مبارك لابل تتمرس به الابل الجربي وتتحكك . يريد أنه رجل يستشفي برأبه وعقله .
أخذه برمته الرمة قطعة من الحبل بالية . وأصل المثل ان رجلا دفع إلى رجل بعيرا بحبل في عنقه ، فقيل لكل من دفع شيئا بجملته وفمه إليه برمته .
إذا كنت في قوم فاحلب في إنائهم يضرب في الأمر بالموافقة .
إذا جاء أجل البعير حام حول البير (
) توطن الابل وتعاف المعزي ( أى أن الابل توطن نفسها علي المكاره لقوتها ، وتعافها المعزي لذلها وضعفها . يضرب للقوم تصيبهم المكاره فيوطنون أنفسهم عليها ويعافها جبناؤهم
) الجمل من جوفه يجتر ( يضرب لمن يأكل من كسبه
جاءوا على بكرة ابيهم اي جاءوا جميعا لم يتخلف منهم احد .
والبكرة تأنيث البكر وهو الفتي من الابل . ) الجمل في شئ والجمال في شيء (
حرك لها حوارها نحن الحوار ولد الناقة حتى يفصل ، فإذا فصل عن امه فهو فصيل ، والمعني ذكره ببعض اشجانه يهج لها ؟ وهذا المثل قاله عمرو بن العاص لمعاوية حين اراد ان يستنصر أهل الشام ، يريد منه إظهار قميص عثمان الذي قتل فيه ولطخ بالدم
) حبلك علي غاربك ( الغارب أعلى السنام . وأصله أن الناقة إذا رعت وعليها الخطام القي على غاربها ، لأنها إذا رأت الخطام لم يهنئها شئ
أشرب من الهيم هي الابل العطاش . قال الله تعالى : " فشاربون شرب الهيم " وهو جمع اهيم وهيماء ، من الهيام وهو أشد العطش
) قتل في ذروته ( الذروة أعلى السنام ، وأصل قتل الذروة في البعير هو ان يخدعه صاحبه ويتلطف له بقتل اعالي سنامه حكا ليسكن إليه فيتسلق عليه . ويروي عن ابن الزبير انه حين سأل عائشة الخروج إلي البصرة أبت عليه ، فما زال يقتل في الذروة والغارب حتى أجابته . فقتل في ذروته اي خادعه حتى ازاله من رأيه ؛ بضرب في الخداع والمماكرة .
) كذي العمر يكوي غيره وهو رائع ( إن الابل إذا فشا فيها المر وهو فروح تخرج بمشافر الابل اخذ بعير صحيح وكوي بين ايدى الابل بحيث تنظر إليه ، فثيرا كلها ، قال النابغة :
وكلفتني ذنب امري وتركته
كذي المر يكوي غيره وهو رائع
لا يرحلن رحلك من ليس معك أي لا تستعن إلا بأهل ثقتك
) وقع القوم في سلي جمل ( ، السلي ما تلقيه الناقة إذا وضعت وهي جليدة رقيقة يكون فيها الولد من المواشي إن نزعت عن وجه الفصيل ساعة يولد وإلا قتلته وكذلك إذا انقطع السلي في البطن . يضرب هذا المثل في بلوغ الشدة منتهي غايتها . وذلك ان الجمل لا يكون له سلي ، فأرادوا انهم وقعوا في شر لا مثيل له .
وبعد فهذا بحر لا ساحل له ، ومعين لا ينضب ماؤه غزارة وفيضا .
والآن لننتقل إلي الكلام على أساطيرهم ومعتقداتهم القائمة على الأبل ، وعاداتهم واوايدهم المعقودة بالناقة وفصيلها والبعير وسليله
ومن الضروري لتفسير تلك الاساطير ، والكشف عن سر تلك المعتقدات ان تقدم بين يديها تقدمة تلقي ضوءا على أصل هذه الخرافات ، ومنبع تلك الأباطيل من العادات .
تلك التقدمة هي الحديث عن مذهب الطوطمية Totemiem الطوطم يراد به كائنات تحترمها بعض القبائل الفطرية ، ويعتقد كل فرد من أفرد القبيلة بعلاقة نسب بينه وبين واحد منها يسمي طوطمه . وقد يكون ) الطوطم أو الطوتم ( حيوانا او نباتا أو غير ذلك ، وهو يحمي صاحبه ، وصاحبه يحترمه ويقدسه او يعبده ؟ وإذا كان حيوانا لا يقدم على قتله ، او نباتا فلا يقطعه او ياكله . ففي سبتغمبيا قبائل تنتسب إلى وحيد القرن - فرس البحر - أو إلي العقرب ، أو إلى الثعبان ؛ فكل من هذه الحيوانات يعد طوتما للقبيلة التي تسمى باسمه ، وهي تحترمه وتقدسه ، فلا تؤذيه ولا تقتله .
ولا يقتصر احترامهم للطوتم على تحريم أكله أو إيصال الأذي إليه ، بل كان بعضهم يحرم لمسه أو النظر إليه ؛ ويؤمنون أن الطوتم لا يؤذي صاحبه . فالذين طوتمهم الحية مثلا لا يخافون لسعها ، وعندهم ان الحية
لا تلسعهم . وكذلك قبائل العقرب في سينغمبيا فهم على ثقة من أن العقرب تمر على جسم أحدهم ولا تؤذيه .
على انهم لا يكتفون من الطوتم أن يكف أذاء عن أصحابه أو عباده ، ولكنهم يتوقعون أن يحسن إليهم ويدافع عنهم ، فتعتقد قبيلة الذئاب ان الذئاب تدافع عنها في ساحة القتال .
ومما يتقربون به إلي الطوتم ابتغاء رضاه وحمايته ان يتشبهوا به ، فيقلدوه بشكله ومظهره . ويلبسوه جلده أو قسما من جلده ، او يتخذوا جزءا منه ويعلقوه على اعناقهم او اذرعهم على نحو التعاويذ في الأمم الآخري فلا يخلو فرد من تعويذة تدل على علاقته بطوتم .
والطوتمية منتشرة الآن في العالم المتوحش ، فهي عامة بين قبائل استراليا ، وكثيرة الانتشار في شمالي امريكا وفي بناما ، وللطوتمية شأن كبير في أفريقيا ، فانها شائعة في سينغمبيا ، وعلى شاطئ الذهب ، ولها آثار في مدغشقر . أما في آسيا فلها اثر في أواسط الهند بين بعض قبائل البنغال غير الأربين ، وفي سيبيريا وبعض جهات الصين وجزائر المحيط ، واكثر هذه القبائل ادخلها العلماء في الطوطمية من طريق القياس ، لأنها تقدس بعض الحيوانات او النباتات وإن لم تتسم بأسمائها .
والخلاصة ان الطوطمية تتلخص فيما يأتي :
١ - أن قوامها اتخاذ القبيلة حيوانا او نباتا أو شيئا اخر من الكائنات المحسوسة أبا لها ، وتعتقد انها متسلسلة منه وتتسمى باسمه .
٢ - ان كل قبيلة تقدس طوتمها او تعبده .
٣ - تعتقد كل قبيلة أن طوتمها يحميها ويدافع عنها أو هو على الأقل لا يؤذيها وإن كان الأذي طبعه .
فهذه الظاهر للطوطمية نري كثيرا منها شائعا عند عرب الجاهلية ، في صورة عادات تارة ومعتقدات أخري ، مما يجعل الباحث يميل إلي القول بأن العرب قد مسها طائف من هذا الدور الاجتماعي ؛ فهي وإن
لم تتمسك بالطوطمية بحذافيرها أو تخضع خضوعا كاملا لتقاليدها ، فلا اقل من ان ريحا من العدوي قد هبت عليها وتركت اثارا بها تشاهد حتى الإسلام مما قضى على كثير منها وأبطل جل أساطيرها وعاداتها
ولم يعد هذا غريبا ونحن نعلم أن أبا العلاء المعري - وهو في القرن الخامس الهجري - اخذ عن أهل الهند تحريم أكل الحيوان وما يخرج من الثمرات ؛ وهذا اثر من آثار الطوطمية الهندية ، فان الهندوس في الهند يقدسون البقرة ، ويعدون قتلها - بل مجرد ضربها . جرما لا يغتفر ، بل إن العصيان الهندي الكبير الذي حدث في القرن التاسع عشر كان من اسبابه تلك الخراطيش التي أشيع انها مطلية بمزيج من دهن البقر وشحم الخنزير . والبقر مقدس عند الهندوس ، والخزير نجس عند
المسلمين ؛ فامتنع كثير منهم عن استعماله ، وثاروا وأهانوا ضباطهم . والهندوس يقدسون خمسة منتجات في البقرة : وهي اللبن والسلى واللبن المتجن والروث والبول ، بل هم يزعمون ان البقر ملائكة سخط الله عليها ، فجعلها في الأرض ، وكانوا يلطخون الابدان بإخثائها ويغسلون الوجوه ببولها ، ويتبركون بها في جميع أحوالهم .
وللعرب اوايد في جاهليتهم قائمة على الابل يسهل تفسيرها ويعقل تعليلها إذا رددناها إلى مذهب الطوطمية . من ذلك :
البحيرة والسائبة والحامي وحبس البلايا وإغلاق الظهر والتممية والتفقئة والتصفيق . كل هذا سنتحدث عنه في مقالنا التالي .

