الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 38 الرجوع إلى "الثقافة"

٢- أركان الأساوة، للكشف عن الجراثيم

Share

مضت مئتان وخمسون عاما منذ طلع على الناس تاجر أقمشة هولندية مغمور باكشافه العجيب عن ازدحام العالم المحيط بنا بجراثيم لا عذر لها ولا حصر . وما لبث تاجر الأقمشة أن أهمل شئون تجارته إهمالا كبيرا ، منصرفا عنها إلى هويته - صنع العدسات وشطفها - فتوصل بعد جهد جهيد إلى تكوين ميكرسكوب من عدساته ، ثم أخذ يفحص تحتها بعض أجزاء دقائق الكائنات ، كسيقان الحشرات ، وقطع صغيرة من شعرات الانسان ، وذبان النحل واليعاسيب . وحدث بينما كان يفحص نقطة من المياه تحت ميكرسكوبه ، إذ تبين عالما جديدا غاصا بالميكروبات المختلفة الأشكال والأحجام ، وهى تروح وتغدو وتضطرب فى نطاق هذه النقطة المائية بسرعة عجيبة . لقد اكتشف التاجر الهولندى الجراثيم وإن

لم يكن يعلم بالدور العظيم الذى تلعبه هذه الكائنات الدقيقة فى حياة الإنسان وما يتصل به من داء ودواء .

وبعد مضى قرن على هذا العهد ، واصل قس إيطالى دراسة ما كشف عنه تاجر الأقمشة الهولندية . ولكن لويس باستير Pasteur هو الذى توصل فى النهاية إلى الكشف عما أحاط الجراثيم من غموض .

ولد باستير عام ١٨٢٢ وما لبث بعد دراسة الصيدلة أن ذاع صيته فى عالم الكيمياء ، وسرعان ما عين أستاذا لهذا العلم فى إحدى مدن فرنسا المشهورة بصناعة البيرة . وما هى إلا عشية أو ضاحها حتى طلب إليه أصحاب معامل البيرة أن يفسر لهم سبب فساد بعض هذا السائل فى الدنان وعدم تحول المادة السكرية إلى كحول . فبحث باستيركمية من البيرة الموجودة فى الدنان السليمة ثم بحث كمية أخرى من البيرة الموجودة في الدنان الفاسدة ، فوجد فى بيرة الدنان السليمة كميات كبيرة من كروبات صفراء ، وهى الظاهرة التى تحدث عند عملية التخمر وتحول المادة السكرية إلى كحول ؛ وكانت هذه الكرويات متجمعة أحيانا وأحيانا مشتبكة على هيئة سلسلة وأحيانا تبدو كأن بذورا أخذت تتفتح وتنمو من جوانبها ، أما فى محتويات الدنان الفاسدة فقد وجد شيئا قليلا جدا من الكروبات أو هو لم يجد لها أثرا بينما وجد ملايين من الحيوانات الدقيقة على شكل عصى أو قضبان ميكروسكوبية . وعظمة باستير تنحصر فى تفسيره لهاتين الظاهرتين ، فقال إن الخميرة فى الدنان السليمة حية وهى ماضية فعلا فى عملية الاختمار ، فالكائنات الحية الدقيقة هى سبب التخمر ، فإذا أعدمت الخميرة وقفت حركة الاختمار .

أما الحيوانات الموجودة بالدنان الفاسدة على شكل قضبان وعصى فهى جرائم فتكت بالخميرة فأصبحت عملية الاختبار ضربا من المحال .

ثم أخذ باستير يصرف جل نشاطه العظيم فى بحوث أخرى ، فبرهن على أن الجراثيم تستطيع الحياة دون حاجة إلى الهواء ، كذلك برهن على أن هذه الميكروبات تستهلك الأكسوجين فى اللحوم فتسبب فسادها وتعقبها وتلاشيها ، ثم جادل بأن هذه الميكروبات تجعل الحياة ممكنة بإبادتها أشلاء الكائنات الميتة ، ولولا هذا لغصت الطرق والازقة بأشلاء الموتى .

وقام غير قليل من الناس يقولون بأن وجود الحراثيم فى المواد المتعفنة الآخذة فى التحليل هو نتيجة التعفن لا علة وجوده . أما باستير فكان مقتنعا بأن الحراثيم تتولد عن الجراثيم وأنها محمولة فوق ذرات التراب فى الجو .

ودلل على هذه النظرية بأن أتى بحساء فوضعها فى قدر على النار حتى غلت ، ليقيم الحجة على أن غليان السائل يقتل ما فيه من الجراثيم ، ثم ترك القدر تبرد بدون غطاء فوجدها تعج بالجراثيم ، كذلك وجد أنه إذا أحكم سد القدر بعد غليها مباشرة ، فإن السائل يظل خاليا من الجراثيم طالما القدر محكمة السد ؛ ثم صعد بحسائه المغلى بعد ذلك إلى قمم الجبال ، وتركها تبرد فى الهواء النقى الخالى من ذرات التراب ، فوجد أنه كلما صعد فى الجبال كان الهواء أنقى وأصفى ، وزاد حظ الحساء من عدم التلوث بالحراثيم . فاستنتج من ذلك ما جعله يصرح بأن الجو ملىء بذرات التراب تضطرب فى فضائه ، وأن فوق هذه الذرات تحمل الجراثيم .

انتنقل باستير من بحث البيرة إلى بحث النبيذ ، فبرهن على أن النبيذ الجديد الاختمار إذا أوقد تحته دون أن يسمح لحرارته بالاقتراب من درجة الغليان قتل ما فيه من الجراثيم

وأمكن الاحتفاظ به دون أن يحمض مهما تقادم عهده . وقد انتشرت هذه الطريقة وأصبحت تعرف بطريقة باستبر ، وهي تستعمل لتعقيم الألبان وحفظها . ثم انتقل باستير من البحث في النبيذ إلى البحث فى دودة القز حتى أنقذها من مخالب الجراثيم التى كانت تفتك بها في جنوب فرنسا . وقد كان باستير من أرباب الدعاية ، فما من شىء وصل إليه عمله حتى نشره على الناس ، إلى أن أصبحت أوروبا ولا هم لها اليوم إلا الجراثيم وما يتصل بها من بحوث .

ولنترك فرنسا الآن وننتقل إلى ألمانيا ، حيث كان أحد الأطباء المغمورين يقوم في إحدى المدن الريفية بتجارب عجيبة ، أما اسم هذا الطبيب فروبرت كوخ Koch . وكان كوخ ميالا للعزلة والاعتكاف ، بقدر ما كان باستير نزاعا للظهور وذيوع الصيت .

أخبر باستير العالم بأن الجراثيم تلعب دورا غير يسير فى تسبب العلل للانسانية ، ولكنه كان يفتقر إلى إقامة البرهان على ذلك . أما كوخ فبحث عن هذا البرهان .

كان أصحاب المزارع فى جميع أنحاء أوروبا يسود عليهم القلق الشديد فى هذا العصر الذى نحن بصدده ، من جراء فتك داء الجمرة الخبيثة بماشيتهم وقطعان أغنامهم ، حتى كانت هذه الدواب تبدو على أتم ما يكون من الصحة فى المساء ، وما يكاد يطلع عليها الصباح حتى تبدو عليها عوارض الداء الخبيث . فحص كوخ تحت ميكروسكوبه عينات مختلفة من دماء الماشية والأغنام التى قتلها داء الجمرة الخبيثة ، فوجد فى دمائها مجموعات كبيرة من جراثيم على شكل العصى ، كل واحدة مشتبكة بالأخرى ، وليس لها مفاصل تربط بعضها ببعض ، فأخذ يتساءل عما إذا كانت هذه العمى هى مسببات الداء الفتاك ، وهل هى حية أم لا . عمد كوخ إلى البحث العلمي فوجد أن هذه الظاهرة تبدو دائما أبدا فى دم الماشية

المصابة بهذا الداء ، فحقن بعض الجرذان بهذا الدم الموبوء فماتت فى الحال ، ثم عمد إلى دماء الجرذان الميتة فحقن بها طائفة أخرى من الجرذان السليمة ، وهكذا حتى حقن ثمانية أجيال سليمة من الجرذان ، كل جيل منها بدم الجيل السابق بعد موته من تأثير الدم الموبوء وكانت النتيجة أنه أينما وجدت هذه العصى المشتبكة ببعضها دون مفاصل تربطها ببعض فى الدم ، ظهرت عوارض داء الجمرة الخبيثة ، إلا أنه كان لا مناص له من أن يتحقق من أن هذه الجراثيم حية ، قائلا لنفسه لابد وأن أشاهدها فى حال نموها ، فعمد إلى طريقة مبتكرة فذة ، وهى أن حضر نقطة من الدم متدلية من سطح زجاجة الفحص الميكرسكوبى الأسفل ، بعد أن لوثها بتلك الجراثيم العصوية الشكل ، وبعد أن أدخل فيها شيئا مما تقتات به ، ثم أخذ يراقب حركات تلك الجراثيم تحت الميكرسكوب ، وإذا به يرى الحدث العظيم . رأى كوخ هذه الجراثيم العصوبة الشكل تنقسم كل جرثومة منها إلى قسمين ، ثم يعود كل قسم منها إلى الانقسام بدوره فتتضاعف مرات عديدة فى سرعة عجيبة مدهشة ؛ وهكذا لأول مرة فى التاريخ أقيم البرهان على أن نوعا معينا من الجراثيم هو سبب إحداث علة معروفة .

كان باستير يعتقد بصحة ذلك ، ولكن كوخ هو الذى أقام الدليل على صحة هذا الاعتقاد .

وانتقل كوخ من البحث فى جرثومة الجمرة الخبيثة إلى البحث فى موضوع السل التدرنى ، فقام بعدة تجارب على نوع الجرذان المعروفة بالخنازير الهندية ، حتى برهن على أن السل التدرنى سببه الجرثومة المعروفة (باشلس السل) "Tubercle Bacillus" . ثم أخذ يبحث بعد ذلك عن علة الكوليرا مدللا من جديد على أنها تتسبب من جرثومة على هيئة واو صغيرة . وهكذا برهن كوخ

على أن الجراثيم تقتل الانسان .

ولنترك كوخ الآن صاحب المنطق الهادئى الرصين ، ولنعد إلى باستير صاحب الذكاء المتوقد . لاحظ باستير أن الماشية والأغنام أحيانا ما تنقه من داء الجمرة الخبيثة ، فعمد إلى دابة من تلك الدواب التى قدر لها الشفاء من العلة فحقنها بكمية كبيرة من جراثيم الجمرة الحبيثة ، ولكنه وجد أن الدابة لم تتأثر مطلقا بما حقن فى دمها من جراثيم الداء ، فاستنتج من هذا أن الأصابة الأولى بالعلة تترك المصاب في مناعة من إصابة جديدة بنفس العلة ؛ ومن هنا خطر له استعمال الجراثيم لإبادة الجراثيم أو للتغلب عليها ، وبهذا جعل الجراثيم حربا على نفسها . وقديما قال الشاعر العربى : " وداوني بالتى كانت هى الداء) "  أترى باستير مستطيعا تحضير مصل من هذه الجراثيم يكون فيه وقاية من عدواها . عمد باستبر إلى طائفة من التجارب فى هذا الصدد مستعينا بجراثيم كوليرا الدواجن ، فوجد أنه يستطيع إضعاف الجراثيم عن طريق قصر طعامها على الحساء ، وعندما تم له ذلك حقن دجاجة بهذه الجراثيم الضعيفة ، فثبت لديه أنه لا يمكن لهذه الدجاجة أن تفتك بها جراثيم كوليرا الدواجن ، مهما كانت الإصابة شديدة ..

وقد تمكن بعد مضى ست سنوات أن يقوم بمثل هذه التجربة مستعيضا عن الدجاج بالدواب ، وعن جراثيم كوليرا الدواجن بجراثيم داء الجمرة الخبيثة . ولعل أكبر انتصار أحرزه باستير كان فى كسر شوكة الجراثيم المسببة للسعر فى الكلاب ، ذلك الداء الذى يحدث الجنون فى الكلاب المصابة به ، والموت لمن منى بعضة منها . ثم وقف باستير علمه المستمد من تجاربه على الحيوان الأعجم على الإنسانية وتخفيف آلامها .

اشترك في نشرتنا البريدية