الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 31 الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - ابن الهيثم

Share

اشتهر ابن الهيثم بكثرة المؤلفات والتصانيف ، وبلغت شهرته آفاق العالم الاسلامى فى ذلك الوقت . واشتهر لا كعالم رياضى فحسب ، بل كمهندس له فى الفنون الهندسية آراء ومؤلفات ، كانت جليلة القيمة فى ذلك العصر

وبلغت شهرته مصر ، وكان صاحب السلطان فى ذلك العهد فى مصر الحاكم بأمر الله الفاطعى . وأيا ما قيل عن غموض شخصية الحاكم وعن شذوذه ، فالتاريخ لا يفكر أن للحاكم جانبا طيبا . فقد كان له ميل للعلم . وميل لتشجيع العلماء ، آوى إليه كثيرا من أطباء عصره وقربهم إليه وأغدق عليهم نعمه ؛ وأنشأ بالقاهرة دارا عرفت " بدار الحكمة " أو دار العلم " ، جمع فيها العلماء . وقد قيل إنه كان يشهد أحيانا مناقشاتهم ، وأيضا أنشأ فى المقطم مرصدأ جعل فيه أحد مشهورى علماء الفلك فى ذلك العصر وهو " ابن يونس المصرى " ، وانقطع فيه ابن يونس للرصد ، حتى أتم أرصاده وجمعها فى جداول تعرف فى تاريخ علم الفلك " بالرصد الحاكمى " ، وكان يعتمد عليها فى أوربا إلى عصر النهضة .

فبلغ الحاكم أمر ابن الهيثم ، ويروى القفطى أنه بلغه أيضا قول ابن الهيثم :

" لو كنت بمصر لعملت فى نيلها عملا يحصل به النفع فى كل حالة من حالاته من زيادة ونقص ، فقد بلغنى أنه ينحدر من موضع عال ، وهو فى طرف الاقليم المصرى " .

ويروى القفطى أن الحاكم أرسل إليه أموالا وهدايا ، ورغبه فى الحضور إلى مصر .  ولعل الحاكم لم يرد فقط

أن يستفيد منه فيما قال فى أمر النيل ، بل أراد أيضا أن يستأثر بفخر إيوائه إليه وشموله بعطفه ورعايته . ويروى القفطى أن الحاكم خرج لاستقباله والتقى به خارج القاهرة ، وأكرمه وأمر باكرام مثواه ، واستمهله أياما ثم طالبه بما قال فى أمر النيل . ويروى أيضا أن ابن الهيثم سار ومعه جماعة من الصناع المحترفين لأعمال البناء بأيديهم ، وتتبع مجرى النيل ، وكأنه فى بعثة هندسية بالمعنى الحديث ، حتى وصل إلى أسوان ، وتجاوزها إلى موضع يقول القفطى إنه يعرف بالجنادل ، وعاين هذا المكان من جانبيه ، ولكنه لم يجد الأمر متفقا وفكرته الهندسية التى خطرت له ، ففكر ، وقدر ، فلم يجد مندوحة من العودة إلى القاهرة وهو فى أشد حالات الخجل والانخذال ، واعتذر إلى الحاكم . ويروى القفطى أيضا أن الحاكم تظاهر بقبول عذره ، وولاه منصبا من مناصب الحكومة ، فتولاه ابن الهيثم لا رغبة فيه ، بل رهبة من الحاكم . ولو أنصف الحاكم لصرفه عن الوظيفة ، ولجعله فى زمرة من جمعهم فى دار الحكمة ، أو لجعله مع ابن يونس أو خلفا له فى المرصد . ولكن لعل منزلة ابن الهيثم العلمية عند الحاكم كانت قد انخفضت من جراء فشله فيما وعد فى أمر النيل . ولعل ابن الهيثم كان قد آنس ذلك فلم يجرؤ على الاعتذار عن قبول الوظيفة . وأغلب الظن أن هذا الحادث كان له أثر نفسى سىء فى ابن الهيثم ، وفى نظرى أن الأمر لا يضيره كثيرا ولا قليلا . ونحن وإن كنا لا نعلم على التحقيق ما هية المشروع الذى فكر فيه ،

فان أخذه الصناع المحترفين لأعمال البناء ، كما روى القفطى ، إن دل على شئ فهو يدل على أن المشروع كان من قبيل السد أو الخزان . فهل يضيره أنه سبق الأجيال وفكر فى أمر لم يحن موعد تنفيذه إلا بعد ثمانية قرون وأكثر ؟ خصوصا وأنه بنى فكرته على ما بلغه من أن النيل ينحدر من مكان مرتفع على حدود البلاد المصرية ؟

وتولى ابن الهيثم العالم الرياضى منصبا من مناصب الدولة قد عرض مثله لنيوتن من بعده ، مع الفارق كما يقولون . فنيوتن بعد أن أتيحت له بحوثه عن تشتت الضوء ، وكشفه قانون الجاذبية ، ووضعه الأساس الذى يقوم عليه علم الميكانيكا ، نيونن - الذى هو فى نظر بعض مواطنيه ، صاحب أكبر عقل ظهر فى الوجود - كان فى ضيق من العيش لقلة المرتب الذى كان يتقاضاه من منصب الأستاذية الذى كان يتولاه فى جامعة " كبردج " . فتاقت نفسه إلى وظيفة من وظائف الدولة تدر عليه خيرا لا يجده فى منصبه فى الجامعة . فسعى لدى بعض أصدقائه من ذوى النفوذ ، ولم يثمر المسعى أول الأمر ، فلبث قلقا ، وشكا إلى صديق آخر ما لقيه من صديقه الأول من إرجاء وتسويف ، ولما أراد الله أن يتولى صديقه الأول وزارة المالية ، عينه فى وظيفة فى دار الصك . فقبل نبوتن الوظيفة ، وقلد بعد قليل رياسة الدار ، وصار مرتبه مائتين وألفا من الجنيهات فى العام . وقنع نيوتن بذلك ، واطمأنت نفسه . ولكنه شغل بأعمال الوظيفة عن العلم والنظر فيه .

أما ابن الهيثم فتولى الوظيفة وهو كاره لها . وكيف يستسيغ الوظيفة وأعمال الدواوين ويؤثرها على لذة البحث والانقطاع للعلم ؟ وفى الوقت نفسه كيف المفر " والحاكم " واقف له بالرصاد ؟ فكر ابن الهيثم مرة اخرى وقدر ، فلم يجد حيلة يتخلص بها غير أن يتظاهر بالجنون . فأشاع ذلك عن نفسه حتى بلغ الحاكم ، فعزله وصادر أموال وأمر بحبسه فى منزله وجعل عليه من يخدمه . ولبث ابن الهيثم

على هذه الحال التعسة إلى أن توفى الحاكم وتأكد من وفاته . فعاد إلى الظهور والأشتغال بالعلم ، واستوطن دارا بالقرب من الجامع الأزهر ، وأقام بالقاهرة إلى أن توفى " فى حدود سنة ثلاثين وأربعمائة او بعدها بقليل " بحسب رواية القفطى .

ولم يكن ابن الهيثم فى سعة من العيش ، وكما روى القفطى عن " يوسف الناسى الاسرائيلى الحكيم " ورواه أيضا ابن أبى أصيبعة عن " علم الدين قيصر المهندس " وكان من معاصرى ابن الهيثم ، كان مورد رزق ابن الهيثم كتابين أو ثلاثة كتب رياضية ، منها كتاب الأصول لأوقليدس وكتاب المجسطى لبطليموس ، كان ينسخها كل عام فيأتيه من أقاصى البلاد من يشتريها منه بثمن معلوم ، لا مساومة فيه ولا معاودة ، وكان ثمنها يكفيه مؤونة العام .

٢ - الناحية العلمية من ابن الهيثم :

من المتواتر الشائع أن الطريقة العلمية الحديثة لم تنشأ فى تاريخ تطور الفكر الإنسانى إلا بعد عصر النهضة فى أوربا ، وينسب أكبر قسط من الفضل فى إنشائها إلى " فرنسيس باكون " أحد فلاسفة الأنجليز وكتابهم المشهورين فى القرن التاسع عشر . فهو بعد أول من بين أن الطريقة المثلى فى البحث ، الاعتماد على الحقائق والأمور الواقعة ومشاهدتها والمضى فى جمع المشاهدات وتبوبيها وترتيبها ، حتى يمكن بالاستقراء الوصول إلى المعلومات الصحيحة . والاستقراء من الدعائم الأساسية التى يقوم عليها العلم الحديث . ولكن طريقة " باكون " فى قصر البحث على المشاهدة أو التجربة ، والاكتفاء بجمع المشاهدات أو نتائج التجارب ، طريقة ضيقة محدودة ، لا تخطئ كثيرا إذا قلنا إنها تجعل من العالم البحاثة آلة ترقب وتدون وتبوب ، وإنها تهوى بالعلم من سموه إلى الوصف المجرد من الخلق أو الإبداع .

وسرعان ما تبين أن طريقة باكون لا تتوافر فيها جميع العناصر اللازمة في البحوث العلمية . فطريقة البحث العلمي تبتدئ مشاهدة الأمور الطبيعية على ما هى عليه فى الواقع ، وجمع الحقائق المشاهدة وترتيبها وتبويبها ، لا لمجرد الجمع أو الترتيب أو التبويب ، بل للبحث بتمحيص تلك الحقائق عن علاقة ترتبط بها ، قد نسميها قانونا طبيعيا ، أو قد نسميها نظرية علمية . ولا ينتهى الأمر بالكشف عن هذه العلاقة ، وإنما تستنبط بالقياس النتائج التي تفضى إليها . ثم يبحث عن صحة نتائج القياس ، هل هى مطابقة للواقع المشاهد ، أو المستدل عليه بالتجربة ؟ فإن تحققت على هذه الصفة كان ذلك دليلا على صحة تلك العلاقة ، التي هي القانون المكشوف عنه ، أو النظرية المقول بها ، وإن وجدت نتائج القياس غير متفقة والواقع محصت تلك العلاقة ، علها تقبل التعديل أو التنقيح مما يجعل نتائجها القياسية متفقة والواقع . وإن تبين قصورها نبذت وطرحت جانبا ، وجرى البحث عن علاقة أخرى تكون أصلح وأنسب . وفى الكشف عن هذه العلاقة وتصورها وصوغها في الصيغة الملائمة ، تتجلي ناحية من النشاط الفكري لا يعنينا إن سميت عبقرية أو ذكاء أو إلهاما . ورائد الباحث في كل ذلك إقرار الحقائق كما يجدها دون أن يكون لنزعة من النزعات ، أو هوى من الأهواء ، أثر بلونها بلون خاص ، أو يكيفها على صورة خاصة . وأحيانا يستعان في الكشوف العلمية بالتمثيل أى " الأنالوجى " ويعنى به - كما كان يعني به في المنطق العربي القديم - نقل الحكم من ظاهرة إلي أخري تشبهها في أمر من الأمور . فيهتدي به على منوال المعلوم إلي معرفة المجهول .

هذه الطريقة في البحث التى تعد من مبتكرات العصر الحديث هى الطريقة التى لا أتردد في القول بأن ابن الهيتم أدرك أنها الطريقة المثلى فهو قد أدرك ضرورة الأخذ

بالاستقراء ، والأخذ بالقياس ، والأخذ في بعض البحوث بالتمثيل ، وضرورة الاعتماد على الواقع الموجود ، على مثل المنوال المتبع في البحوث العلمية الحديثة . وعندى أن ابن الهيثم لم يسبق " فرنسيس باكون " إلى إدراك خطر عنصر الاستقراء فحسب ، بل سما عليه ، لأنه أدرك العناصر الأخرى التى لم يدركها " باكون " من بعده . وأيضا ابن الهيثم لم يطل في الكتابة عن الطريقة المثلى في البحث دون أن يقوم ببحث يصح أن يتخذ مثالا يهتدى به ، كما فعل " باكون " ، بل اكتفى بأن يلم بعناصرها في قول موجز ، وانطلق يسلك سبيلها في بحوثه ودراساته عملا وفعلا .

فابن الهيثم في مقدمة كتابه " المناظر " يعرض حالة كثيرا ما نعرض أمثالها في تاريخ العلم ، حيث توجد نظريتان متناقضتان ينقسم العلماء إزاءهما فريقين ، لكل فريق مقاييس واستدلالات وطرق ، تجعله يتمسك بنظريته . فقد كان الفلاسفة وأصحاب التعاليم في عصره منقسمين في كيفية الإبصار فريقين : أصحاب التعاليم يقولون بأن الاربصار هو بخروج شعاع من البصر إلى المبصر . والفلاسفة يذهبون إلى أن الابصار هو بورود صورة المبصر او شبحه من المبصر إلى البصر ، دون أن يبينوا ماهية ذلك الشيخ الوارد ، أو كيفية وروده .

يحلل ابن الهيثم هذا الموقف في مقدمة الكتاب وبقول بلفظه :

" وكل مذهبين مختلفين فاما أن يكون أحدهما صادقا والآخر كاذبا ، وإما ان يكونا جميعا كاذبين والحق غيرهما جميعا ، وإما أن يكونا جميعا يؤديان إلى معنى واحد هو الحقيقة ، ويكون كل واحد من الفريقين الباحثين القائلين بذينك المذهبين قد قصر في البحث فلم يقدر على الوصول إلى الغاية ، فوقف دون الغاية ، أو وصل أحدهما إلى الغاية وقصر الآخر عنها ، فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة . وقد

يعرض الخلاف ايضا فى المعنى المبحوث عنه من جهة اختلاف طرق المباحث . وإذا حقق البحث وأمعن النظر ظهر الاتفاق وانسفر الخلاف )) .

ثم هو يبين بعد ذلك الطريق الذى يسلك للفصل بين النظريتين المتباينتين بحكم قاطع ، وعهد بأن الأمر يستدعى فى مثل هذه الحالة استئناف النظر فى المبادئ والمقدمات ، ويقول بلفظه :

(( ولما كان ذلك كذلك ، وكانت حقيقة هذا المعنى مع اطراء الخلاف بين أهل النظر المتحققين بالبحث عنه على طول الدهر ملبسة ، وكيفية الابصار غير متيقنة . راينا ان نصرف الاهتمام إلى هذا المعنى بغاية الإمكان ، وتخلص العناية به وتأمله ، وتوقع الجد فى البحث عن حقيقته ، ونستأنف النظر فى مباديه ومقدماته )) .

وبتلو ذلك قوله :

(( وتبتدي فى البحث باستقراء الموجودات ، وتصفح حوالى المبصرات ، وتمييز خواص الجزئيات ، ونلتقط استقراء ما يخص البصر فى حال الابصار ، وما هو مطرد يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس . ثم تغرفى فى البحث والمقاييس على التدريج والترتيب ، مع انتقاد المقدمات ، والتحفظ من الغلط فى النتائج . ويجعل غرضنا فى جميع ما تستقريه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوي ، ونتحرى فى سائر ما تجيزه وتتقدم طلب الحق لا الميل مع الآراء )) .

فى هذا القول الموجز رسم ابن الهيثم خطة البحث ، وجمع فيها بين الاستقراء والقياس ، وقدم فيها الاستقراء ، ووضع الشرط الاساسى الذي يجب ان يتوافر فى البحث العلمى ، (( استعمال العدل لا اتباع الهوى ، وطلب الحق لا الميل مع الآراء )) .

ولكن ما هى الغاية التى وصل إليها السلوك فى هذا

السبيل ؟ هل هد ، الطريقة التى رحمها ابن الهيثم تؤدى إلى معرفة الحقيقة ؟ وهل طبيعة العقل الانسانى من شأنها أن تؤدى إلى معرفة الحقيقة !

مثل هذه الاسئلة قد شملت العقول من اقدم عصور الفلسفة إلى وقتنا الحاضر ، وهي من الأسئلة التى تختلف الاجابة عنها بحسب اختلاف المناحى الفلسفية ، وهي من الأسئلة التي للعلم الحديث او بالأحري لفلسفة العلم الحديث ، رأى فيها .

فالحقائق العلمية ليست غابات ينتهى إليها العلم ويقف عندها التصور . ولبست ثابتة دائمة لا يعتريها التبديل والتغيير ، إنما هى نقيض من هذا ؛ بينما نرى النظرية العلمية صحيحة مقبولة معتمدا عليها فى وقت من الأوقات لأنها توافق معلومات ذلك الوقت ، إذا بنا نجدها قد عدلت وحورت ، أو قد نبذت وطرحت جانبا واستبدلت بها غيرها ، مما يكون أكثر ملاءمة المعلومات فى وقت آخر . وتاريخ العلم غنى بالأمثلة علي هذا .

إذا ما قيمة الآراء والنظريات العلمية ، وما قيمة تلك الأمور التى نسميها حقائق علمية ؟ لا تخطىء إذا قلنا إن قيمتها أنها احكام موجزة ، ترتبط بها الظواهر المعروفة ، تستطيع أن نستنبط منها تفصيلات تلك الظواهر وما يترتب عليها ، وتغنينا عن مجلدات لا تنفذ ، قيمتها أنها وسائل لا غايات ، إذا استعنا فيها بالقياس ادت إلى نتائج يزداد بها العلم ويتسع أفقه . قيمتها أنها معلومات يستطيع الانسان بالأهتداء بها ان يكيف ظروفه وأحواله مما يلائم مأرب حياته الخاصة والعامة والقومية . قيمتها ان فى الانقطاع للبحث عنها ، والنظر فيها ، لذة معنوية ، أو متعة نفسية ، وجدها كثير من رواد العلم جديرة بأن يضحي فى سبيلها بالثروة والصحة بل وبالحياة نفسها .

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية