الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 220 الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - التفكير فى شؤون السلم

Share

وضح من مقالنا في العدد السابق ان التفكير في شؤون الشعب ، وفيما يجب ان يعد من وسائل الرخاء والترفيه بعد الحرب أمر تجب معالجته منذ الآن ، وانه جزء لا ينفصل عن المجهود الحربي نفسه . والحكومة البريطانية على حق في ان تولي هذا الأمر عنايتها منذ الآن ، وان ترحب بالمجهود العظيم الذي بذله بفردج ومساعدوه في دراسة الحالة الاجتماعية للشعب البريطاني ، وبالثمرة التي انتجها هذا المجهود ، التى أطلق عليها اسم تقرير بفردج

إن الهدف الذي ترمي إليه المقترحات هو " تحرير الفرد من الفاقة ، فلا يدخل في نطاقها مسائل التعليم ، بل هي مقصورة على الوسائل التي يجب اتخاذها بحيث ينال كل فرد من افراد الشعب البريطاني حاجته من ضرورات

الحياة في جميع مراحل العمر : من المهد إلى اللحد ، وفي جميع الأحوال في الصحة والمرض ، وفي اثناء العمل او العطل .

أما الوسيلة التى توصل إلي هذا الهدف ، فهي " التأمين الاجتماعي " أو الضمان الاجتماعي . ومعنى هذا ان كل فرد من أفراد الأمة يدفع للدولة مبلغا يسيرا من المال ، لا يتجاوز الأربعة الشلنات وربع الشلن في الأسبوع للرجل البالغ ، ) وأقل من هذا للمرأة وللشباب ما بين السادسة عشرة (5) والحادية والعشرين من العمر ( وفي مقابل هذا المبلغ ) وهو التأمين ( تقدم الحكومة للفرد خدمات عديدة ، ومساعدات خاصة ، في مختلف الظروف والطوارئ التي يتعرض لها المرء في الحياة .

وتستند مقترحات بفردج على ان هنالك مبلغا من المال لابد أن يكسبه الفرد لكي يعيش بعيدا عن الفاقة ، وقد قدر هذا المبلغ بنحو ستة وخمسين شلنا في الأسبوع على أساس اسعار الحاجيات كما قدرها صاحب التقرير . ولكنه يقول إن مسألة الرقم ليست مسألة أساسية ، بل تقبل التعديل حسب الظروف ، بحيث تزيد او تنقص تبعا لتكاليف الحياة ، فإذا زادت أو نقصت استتبع هذا زيادة أو نقصا في مقدار التأمين الذي يدفعه الفرد .

ومن أهم العناصر الجديدة في هذه المقترحات أن التأمين إجباري علي جميع السكان ما بين سن السادسة عشرة والستين للنساء ، والخمسة والستين للرجال ، ولا يعفى من دفع التأمين سوي الزوجة التي لا تكتسب أجرأ ، ومن اجل هذا كان مقدار التأمين الذي يدفعه الرجال البالغون ، اعلي مما يدفعه النساء المكتسبات . لكي يشمل ذلك التأمين الزوجات ممن لا كسب لهن

ويدفع التأمين الغني والفقير علي حد سواء . ويستطيع ان يتمتع بفوائده الجميع . فإذا اراد اصحاب اليسار فوائد أكبر ، فما عليهم إلا أن يؤمنوا بمبالغ اخري في شركات التأمين ، وتكون معاملاتهم مع الشركات مباشرة من غير تدخل الدولة ، لأن المشروع يعني قبل كل شئ بتأمين وضمان الخدمات الضرورية التي لا غني عنها .

ولا بد من الإشارة إلي أنه إلي جانب التأمين الذي يدفعه العامل في الصناعات ، وهو أربعة شلنات وثلاثة بنسات ، يدفع صاحب المصنع أو المعمل ثلاثة شلنات وثلاثة بنسات ، وبهذا يكون المبلغ المدفوع عن كل عامل في الصناعة سبعة شلنات وستة بنسات ) نحو ٣٦ قرشا ( في الأسبوع . وهذا المبلغ يؤديه صاحب المصنع إلي الدولة مباشرة ، بعد ان يستقطع من اجر كل عامل نصيبه من التأمين .

والآن نستطيع أن نتساءل عن الفوائد التي يتمتع بها كل فرد في مقابل هذا المبلغ الذي يؤديه للدولة باطراد وانتظام : ينطبق على هذا النظام المقترح جميع الشروط والمبادي الخاصه بالتأمين . فهنالك اشخاص اقوياء الأبدان ، غير متزوجين ، في ميعة العمر يؤدون التأمين دون أن ينتفعوا من هذا النظام . ولكنهم يؤدون هذا المبلغ " تأمينا " من أزمات الحياة ، فإذا طرأت واحدة أو غير واحدة من هذه الأزمات ، بادرت الدولة باسعاف أبنائها وبناتها حتى يجتازوا هذه العقبة ، وينجوا من تلك الازمة .

هذه الأزمات التي يتناولها " مشروع " التأمين الاجتماعي تسع ، فسردها فيما يلي مع مقارنتها بالفوائد القائمة في الوقت الحاضر .

١ - العمال العاطلون :

يخول النظام القائم أن يعطي العامل العاطل ٣٦ شلنا في الأسبوع لمدة ستة اشهر ، وفي اثناء هذه المدة تختبر الدولة حالته المادية وموارده بوسائل يراها العمال تعسفية ، ثم تقرر له بعد ذلك مساعدة تختلف بحسب نتائج هذا الاختبار . والعمال يشكون مر الشكوى من نظام " إختبار الموارد " هذا .

أما المقترحات الجديدة فانها تقرر للعامل ٥٦ شلنا في الأسبوع لمدة غير محدودة ، مع إلغاء نظام اختبار الموارد " فإذا طالت مدة البطالة كلف العامل الالتحاق بمعهد للتدريب الصناعي ، لكي يوجه إلي حرفة جديدة تكون الحاجة إلي الايدي العاملة فيها أعظم من حرفته القديمة . وهكذا يكون النظام الجديد مشتملا علي ثلاثة عناصر جديدة ؛ وهي رفع الأجر الذي يتناوله العامل المتعطل ، وعدم النظر إلي موارده الخاصة ، وإيجاد نظام لمعالجة مشكلة البطالة نفسها .

٢ - العجز

أو الإصابة بعاهة تمنع من الكسب :

إذا أصيب العامل بحادث منعه من العمل في ظروف خارجة عن ظروف العمل نفسه فانه يمنح ٥٦ شلنا في كل أسبوع مدى الحياة ، ومن غير قيد ولا شرط ، وبقطع النظر عن موارده الخاصة . وفي الوقت الحاضر لا يعطي العامل في مثل هذه الحالة سوي ١٥ شلنا في الأسبوع لمدة ستة أشهر ، ثم ينقص المبلغ بعد ذلك إلى النصف .

٣ - العجز :

أو الإصابة بعاهة بسبب العمل الذي يمارسه العامل . فكثير من الصناعات ينقرض اصحابها لأخطار بسبب ظروف العمل نفسه ، والنظام القائم يضطر صاحب العمل نفسه لأن يضطلع بهذا العبء ، بأن يدفع للعامل نصف أجرته على شرط الا يزيد المبلغ المدفوع على ثلاثين شلنا في الأسبوع .

أما النظام المقترح فيقضى بأن يعطي العامل ٥٦ شلنا في الأسبوع لمدة ثلاثة اشهر ، وبعد ذلك يمنح معاشا يعادل ثلثى الأجر بشرط ألا يزيد على ٧٦ شلنا ولا يقل عن ٥٦ شلنا في الأسبوع .

٤ - الشيخوخة

الذين يعجزون عن العمل بسبب تقدم السن قد لقوا عناية من الحكومة البريطانية بدرجة متواضعة عام ١٩٠٨ . فكان كل من يبلغ السبعين تمنحة الدولة معاشا متواضعا قدره خمسة شلنات في الأسبوع ، ثم زيد المبلغ بعد ذلك حتى بلغ العشرين شلنا ، وخفض السن إلي خمس وستين سنة للرجال وستين عاما للنساء وذلك سنة ١٩٢٥

والمقترحات الجديدة تقر مسألة السن كما هي ، ولكنها ترفع  المعاش تدريجيا حتى يبلغ ٤٠ شلنا في الأسبوع بعد مرحلة الانتقال ، التى قدرت مؤقتا بعشرين عاما .

5_الترمل

إذا فقدت المرأة زوجها منحت حسب النظام القديم ١٨ شلنا في الأسبوع مدى الحياة ، أما

النظام الحالي فيمنحها ٤٠ شلنا في الأسبوع لمدة ثلاثة عشر اسبوعا فقط ، على شرط ان تلتحق بمعهد للتدريب ما دامت صحيحة الجسم ، تمهيدا لتوليها عملا منتظما تكتسب منه رزقها .

ولقد يظن أن النظام الجديد أقسي علي الآرامل من النظام القديم ، ولكنه من غير شك ادني إلي الإنصاف ، لأن الأرامل المتمتعات بصحة جيدة يستطعن مزاولة مهنة شريفة بدلا من أن تعولهن الدولة مدى الحياة

٦ - الامومة

لا شك أن الولادة حادث من الحوادث الخطيرة في حياة الاسرة ، فإن ظروف الولادة نفسها تتطلب نفقات ، والطفل الذي يزيد عدد الاسرة يزيد نفقاتها أيضا . وقد عالج بفردج هذه الازمة في حياة الأسرة علاجا شاملا لجميع نواحيها ، فبينما النظام الحالي يمنح الأم جنيهين إذا كانت لا تكتسب ، واربعة جنيهات إذا كان لها عمل تكتسب منه أجرا ، فأن النظام الجديد يكفل للأم :

) أولا ( أربعة جنيهات إذا كانت لا تكتسب .

) ثانيا ( ٣٦ شلنا في الأسبوع لمدة ١٣ أسبوعا للآم التي تعمل عملا تؤجر عليه . وقد قرر صاحب التقرير ان هذه الأسابيع الثلاثة عشر هي المدة اللازمة قبل الوضع وبعده ، لكى تتمكن الأم بعدها من مزاولة عملها .

) ثالثا ( يضيف بفردج إلي هذا كله مساعدة مادية عن كل طفل يولد ، ما عدا الطفل الاول بالطريقة الموضحة في البند التالي .

وللأم فوق هذا كله حق التمتع بالخدمة الطبية التي ينص عليها المشروع ، وسنذكر ذلك في البند الأخير .

7-  مساعدة الأسرة إذا رزقت المفالا :

في الوقت الحاضر لا تمنح الآسرة شيئا إذا رزقت طفلا او اكثر

أما مشروع بفردج فانه يوصي بأن يدفع لكل أسرة ثمانية شلنات في كل أسبوع عن كل طفل يولد ، ما عدا الطفل الأول .

وقد استطاع بفردج بهذا الاقتراح ان يصيب عصفورين ويحل مشكلتين . فمن المعلوم أن الأمهات في بريطانيا يرغبن عن الإكثار في النسل ، حتى لقد اصبحت هذه الظاهرة مشكلة اجتماعية خطيرة منذرة بنقص مطرد في السكان . وقد علم بفردج مما لديه من إحصاء دقيق ان كثيرا من الأمهات يرغبن في الطفل الأول ، فأراد بمشروعه أن يساعد الأسرة لكى تعول عددا متزايدا من الاطفال من جهة ، وأن يحل مشكلة اجتماعية خطيرة من جهة أخرى .

٨ - الوفاة

لقد ترهق الأسرة إرهاقا شديدا إذا مات فرد من افرادها ، فليس في وسع الاسر الفقيرة ان تجد ما تنفقة من أجل الدفن والتشييع ، وما يتبع ذلك من التكاليف . ولهذا يوصي المشروع بأن يدفع للاسرة عند وفاة أحد أفرادها عشرون جنيها ، مساعدة لها في هذه الأزمة .

وهكذا نري حقا أن المشروع يتابع معاونة كل فرد من أفراد الأمة من مهده إلي لحده .

9-  الخدمة الطبية

لا بد لنا لكي نفهم مقترحات بفردج عن الخدمة الطبية ، أن نذكر أن النظام الطبي في بريطانيا يقسم الأطباء قسمين : الأول وهو الاكبر عددا نستطيع ان نسميه اطباء العموم ؛ وهم الذين يعالجون جميع الأمراض ، ما عدا الأمراض المسيرة والعمليات الجراحية . وهؤلاء أجرهم زهيد لا يتجاوز في العادة خمسة شلنات . والقسم الثاني هم طائفة الأخصائيين ، واجرهم عال جدا يبلغ بضعة جنيهيات للزيارة الواحدة ، ولا يلجأ إليهم إلا في المعضلات وفي بريطانيا اليوم نظام للتأمين الصحي يضمن للمشتركين فيه أن يحصلوا على خدمة الطائفة الأولى مجانا .

أما مشروع بفردج فيوصي بأن يكون في متناول كل مريض جميع الخدمات الطبية الممكنة ، بما فى ذلك استشارة الأخصائيين ، والعمليات الجراحية ، والإقامة في المستشفى بل وفي دور النقاهة ايضا ، وذلك دون ان يدفع الفرد شيئا سوي التأمين العام الذي ذكرناه في أول هذا المقال .

هذه هي الخدمات الجليلة التي يوصي بها مشروع بفردج ، وهي كما نرى لا تعدو ان تكون خطوة اوسع واشمل في التطور الاجتماعي الذي كانت بريطانيا سائرة فيه . ولا شك أن هذه المقترحات إذا نفذت تنفي شبح الفاقة عن الجزر البريطانية نفيا تاما ، إذ تضمن لكل فرد الدخل الضروري في الأيام العادية ، والمساعدة اللازمة في وقت الأزمات ، وهي تمتاز على النظم الاشتراكية بأنها تترك الباب بعد ذلك مفتوحا لمن شاء من أفراد الشعب أن يزيد في دخله بمجهوده الفردي قدر استطاعته ومواهبه . وبهذا تشجع الاجتهاد والنبوغ .

اشترك في نشرتنا البريدية