الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 463الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - الجامعة العربية، والحركة القومية

Share

ما هو موقف الجامعة العربية من الحركة القومية ؟ هناك اتفاق عام بين القوميين العرب بأن الجامعة ضرورية ، ولكن ليس هناك إجماع تام فيما إذا كانت الجامعة تملك خير الوسائل لبلوغ الهدف المنشود .

وإن هناك ثلاثة آراء فيما يتعلق بالشكل الحالي للجامعة العربية : وأصحاب الرأي الأول يصرون على أنا بإقرار السلطة التامة للدول الأعضاء جعلنا الجامعة تميل إلى حماية المصالح الخاصة ، وبذلك تتبلور الانقسامات السياسية الحالية في نظام مكين وتثبت أساس اتحاد سيرضي كثيرا من العرب ويقنعهم أنهم قد بلغوا الهدف . وأصحاب هذه المدرسة يفضلون أن يقام في الحال اتحاد من الدول العربية ، بل ويندفعون إلى إنشاء حتى دولة عربية .

والجماعة الثانية تعلن أنه يجب إنشاء اتحاد أقوى من هذا الاتحاد الذي حققته الجامعة ، وإذا تعذر إنشاء اتحاد كهذا يضم كافة الدول العربية ، فيجب إقامة اتحاد يضم تلك الدول التى لها رغبة بالتنازل عن سيادتها ، ومن المتفق عليه أن الدولتين اللتين لهما هذا الاستعداد هما العراق وسوريا .

والفرقة الثالثة ، وربما كانت أكبر الفرق ، تعتقد بأن انضمام كل الدول المستقلة إلى الجامعة يكسبها مركزا دوليا تزيد فوائده على النواقص الأخرى ، وهذه الفرقة تري أنه منذ أن أنشئت الجامعة بوضعها الحالي لم يكن هناك مجال كاف لإحداث تغيير أساسي ، بيد أن إمكانياتها الموجودة يجب أن تستغل إلى أقصى حدود الاستغلال .

إلا أن القول الفصل في الموضوع  أن الجامعة كما هي

الآن تمثل انتصار المعتدلين من الوطنيين العرب الذين يرون أنه لا يمكن في الوقت الحاضر تأسيس دولة عربية واحدة ، وأن هذه الدولة يمكن أن يحين أوانها فقط عند انحلال سيادة الدول الأعضاء تدريجيا ومع الزمن . وهي أيضا تمثل انتصار الفكرة العلمانية الحرة في التفكير العربي فالجامعة تتهم أحيانا من قبل مريدي السوء بأنها رجعية متعصبة وذات روح إسلامية . ولكن اختيار أعمال الجامعة وأعمال الشخصيات التى تسيرها يدحض تماما أمثال هذه التخرصات . إن منشئي الجامعة من الرجال الذين عاشوا بين تقاليد القرن التاسع عشر الحرة ، لا بين تقاليد الحركة الإسلامية التى فقدت منذ زمن طويل قوتها المؤثرة على السياسيين العرب ، إذا ما بقيت لها بعض هذه القوة إلى اليوم فسوف لا نجد مكانا لها بين حركات القرن العشرين الجماعية . إن آراء مازيني من المحتمل أنها تمثل دون غيرها المفاهيم الحقيقية السائدة للروح الوطنية العربية ممثلة في الجامعة .

وبما أن الجامعة العربية ليست مؤسسة رجعية متعصبة متطرفة فهي بالضرورة رابطة عربية " لقد ميز الأستاذ " جب " بين ما سماه القومية العربية المعتدلة وبين الرابطة العربية التي وصفها بأنها " فكرة تقوم على التعصب والجهل وهي قوة خطرة " . ولكن هذا التمييز لا يقوم على أساس ثابت ، لأن في كل حركة نجد أفرادا ونجد فرقا يسوقها الجهل والتعصب والاعتداء ، إلا أن الطبيعة الأصيلة لكل قومية عربية لا تسمح ، ولا تساعدها مقدماتها ، على قبول التعريف الذي أورده الأستاذ جب لها . فليس هناك سبب معقول يفسر لماذا يكافح العرب من أجل حرية ووحدة العالم العربي ولا يكافحون من أجل حرية ليبيا . ولقد صار لزاما على الجامعة ، سواء بدستورها الخاص أو عن طريق القوى التي تسيرها ، أن تعد نفسها لضمان الحرية للعالم

العربى بأسره . إن هناك اختلافا بين الوطنيين العرب حول بعض المسائل العربية المهمة ، إلا أنه ليس بينهم عدم اتفاق بشأن الأهداف الأساسية التى تخص كل العالم العربى من الأطلنطي إلى الخليج الفارسى والتى تهدف إلى توحيد كل مقومات المجتمع العربية - الاقتصادية والاجتماعية والفكرية - توحيدا لا يقل قوة عن التوحيد السياسي .

ولكن قولنا بأن القومية العربية ، كما تبلورت فى الجامعة ، عبارة عن ( رابطة عربية ) يجب أن لا يفهم على أساس أن هناك علاقة أو تشابها بين هذه الرابطة وبين بعض الحركات الأخرى ، كالرابطة الجرمانية والرابطة السلافية ، لأن هناك اختلافا أساسيا بين التطورات العربية السياسية والتطورات الأوربية ، فالقومية فى أوربا تبنى على مفهومين : تبنى أولا على أساس أن الدولة ورثت تقاليد المجتمع والقانون الرومانيين ، وتبنى ثانيا على تشابه الجماعات التى هى من سلالة واحدة . فى حين أن القومية العربية لا تقوم على كلا المفهومين . فالمجتمع العربي ، من جهة ، لا يقوم على التقاليد الرومانية - الإغريقية ؛ فهو بالتالي لا يحمل فكرة عن دولة قوية ذات سيادة ، وهو من الجهة الثانية لا يتألف من جنس واحد ، بل من جماعات متبابنة جنسيا ودينيا اجتمعت سوية حول ثقافة عربية مشتركة وفكرة عالية واحدة . ولذلك فمن المجازفة أن نعقد المقارنة بين التقاليد السائدة فى الأقطار العربية وبين تلك الموجودة في المجتمعات الأوربية .

إن الفشل في استكناء الخصائص العربية المختلفة هو الذى دفع بكثير من الخبراء الغربيين إلى بخس قيمة قوة الاتحاد العربي . حتى إن روبرت مونتاني أمكنه القول بأن ( العراق ليس إلا مجموعة تتألف من أقليات دينية وجنسية

ولغوية ) وهناك ميل عام بين أصحاب النظريات من الأوربيين ، إلى النظر إلي المجتمع العربي بهذا المنظار . ولذلك فهم لا يعتقدون فى إمكان تحقيق وحدة حقيقية بين العرب . وتبدو الدراسة العميقة والإحاطة بجذور المجتمع العربى ضرورة ملحة ، إذا أردنا أن نتفهم علاقة التكوبات السياسية بالجامعة العربية وبالحركة الفكرية العامة ، وبالتعاون الاجتماعي فى الأقطار العربية ، وإذا رمنا أن قدر تقديرا صحيحا مدى عمق جذور فكرة الجامعة العربية في عقول الشعب العربي .

من مجلة The Miololle East ( بغداد )

اشترك في نشرتنا البريدية