الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 291الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - الحروف اللاتينية، وإصلاح الكتابة العربية

Share

الفرق بين حروف المد والحركات ،

يخيل إلينا أننا استطعنا ، فيما تقدم ، أن نثبت بالأدلة الفنية وجوب استبقاء الحروف العربية ، لأنها اصلح من اللاتينية ؛ غير أن المعترض قد يقول : لعل كل الذي ذكرت صحيح ، ولكنك نسيت أن المشكلة الأساسية في الخط العربي خلوه من الإشارة إلى الحركات في صلب الكلمة ، وأن الحروف اللاتينية ، بإدخالها صورا مستقلة للحركات (الفتح والرفع والكسر ) تخدم اللغة العربية خدمة تتضاءل معها انتقاداتك الفنية عليها ؛ أو تستخف بشأن هذا الإسلام ، الذي يجعلنا نقرأ كما نكتب ، ونكتب كما نقرأ ، ويقضي علي الأمية المتفشية بيننا ، والتي تؤخر رقينا ؟

كلا ! لا أستخف به ، بل أجله وأعظمه ؛ ولكني أري أنه محاولة خاطئة ، سيئة النتيجة ، ودليل على ذلك التاريخ وعلم اللغات . حتى إذا اثبت بالدليل ، على ان الامر المنشود من استبدال الحرف اللاتينى بالعربي ، وهو بيان الحركات بحروف مفحمة في اصل الكلمة بعد الحرف أمر تأباه ملكة اللغات السامية ، إني إذا استطعت ذلك رددت آخر اعتراض للمعترضين . وها آنذا فاعل .

ذلك أن في اللغات السامية ، كما قرره علماؤها ، إذا اردت ان تضع لمعنى من المعاني لفظا يدل عليه ، ركبت من الحروف الصامتة ؛ ومن حروف العلة أو من حروف المد كلمة أصبحت مصدرا لهذا المعنى ؛ ويخرج عن هذا المصدر اشتقاقات كثيرة تدل على حالات زمنية أو شكلية لهذا المعنى ؛ ولكن هذه الاشتقاقات تحافظ على حروف المصدر

وتدل على معناه . قال كاهن " إن أصل الكلمة في اللغات السامية هو المصدر - ولكل مصدر عدد من العناصر الأساسية تكون هذه العناصر هي بصورة عامة الحروف الصامتة ، وقد تكون حروف المد بالتناوب مع حروف العلة او الحروف الثابتة . والعناصر الأصلية لا تتغير في الكلمات المشتقة من المصدر ؛ وهي وحدها التي تدل على المعنى المقصود ، فعلا كان أو اسما . وتظهر الأهمية الخاصة للعناصر المكونة للمصدر ، تظهر مما للكلمة من معنى ، في الكتابة التى تكتبها  اللغات الشامية والسامية ؛ فالأصل ان الحروف الصامتة وحدها هي التي تررسم "  (١) . وقال إسرائيل ولفنسون : " إن اللغات السامية تعتمد على الحروف  وحدها . ولا تلتفت إلي الأصوات  بمقدار ما تلتفت إلي الحروف ، ولذلك لم يوجد بين الحروف علامات للأصوات كما هي الحال في اللغات الآربة (٢ ) " .

ألا تري من أقوال العلماء ، أنه لم يدل على الحركات بإشارة في أصل الكلمة السامية بعد الحرف ، لانها لا تعد أصلا من أصول الكلمة ، أو عنصرا من عناصرها ، وان ما يعد أصلا فيها هو الحرف ، أما الحركة فليست حرفا عندهم ، ولا يمكن ان تدخل في صلب الكلمة كحرف مستقل ، حتى إذا دخلت ، خالف ذلك معيار اللغة وأصل وضعها ؟ !

قد يبدو هذا الكلام علميا نظريا بعيدا في نتائجه التطبيقية ، إلا عن أفهام أصحاب الإخفاء في علم اللغات ؛ ويعز على ألا تقرب نتائجه إلي أفهام الجمهور ، وذلك

ببيان عن الفرق بين الحركة والحرف في اللغات السامية ، وهي تأبي المماثلة بينهما . ومع أن هذا البيان يقتضي لتتبعه إجهاد الفكر ، آثرت إيراده لعظيم فائدته في الدلالة على ما أقول . وقد اجتهدت في تبسيطه فوجدت نحاة العرب قد فطنوا للفرق بين الحركة وحرف المد حين سموا الفتح والضم والكسر حركات ، فوصفوا الحروف بها ، فقالوا حركة الكاف من  كتب الضم ، وحركة التاء الكسر ، وحركة الباء الفتح ؛ ثم وصفوا حركات هذه الكلمة وصفا آخر ، فقالوا بضم الكاف ، وكسر التاء وفتح الباء . فالحركة عندهم هي صفة للحرف لا إضافة إليه ؛ بل قال علماء القراءات : " إن الحركة عرض تحلي الحرف ) (١  ) ، بمعنى أنه ينطوي عليها ، أو هي تمتزح به . أما الألف والواو والياء الممدودة ، فقد سميت حروف المد ، وأدخلوها بالحروف الأبجدية لأنها كالحرف ، لها صوت خاص بها . ذلك ما أدركه واضعو النحو العربي ، وما اصطلحوا عليه ؛ فوافقوا به ما ذكره علماء اللغات السامية ، ودلوا على أن الأصل عندهم هو الحرف ، وأن الحركة صفة له لا تستقل عنه ، بل تحله فتطبعه بنغمتها الخاصة ، ويتصف بتلك النغمة أو بتلك الحركة على تعبيرهم . وأرى لكلامهم تأييدا آخر في كيفية النطق بالحركة . وقد اختلفوا في نطق الحركة ، هل يقع قبل نطق الحرف أو معه أو بعده ) ٢ ( ؛ فقال بعضهم تنطق الحركة قبل الحرف ؛ وقال ابن جني بعده ؛ وقال أبو على الفارسي وعبد القاهر الجرجاني وأبو حيان وأبو البقاء إنها معه . وأري أن لكل من هذه الآراء اعتبارا يصوبها بعض التصويب . وبيان ذلك أن الحركة ، وهي في ذلك تشابه

حرف الد ، تحدث من أشياء ثلاثة : من الهواء الذي يخرج من الحلق ، ثم من إطباق اللسان على الهواء بشكل ما ، ثم من إطباق الشفتين عليه بشكل آخر ، اما الحروف الصامتة المتحركة فهي محتاجة إلي هواء الحركة ليحمل صوتها . فإذا اعتبرنا مكان النطق اقصى الحلق ، كان هواء الحركة حادثا قبل الحرف الصامت ، فجاز جوازا ما القول بأن الحركة تحدث قبل الحرف . على أن هذا الهواء لا يحدث أثرا إلا بعد أن يتكون الحرف الصامت ، فيدع المجال للهواء بالانطلاق ، ومنه وجب القول بأن الحرف يحدث الحركة . ثم إن الهواء يحمل صوت الحرف الصامت ، يتلوه مباشرة وقبل انتهاء حدوث هذا الحرف ، شكل انطباع اللسان بالحركة ، فيخرج الهواء من الفم وتجري عليه الشفتان اثرها بشكل الحركة ، فيظهر مزج من ذلك ينطلق خارج مجموعة أعضاء النطق ، وهذا المزيج يجيز القول بأن الحركة تنطق مع الحرف .

كذلك يوفق بين الآراء المتناقضة . غير أنه لاشك في أن صفة خروج الحركة مع الحرف هي التي تطرق اذن السامع فتقترن عنده الحركة بالحرف ويتصف هذا بها ؟ وهذا ما قصده علماء العربية من قولهم إن الحركة تحل الحرف . وهذا ما لعلهم قصدوه بما قاله برهان الدين الحميري في قصيدته النونية (١ )

والحرف سابق شكله أو بعده  وهيا وقول الحق مقترنان

هذا إذا عني باقترانهما خروج الحركة من الفم وقد امتزجت بالحرف .

ونري علم الصوتيات  يؤيد ما ذهبنا إليه ، فيثبت بالتجربة امتزاج الحرف الصامت ببداية حرف المد ، وهو ما يعادل الحركة في النطق العربي ، قال روسلو : لقد حكم بأن بعض الحروف وهي ( الصامتة ) لا يمكن نطقها إلا بمساعدة المد . وهنالك شعوب

لا تستطيع أن تخرج حرفين متتابعين دون أن تقحم بينهما صوت مد . ويختلط حدوث الحرفين ) الصامت وحرف المد ( حتى يقترن إطلاق  أحدهما ببدابة الآخر أو بتقلصه ٢٥٥ . . والاتحاد بين الحرف والد أقل  في الأحرف الحلقية ٥٤ منه في غيرها ، علي أنه في الأحرف غير الحلقية يصل إلي درجة من الوحدة ، تتغير معها الصورة الأساسية للحرف الصامت فللفظ الألف ) 4 ( مثلا تأخذ الأعضاء )(أي اللسان والشفتان ) الوضع المطلوب وتخرج الألف . أما النطق بالدع ( فإن الشفتين تأخذان أولا وضعية ال ( ب ) ، وحين تنفرجان يسمع صوت الألف (١ ) . وإذا حدث الحرف الصامت وحرف المد من أعضاء مختلفة ، تهيات الأعضاء لنطقهما بان واحد ، . . فيندغم المد في الحرف والعكس بالعكس " ( ٢ ) . وقد ذكر هذا العالم في فصول مختلفة من كتابه اقتران المد بأصناف الحروف ؛ فذكر مثلا إدغام الفاء بالألف ، وقال بصددها : " يظهر إذن أن هنالك امتزاجا حقيقيا بين صوت الحرف والمد (٣ ) ! وذكر بصدد السين والألف ما يأتي : " ويبدو واضحا كل الوضوح من تسجيل الصوت اقتران الحرف بالمد ( ٤ ) وقال بصدد آخر : " يوجد كما رأيت انتقال فجائى لا شبهة فيه بين الحرف والم يقول : " إن الأثر الذي بتبادله المد والحرف المجاور أمر عام ( ٦ ) والذي يؤخذ من بحثه عن امتزاجهما حين النطق أن المد يمتزج بالحرف الصامت حين إطلاق هذا الحرف ؛ والإطلاق هو الحين الذي يخرج فيه صوت معظم الحروف الصامتة ، ويمتد فيه صوت بعضها الآخر . ويتضح من كلامه أن الحروف

يقترن أكثر نطقها وبعض وقت حدوثها ) وهو آخرها دوما وحينا منتصفها وآخرها معا ( بوقت حدوث أول حرف المدء وأول حرف المد البس هو الحركة (١ ) في اللغة العربية ؟ بل الأمر أقوى دلالة من هذا ، فأية حاجة تدعو اللغات السامية إلي التمييز بين الحركة والمد تمبيزا رأينا أثره ، مع أنهما في النطق من أصل واحد ومن طبيعة واحدة ؟ أليس إدغام المد بالحرف الصامت هو الذي يعطي للحركة كيانها فيمزها عن المد وبحدد مكانها منه ؟ !

والخلاصة أن الحركة تدغم في الحروف الصامتة ، فهي ممزوجة ومقترنة بها ؟ أما حرف المد فيتبعها وإن لم ينفصل عنها . وبيان ذلك في النطق ان اللسان والشفتين تحتفظ بوضعها ، بعد نطق الحرف وحركته ، فتهتز الحبال الصوتية ، وينقل هذا الاهتزاز من الصدر دون انفصال بقية هواء الحركة ، فيحدث حرف المد .

ونري العروضيين - وهم الثقة في موسيقى اللفظ وإيقاع الحروف - يثبتون الفرق بين الحركة والمد ، فيميزون في أوزان الشعر بين شيئين مختلفين لا ثالث لهما . قال ابن عبد ربه (٢ ) : " اعلم ان أول ما ينبغي لصاحب العروض أن يبتدى معرفة الساكن والمتحرك ؛ فإن الكلام لا يعدو أن يكون ساكنا أو متحركا " . ألا تري أن العروضيين لم يفرقوا بين الحرف وحركته كلا بل ميزوا الحركة عن حرف المد الذي يتبعها ، فعدوا حرف المد ، كما تعلم ، حرفا ساكنا بتبع متحركا . كذلك تبين أن

الحركة ليست أصلا في الكلمة العربية مستقلا ، بل هي متصلة بالحرف الصامت تجله ويتصف بها . وهذا تأييد لما ذكره علماء اللغات السامية من ان الاصل في هذه اللغات الحروف الصامتة ، وحروف العلة التي تتصف بضروب من الحركة والسكون ، ينجم عنها حالات متعددة من المعنى الأصلى للكلمة ، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تدخل الحركة أصلا في المصدر (١ )، لأنها ملازمة للحرف ، لا شأن لها إلا به ، ولا استقلال لها عنه

وبعد ، فكيف يجوز ان يوضع لها رسم بعد الحرف ، يدل علي أنها مستقلة عنه ؟ ! وكيف يجوز ان تصبح حرفا وهي صفة من صفات الحرف ، ليس لها وجود إلا به ؟ ! وكيف يجوز أن ترسم لها اشارة بعد الحرف ، وهي لا نلفظ بعده ، بل معه ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية