الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 38الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - الحكاؤون !، اصطمبول

Share

ونرى أننى خالفت الكاتبين إلى رسمها بالصاد لا بالسين ؛ وذلك لأجارى منطق الناس كافة ، لثقل النطق بالطاء بعد السين الساكنة . ولقد يكتبونها فى بعض الأحيان ( إسلامبول) ، فاذا نسبوا إليها (فى الكتابة لا في النطق ) كتبوا ( الاسلامبولى)، على أنهم إذا تكلموا قالوا : (( رأيت سى محمد الاصطمبلى )) و (( سافر سى حسين الاصطمبلى )) الخ.

ومن أسماء هذا البلد القصطنطينية ، والآستانة . وقروق ( وهذه لا أعرفها إلا من شعر شوقى بك عليه رحمة الله ) ودار السعادة ( على ألسن العرب ) و ( در سعادت ) على ألسن الترك والمتتركين .

وحقيق بمئوى الخلافة الإسلامية أن يكون له كل هذه الأسماء ، و أكثر من كل هذه الأسماء ولا تفس مئوى الخلافة الإسلامية فى عهد العباسيين ، فلقد كان من أسمائها : بغداد ، بغذاذ ، بغذاد ، بغداذ ، بغدان ، مدينة المنصور ، مدينة السلام الخ . ولقد قال المتقدمون : إن كثرة الأسماء دليل على شرف المسمى .

وبعد ، فلقد علمت أن كثيراً من المصريين كانوا يحجون فى مطالع الصيف من كل عام إلى دار الخلافة ، ثم يعودون ، إذا عادوا ، فيحكون ، شأن وصفائهم من رواد بلاد الشام .

على أن الحديث ، كما قلت لك فى المقال السابق ، مختلف بين الفريقين جد الاختلاف ؛ فانك قل أن تسمع من رواد اصطمبول حديث ( البقلاوة)، أو ( اليلنج ضلمة ) أو ( الأمام بيلدى)، وأرجو أن تفخم اللام فى هذه بكل ما تستطيع من التفخيم .

إذن لم نكن جمهرة أحاديث هؤلاء مما تتحلب له الشفاء ، ويتنزى على ذكره عصير المعد . بل لقد كان حديث ( حكائيهم ) فى السياسة العليا ، وفى شوكة السلطان ، أو الخليفة ، أو ( الباديشاء)، وما له من قصور ، تزخر بالسمين الحور ، وما تخرج ( بلدز ) للمقربين من موائد تعد فى كل يوم بالآلاف ، تجمع كل واحدة منها عشرات الصحاف ، الخ .

أما جنود السلطان وفيالقه ، وجيوشه وكتائبه ، فمعا ( لو  رمى بواحدة منها مناكب الأرض لم تثبت على قدم) !

وناهيك بما أصاب هؤلاء الرواد من متع دونها ما وصف به نعيم أهل الجنة . وناهيك بما وقفوا عليه من أسرار السياسة ، سياسة ( الباب العالى ) التى سيدين لها العالم ، وتحشر بين يديها دول الأرض في قريب من الزمان !

وقبل أن أعرض عليك نماذج من أحاديث أولئك

الحكائين ، أرى لزاماً أن أقرر أن عيش الحر فى تلك البلاد ، فى عهد السلطان عبد الحميد ، لم يكن إليه سبيل بحال من الأحوال . وبحسب المرء أن يرفع بصره إلى قصر من القصور السلطانية ، أو يحرك لسانه بكلمة واحدة فى السياسة ، أو يذكر الجبش ، ولو بالخير ، أو ينطق باسم ( عبد الحميد ) يريد به أى إنسان كان . بحسبه شىء من هذا ونحوه لتخطفه ( الخفية)(١) خطف العقبان . وسرعان ما تلقى به فى مطبق(٧) يظل يتخلج فى ظلامه الأيام الطوال ، حتى يأذن الله بطلعة ( المستنطق)( ٢ ) فإذا قضى أياما أخر بين ( السين ) و ( الجيم ) وقف المسكين على مفترق الحظوظ ، فإما إطلاق ، وهذا هو الفوز الأكبر ، وإما أمر بترك البلاد ، إذا لم يكن من أهلها وهذا هو الفوز ( نمرة ٣). وإما ترك له فى السجن ونسيان ، حتى يأذن الله بالفرج بعد عام أو أعوام . وإما نفى فى بعض قواصى الولايات ، وإما إلقاء فى البسفور ، حيث يضرح له فى بطون الحيتان !

والعجب أن عثمانياً لم تطل خلافته كما طالت خلافة عبد الحميد . والأعجب أن استبداداً وعسفاً وتخريباً لم يقس فى تلك المملكة كما قسا الاستبداد والعنف والتخريب فى عهد عبد الحميد . ولم يخرج عنها من ولاياتها ولم يقتطع من أملاكها كما خرج واقتطع فى عهد عبد الحميد . وأعجب الأعجب ، بعد هذا كله ، أن جمهرة المصريين لم يحبوا أحداً كما أحبوا عبد الحميد ، ولم يدينوا بالولاء الحاد لإنسان كما دانوا لعبد الحميد ، ولولا بقية تمسكهم

من دين لعبدوه مع الله ، أو لعبدوه من دون الله ، والعياذ بالله ، وأستغفر الله العظيم !

وذلك الحب المتمكن من النفوس ، والمتغلغل فى القلوب يرجع إلى أسباب لا محل لبسطها فى هذا المقال . وكيفما كان الأمر ، فإن السلطان عبد الحميد لقد بلغ من نفوس المصريين ، على الخصوص ، موضع التقديس والتنزيه ، حتى إذا لاح فى خاطر المرء لائح من الإنكار لبعض حكمه وتصريفه ، أسرع فرد ، واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم !

ولم يكن أعوان السلطان على إدارة الشئون وتصريف الأمور هم الوكلاء ( الوزراء ) ولا من دونهم ممن يشغلون عليا المناصب فى الدولة - بل لقد كان الرأى قسمة بين السيد أبى الهدى الصيادى ( من مشايخ الطرق الصوفية ) والشيخ ظافر ( شرحه)، وعزت باشا العابد . ولا أدرى ماذا كان منصبه ، ولا ننس نفوذ الباش مصاحب ( الباش أغا ) أو كبير الخصيان فى قصر السلطان . أما آخر من يتحدث على أى أمر من الأمور ، أو يرجع إلى رأيه فى شأن من الشئون ، فهو صاحب الفخامة الصدر الأعظم . وكان يتقدم بحكم ( البروتوكول ) على خديو مصر فى تلك الأيام . ولهذا ظل المرحوم خليل رفعت باشا صدراً أعظم فى أكثر عهد السلطان عبد الحميد ، لأنه لم ينطق فى الشئون العامة بكلمة واحدة !

وعلى الجملة . فلقد أثمر هذا النظام كل ثمراته من إشاعة الدس والكيد ، والسعاية والوقيعة ، والبطش والتنكيل ، وإهلاك أصحاب الكفايات أو إبعادهم ، وتقريب الجواسيس (١) وإطلاق أيديهم فى أرزاق الناس وأعمارهم وأضحت الرشوة هى السبيل إلى نيل الحقوق وإلى غصب الحقوق على السواء . وتبع ذلك ما ينبغى أن يتبعه من

جدب العقول ، وفقر الجيوب ، وتقلص الأفكار ، وضمور الحريات ؛ وأسرع الفساد إلى جميع المرافق ، ولحق الخراب عامة البلاد ، ولم يبق عامرا فى الدولة كلها إلا ( الجيب الهمايونى ) الذى تعصر له الرعية عصراً  كل صباح ومساء ، فى ضرائب لا يتناولها الحصر ولا يدركها الإحصاء !

ولقد جرى الولاة فى ولاياتهم على هذه الأساليب ،  وكذلك المتصرفون فى متصرفياتهم ، والسناجق فى سناجقهم ، وسائر العمال فى أعمالهم . وكيف لهم بالعيش إذا كانت وظائفهم وأرزاق من قبلهم من الجند تحبس عنهم الأشهر بل السنين ؟ !

وولى هذا ما يجب أن يليه من ضعف الدولة ووهنها ، وعجزها عن حماية أرضها ، وتمكين سلطاتها فى ملكها . فجعلت ولاياتها تنسلخ منها واحدة فى إثر واحدة ، حتى

بلغت عدة الولايات التى خرجت عن حكمها فى عهد السلطان عبد الحميد وحده قرابة الثلاثين !

ومع هذا وهذا وذلك يأبى الحكاؤون إلا أن يشيدوا فى المجالس بما أصابوا فى ( دار السعادة ! ) من المتاع ، وما تقلبت فيه أعطافهم من النعيم ، وما شهدوا من مجد الدولة وسلطانها ، وما اطلعوا عليه من أسباب قوتها وبأسها ، وما انتهى إلى علمهم من أسرار سياستها التى تعي الأفكار وتعز على الأفهام ، وإن كانت ثمراتها الضخام ، ستجنى بعد أعوام أو بعد أيام ! .

ولقد استهلكت هذه المقدمات التى لابد منها القدر المقسوم لهذا المقال ، فلنرجى عرض نماذج ( الحكائين الاصطمبلليين ) إلى يوم آخر إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية