الحياة والموت لغز الأيد الذى حارت وستحار فيه العقول . أتعب الفلاسفة وأضنى المفكرين ، وخيل إلى كل منهم أنه قد اهتدى إلى الحل ، وانه قد عرف - وليته حقاً عرف - السر ، ولكل وجهة نظره التى ارتاح لها أخيراً وآمن بها إيمان بنفسه ؛ فاختط لنفسه منهجاً فى الحياة على أساس نظرته أو فكرته التى اطمأن إليها ، وراح يدير أموره وعلاقاته بحسب هذا المنهج ، والإنسان الذي يسير على منهج system معين فى حياته خير ممن يسير على غير تعدى ؛ فهو يتحكم فى الأمور وفق إرادته وحسب فكرته التى ضنى فى تكوينها ، ولا يتدخل فى أموره ما يخالف إرادته . أو يفسره على الخروج على فكرته . وكذلك كان طرفة ! .
رأى طرفة فى الحياة رأياً بعد أن انفذ البصيرة ، فاعتنق هذا الرأى وآمن به ولم يرض الخروج عنه . وراح يتصرف فى الحياة بحميه ، ساء ذلك الناس أم سرهم ، أرضى العشيرة أم أغضبها ، ولم يستمع للائم ينقد تصرفه ، بل يعجب أن يلومه غيره لاختلاف وجهات النظر ، ويناقش عن رأيه إلى أن يطمئن إلى أنه قال ما هو عسى أن يقنع ، فعندئذ يقول لك : دعنى إذاً لسجيق ؛ فأنا الذى سأتحمل نتيجة تصرفى . .
الحياة عند طرفة ملهاة لا أكثر ولا أقل ، والموت هو الستار الذى يسدل على هذه الملهاة ، ولكن أحداً لا يستطيع التحكم فى إسدال هذا الستار فى الوقت المناسب بل قد يسدل فى اثناء الملهاة على غير ما توقع من الشهود ، وهذا ما يثير قلق طرفة ، ثم ماذا بعد الموت ؟ احيانا لا يدرى ، وأحياناً أخرى يرى أعمال الإنسان تحاسبه ، وهذا التردد نتيجة القلق ؛ لأنه بينما يدعو إلى اتخاذ الحياة ملهاة وعبثاً فإنه يدعو أيضاً إلى الزود من المعروف .
فإذا قلت : إن خوفه من الموت هو الذى أملى عليه
حياة العبث ، وخوفه أحيانا مما قد يكون خلف الموت هو الذى أملى عليه التزود من المعروف . لم أذهب بعيداً :
لعمرك ما أدرى وإنى لواجل
أفي اليوم إقدام المنية أم غد . .
لعمرك ما الأيام إلا معارة
فما اسطعت من معروفها فتزود
أو يقول :
فكيف يرجى المرء دهراً مخلداً
وأعماله عما قليل تحاسبه
غير أن طرفة قد بادر منذ اللحظة الأولى بقطع الطرف الأكثر ثقلاً أو الأكثر غموضاً وإيهاماً وإتعاباً للفكر ، وهو الموت ؛ فعرف أنه يترصده حيث كان ومتى كان ، فلا بد أن يصرف أكبر همه إلى الحياة ، وأن يستمتع بها ما وسعه الاستمتاع ، ووسيلته إلى ذلك المال ؛ فى اللهو والعبث باع طرفة كل ما يملك وأنفق طريقه ومتلده ، غير مبق على ثراء أو مدخر لمال ، بل إنه ليستعبد هذا المال ما دام لا يذود عنه المنية :
وتقول عاذلتى وليس لها بعد ولا ما بعده علم
إن الثراء هو الخلود وإن المرء يكرب يومه العدم
ولئن ينبت إلى المشقرفى هضب تقصر دونه العصم
لتنقين عنى المنية إن الله ليس لحكمه حكم
فالثراء إذاً ليس هو الخلود ، ومن خطل الرأى أن يحرم الإنسان نفسه الملذات ، ويفتر عليها إبقائه على المال الذى لن يضمن له الخلود ، وحين توافى المنية أليست تساوى بين قبر البخيل المقتر وقبر المسرف الذى لم يحرم نفسه أطايب الحياة ؛ وهناك بين القبور لا تكاد تفرق بين قبريهما ؛ فقد علتهما الحجارة المنضدة ، ولا امتياز لضجعة واحد على الآخر ، بل الكل سواسية أمام الموت :
ألم تر لفمان بن عاد تتابعت
عليه النمور ثم غابت كواكبه
أو يقول :
أرى الموت لا يرعى على ذى جلالة
وإن كان فى الدنيا عزيزاً بمقعد . .
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى
عقيلة مال الفاحش المتشدد
أو يقول مصوراً قبر البخيل والمفسد المتلاف لماله
متجاورين :
أرى قبر نحام بخيل بماله
كثير غوى فى البطالة مفسد
ترمى جنوتين من تراب عليهما
سفائح صم من صفيح منضد
وطرفة يلقى على المال والعقل أهمية كبرى ممن أراد أن يعيش حياة رخية ناعمة ، وبغيرهما يقل بهاؤه ، وتطبق عليه أقطار السماوات والأرض ، ولا ينفعه الحزم فى معرفة مواقع الخير له فى أى وجه من الأرض هى ، أوراءه أم قدامه ، وإن غاب فى طلبه لم يشفق على غيبته صديق ، وإن عاد لم يفرح لعودته أصفياؤه ، وإن مات لم يفقده أحد ، وإن عاش لم يسرر أحداً لقاؤه ، وهكذا نقل أصدقاؤه ، ولا يحلو فى قلب أحد إخاؤه ، وعندئذ ينقم عليه أبناؤه ، ونقل قيمته فى نظرهم ، ولم يرتضوا منه عقله وإن كان كبير العقل ، أو لم يرتضوا منه عقله الذى قصر به وبهم دون توفير الأموال . وعندئذ لا ينصره أحد وإن كان منطبقاً قليل الخطأ ، بل يرد عليه كلامه .
وقيمة المال وأهميته فى الحياة لا يستطيع أن ينكرها أحد ، ولكن طرفة يعطينا لمسات موفقة من صميم الحياة لما يعانيه الشخص الذى قل ماله . ودقة الحس فى هذه القسات واضحة فيما يصور لنا طرفة من تغير فى وزن الأبناء وتقديرهم لأبيهم وعقله حين يقل ماله :
إذا قل مال المرء قل بهاؤه
وضاقت عليه أرضه وسماؤه
وأصبح لا يدرى وإن كان حازماً
أقدامه خير له أم وراؤه
ولم يمش في وجه من الأرض واسع
من الناس إلا ضاق عنه فضاؤه
فإن غاب لم يشفق عليه صديقه
وإن آب لم يفرح به أصفياؤه
وإن مات لم يفقد ولى ذهابه
وإن عاش لم يسرر صديقاً لفاؤه . .
إذا قل مال المرء قل صديقه
ولم يحمل فى قلب الخليل إخاؤه
إذا قل مال المرء لم يرض عقله
ينسوه ، ولم يغضب له أولياؤه
وأصبح مردوداً عليه كلامه
وإن كان متطيقاً قليلاً خطاؤه
وطبيعى أن وفرة المال تجنب الشخص كل هذا ؛ ويستمد الإنسان المال من أهله قبل كل شئ ، فإن نبذه أهله فليس معنى ذلك أنه قد قضى عليه ، فها هو ذا طرفة تنبذه العشيرة ولو شاء الله لمنحه مالاً كثيراً وجعله كسيد من ساداتهم :
فلو شاء ربى كنت قيس بن خالد
ولو شاء ربى كنت عمرو بن مرئد
فأصبحت ذا مال كثير وزارنى
بنون كرام سادة لمسود
وإذا ما رزقت المال الكثير فتذكر أنه للإنفاق لا للتقتير ، وتذكر دائماً أن المنايا وسد الغنى حيث سلك ، ومهما طال عمر الإنسان فإلى انقضاء لا محالة :
أرى المال كنزاً ناقصاً كل ليلة
وما تنقص الأيام والدهر : ينفد
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى
لكالطول المرخى وثناء باليد
والمنايا بعدد النفوس ، وهي موافية فى الغد لا محالة ، وإن غدا لناظره لقريب ، وحيث يكون المرء فالموت لاحقه ولا يفلت منه إنسان :
أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى
بعيداً غداً ، ما أقرب اليوم من غد
ولا بد من صوب وشيك وآجل
فحيث يكون المرء فالموت لاحقه
وإذ تحقق لطرقة هذا الرأى كان طبيعياً جداً أن يحمل حملته على زجر الطير عندما ينوى الشخص أمراً ، فلا خيرة للطير بما يكون أو سيكون ، ولا علم لها بما سيكون خيراً أو شراً حتى يصدر الناس فى حياتهم عن إشارتها العضوية . والموت يلاقى الشخص ، أطاع الطير أم عصاه :
لعمرك ما تدرى الطوارق بالحصى
ولا زاجرات الطير ما الله فاعل
إذا ما أردت الأمر فامض لوجهه
وخل الهويتى جانباً متنائياً
ولا يمنعك الطير مما أردته
فقد خط فى الألواح ما كنت لاقياً
وهكذا يحمل طرفة على معتقد من معتقدات العرب سائد بينهم ، ولم يحمل عليه بدافع دينى كما قد يتبادر إلى الذهن بل كانت حملته هذه جزءاً من فكرته العامة عن الحياة والموت . ووراء قسم طرفة فى الأبيات السابقة تحس بابتسامة سخرية مرة ، تدل على ضيقه بأفكار الناس ، وآمالهم فى مستقبل يخيل إليهم أنهم قد عرفوه واطمأنوا إليه ؛ والحق أنهم لم يعرفوا ، ففى المستقبل ما لم يحر لهم مخاطر أو يكن فى الحسبان . ولكنهم اطمأنوا إلى ذلك فاستراحوا ، ولم يطمئن طرفة فلم يسترح . كان المستقبل فى عبقيه مظلماً ، والحياة بلا أمل فى المستقبل ضيقة وتقبلة لا تحتمل ، ولكن ما حيلته فى ذلك . وهكذا الشاعر : يرى الناس يقضون حياتهم مستريحين إلى أفكار وعادات تدل دلالة واضحة على الغفلة الفاضحة . ولكن خواطرهم بذلك مستريحة لا يقلقها شئ ؛ ولو خلقه الله مثلهم ، لا يدقق ولا يمكننه الأشياء ، لاستراح مثلهم ، ولكنه لا يملك من أمر ذلك شيئاً ، فوجدانه الحساس يتأثر بأقل المؤثرات ، وبأدق الأمور ، ويقلقه أتفه الأشياء فضلا عن أعظمها ، فلا يجد إلى الراحة سبيلاً . والشاعر بهذه المثابة مبتلي بنفسه .
والمهم فى أمر طرفة أنه لم يترك أفكاره تأكله وتقضى عليه ، بل هضمها هو هضما جيداً ومثلها تمثلاً تاماً ، فاستراح هو أيضاً بدوره إليها ، ولم تنغص عليه حياته حين كانت غصة فى حلق الآخرين . كانت أفكار طرفة أفكاراً عملية لها من الواقع والوقائع سند قوى ، فكانت بمثابة دستوره فى الحياة .
لم يقلقة اعتنافه لهذا الدستور والسير عليه فى حياته ، ولم يؤرقه العمل بمقتضاه ، وإن كان هذا الدستور فى حد ذاته لم يتكون - كما سبق أن قلنا - إلا نتيجة للقلق النفسى ، ولم يترعرع إلا على أرض من التشاؤم ، ولكن طرفة أخيراً قد ارتضاه ورأى فيه جلية الصواب :
لعمرك ما أمرى على بقمة نهارى , ولا ليلى على بسرهد
والخلاصة أن طرفة شاعر يحملنا على احترامه من جهة
تعبيره عن فترة حرجة في حياة الفرد شديدة التعقيد ، تعبيراً صادقاً . وهذه هى فترة الشباب . فيها يساور الإنسان كثير من الوساوس والشكوك ، وتكون الحياة هى مشكلة المشكلات لديه : الأفكار السائدة والعادات الجارية ، والعقائد . . كلها تكون محل أخذ ورد ، فإن كان فاتراً جرى معها فى عنان ، وإن كان فاتراً التقى معها فى اصطدام . وقد اصطدم طرفة كثيراً بما كان سائداً فى عهده من أفكار ومعتقدات ، وانتهى إلى أن الحياة وشيكة الزوال ، والمنية تدهم الإنسان فى كل مكان . فلا بد من التمتع بأكبر قسط من ملاذ الحياة ، ولا معنى للشح واختزان الأموال وتصنع الحكمة
البحبحة فى الحياة ، ورمى الظمأ بملذاتها قبل أن ندهم المنية ، وهو ما سيطر على طرفة فى فترة الشباب التى لم يتجاوزها ، وإن خطر لك أن تختلف معه فى وجهة النظر فلك هذا . ولكنه يقول لك : إنه .
كريم بروسى نفسه في حياته
ستعلم إن متنا غدا أينا الصدى
(تم)

