الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 262 الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - السجون فى مصر، في العصور الوسطى

Share

وقد ورثت القاهرة المملوكية هذه السجون الثلاثة ، وبقي كل منها على مأموريته حتى أمر السلطان الملك قلاون الألفى بهدم حبس المعونة ، ويقال في صدد ذلك انه لما أصبح قلاون من جملة الأمراء الظاهرية بيبرس ، صار يمر من داره إلي قلعة الجبل على حبس المعونة هذا ، فيشم منه رائحة رديئة ، ويسمع منه صراخ المسجونين وشكواهم الجوع والعري والقمل ، فجعل على نفسه إن استقامت له السلطنة أن يبني هذا الحبس مكانا حسنا ، فلما آلت إليه سنة ٦٧٩ ه (١٢٨٠ م ) هدمه وبني موضعه سوقا أسكنه بباعي العنير ( الكارم ) الذي نعمل منه قلائد النساء والمسابح ، وسماه سوق العنبريين ، وكان ذلك سنة ٦٨٠ ه ( ١٢٨١ م ) . وقد ظل هذا السوق مشهورا بتجارته حتى تلاشى أمره ، وحلت محله أخيرا مجموعة الدكاكين التابعة لوكالة يعقوب بك بالتربيعة الحالية ، كما تقدمت به الإشارة هنا .

غير أنه لم يكد السلطان قلاون ينتهي من هدم حبس المعونة حتى ابتدأ في بناء سجن جديد سنة ٦٨١ ه ( ١٢٨٢ م )، وهو الحب بقلعة الحبل ، بالجهة الشرقية من الحوش الحالي منها (١ ) ، حيث توجد الآن ثكنات الجيش المصري . وقد خصص الجب هذا السجن الذين يقضي السلطان نفسه - فيما يظهر - بسجنهم من أمراء المماليك ، وكان سجنا مهولا مظلما كريه الرائحة ، تسكنه الوطاويط ، ويقاسي المسجونون فيه ما هو كالموت أو أشد

منه . وإذا فقد غدت القاهرة المملوكية تحتوي علي ثلاثة سجون مرة اخرى ، ما عدا ان منها اثنين سياسيين ، وهما خزانة البنود والجب ، وواحدا للذين تجب عليهم عقوبة الإعدام ، وهو خزانة شمائل . وليس معني ذلك عقلا أنه لم يعد هناك سجن لأرباب الجرائم العادية ، أو أن أولئك صاروا قلة لا تستحق سجنا خاصا ، بل معناه - اكبر الظن- أن تلك السجون وغيرها من السجون في مصر في العصور الوسطى لم تخصص تخصيصا دقيقا بحسب أصناف المجرمين ، وأنه كان من المعتاد أن يحتوي السجن الواحد على المجرم العادي ، من سارق وباغ ومعتد أثيم ، إلى جانب السياسي الخارج بمبادئه أو أطماعه الجامحة عن طاعة السلطان ، أو أنه كان بالقاهرة المملوكية فوق سجونها الثلاثة سجن رابع فعلا ، لأرباب الجرائم العادية مثل سجن الديلم ، وهو السجن الذي أورده المقريزي في فصله مجردا عن شرح أو وصف أو تعريف بأصل أو كينونة

ثم قلت سجون القاهرة قلة واضحة زمن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون ، إذ ردم سجن الجب بأمره بناء على إشارة الأمير يكتمر الساقي سنة ٧٢٩ ه ( ١٣٢٨ م ) ، وعمرت موضعه طباق ( ثكنات من دور واحد ) لفئات المماليك ، ونقلت محابيسه إلي بعض أبراج القلعة . وقد فعل السلطان ما يشبه ذلك بسجن خزانة البنود ، إذ ابطل السجن به وحوله إلى منازل للاسري من الفرنج وغيرهم ، يقيمون فيها بأولادهم وأهاليهم . غير انه يظهر ان اولئك الأسري قد أساءوا استعمال تلك المنازل على حد قول المقريزي - إذ تجاهروا فيها ببيع الخمور وشربها ، واشتغلوا بحماية من يدخل إليهم من أرباب الديون والجرائم ، حتى ضج بهم الجيران ، ومنهم الأمير الحاج آل ملك الجوكندار ؛ فلما صارت نيابة السلطنة إلى ذلك الأمير سنة ٧٤٤ ه (١٣٤٣ م)، في عهد السلطان إسماعيل من الناصر محمد ، كان أول ما بدأ به أن هدم خزانة البنود هدما

تاما ، أي انه لم يعد بالقاهرة من السحون الكبرى في أواسط القرن الثامن الهجري ( أواسط الرابع عشر الميلادي ) سوى سجن خزانة شمائل وسجن أبراح القلعة ، هذا للمجرمين الواقعين تحت طائلة القانون العام ، وذلك لأرباب الجرائم السياسية

ومن بعد تلك القلة الملحوظة في عهد السلطان الناصر ، أخذ عدد السجون بتطور بين زيادة ونقص على قدر الظروف . فاستجد سجن الرحبة ، الذي جعله الأمير جمال الدين يوسف الأستادار بقصر الحجازية المشهور ، وموضعه الأرض التي تشغلها الآن مباني إدارة دمغة المصوغات والموازين والمكابيل ومبني بيت المال القديم . وكان هذا الأمير قد أصبح ، منذ سنة ٨٠٧ ه ( ١٤٠٤ م ) ، الشخصية الكبرى في عهد السلطان فرج ، واتسعت سلطانه ونفوذه ، وتعددت وظائفه ، " بحيث صار في معنى ما كان فيه الوزير في أيام الخلفاء " العباسيين ، فأقام ذلك السجن وألقي في غيابته من رأى عقوبته أو قتله أو تعذيبه من أعدائه من الأمراء والأعيان ، أي أن سجن الرحبة كان سجنا سياسيا ، أو شبه سياسي على الأقل . على أن وظيفة الأستادارية  لم تحمل معها تلك الحقوق القضائية والإدارة من بعد ذلك الأمير فيما يظهر ، بدليل (١ ) أن سجنه هذا قد أغلق من بعد وفاته سنة ٨١٢ ه (١٤٠٩ م ) ولم يمض على ذلك بضع سنوات حتى أغلق سجن آخر ، من أقدم سجون القاهرة ، وهو خزانة شمائل ؛ وقيل بصدد إغلافه عبارة تشبه في جوهرها ما قيل بصدد السلطان قلاون وحبس المعونة بالقاهرة . وخلاصتها - على كل حال - أن السلطان الملك المؤيد شيخ كان قد حبس بخزانة شمائل أيام إمارته ، فنذر أن يحمل مكانها جامعا ومدرسة إذا تيسرت له السلطنة ، ووفي بنذره وفاء تاما في السنة الثالثة من حكمه ، ببناء

جامع المؤيد المشهور سنة ٨١٨ ه ( ١٤١٥ م ) . على أنه احتاج إلى سجن جديد لأصحاب الجرائم بدل خزانة شمائل ، فبني لذلك سجن المقشرة قرب باب الفتوح الحالي ، فيما هو الآن قرافة سيدي الساعي ، شرفي جامع الحاكم بأمر الله . وقد عرف سجن المقشرة بتلك التسمية نسبة إلى دار لقشر القمح كانت في موضعه قبل بنائه ، غير أنه سرعان ما بطل استخدامه لسجن أرباب الجرائم سنة ٨٢٠ ه ( ١٤١٧ م ) ، إذ كثرت الشكوى المساجين به من شدة الضيق وكثرة الغم على حد قول المقريزي - فتقرر إغلاقه تلك السنة ، وفتح سجن الرحبة مرة أخري . ثم نبين أن سجن الرحبة لا يصلح - أو لا يسع - ما هنالك من المساجين ، فأعيد استخدام المقشرة مرة ثانية ، وظلت هذه سجنا لأصحاب الجرائم إلى أيام استيلاء العثمانيين على مصر . ومعنى ذلك أن السجون الكبرى بالقاهرة لم تعد اثنين في وقت من الأوقات منذ أيام السلطان الناصر بن قلاون ، وأنها لم تزد على ثلاثة في أي زمن من الأزمنة السابقة لذلك العهد .

يشذ عن تلك النتيجة الاستقرائية عدد من الحبوس والسجون التي ترد اسماؤها في ثنايا المراجع دون تدليل كاف يستعين به الباحث على إدماجها تحت نوع من الأنواع المتقدمة ، مما يرجح تبعيتها لسلطات غير السلطات التي تقع السجون السالفة تحت نظرها ؟ ومن هذه سجن الديلم الذي سبقت الإشارة إليه ، وموضعه دار النومي ودار المعابرجي وسائر المساكن الواقعة الآن على جانبي زفاق السباعي الخارج من شارع العقادين ، وقد ظل مستعملا للسجن حتى أوائل أيام محمد على الكبير في مصر ؛ ومنها ايضا حبس الحجرة ، وهو خاص بالنساء ، وربما كان تابعا للمحتسب ؛ وكذلك حبس والي الطوف ، وهو سجن مؤقت لمن يقضي هذا الوالي في أمره بصفة مستعجلة حتي يطلع النهار . وهناك ايضا سجن الخزانة السلطانية بالقلعة ، وهو سجن طارىء ، عمله الأمير منطاش لسجن

مماليك السلطان برقوق بعد خلعه سنة ٧٩٠ ه )( ١٣٨٨ م ) ، وقد ألغى ذلك السجن عند عودة برقوق إلى السلطنة ؟ وكذلك سجن البحرة بالقلعة ، وكان مخصصا لاعتقال من يخلع من السلاطين وأخيرا سجن الزردخاناه ، وقد اختار المقريزي أن يصفه بأنه " أرفع السجول قدرا " لقصره على أمراء الماليك دون غيرهم فيما يظهر ، وكان الموكل به فضلا عن شؤون وظيفته امير جاندار . فإذا أراد السلطان تقرير أحد من الأمراء على شيء خطير ، أو أمر بقتله بذنب قبل أن يستعجل أمره ، أرسله إلى ذلك السجن ، حيث لا تطول مدته ، بل يقتل أو يخلى سبيله .

ويضاف إلى تلك القائمة عدد الحبوس والسجون الى كانت للولاء وللقضاة بحواضر الأعمال المصرية ، وهي التى دليت عليها عبارة العنوان في وضوح . ثم إنه كان بعض تلك الحواضر ، مثل دمياط والإسكندرية ، سجون سياسية ايضا ، يرسل السلاطين إليها من نضيق بهم ظلمات سجن القاهرة ، أو من تقضى الصلحة بإبعادهم عن عاصمة الدولة إبعادا ماديا . وقد اشتملت كبري الحواضر الشامية ، مثل دمشق وحلب والمرقب ، على عدد من تلك السجون السياسية كذلك ، على أن هذه لا تدخل في نطاق هذا المقال .

اشترك في نشرتنا البريدية