أما صاحبنا إدورد وليم " لين " فكان أكبر من صديقه الدسوقى بنحو عشر سنوات ، إذ ولد فى " هير فورد " بانجلترا سنة ١٨٠١ ؛ وكانت أمه متينة الخلق لطيفة الطبع ، فورث منها - كما كان يقول - كثيرا من حسن استعداده واستقامة تفكيره . تعلم فى مدرسة بلده ، ثم أريد أن يكون رجل دين ، فأبى ذلك وتخصص للاستشراق ، فجد فى التعلم والبحث حتى ساءت صحته ؛ فنصح أن يذهب إلى مصر ، فجاءها لأول مرة شابا سنة ١٨٢٥ ، وجعل همه أن يدرس اللغة العربية فى أهم أماكنها ، وأن يدرس حالة الشعب المصرى وأخلاقه وعاداته وثقافته وكل ما يتصل به ، فمكث فى ذلك ثلاث سنين ، متزييا بزى الأتراك , ومتسميا منصور " أفندى زاده " ساكنا فى الأحياء الوطنية ، متنقلا بين القاهرة والنوبة ؛ فكتب فى ذلك ما شاء من التعليقات واليوميات والملاحظات ، وعرضها على جمعية فى انجلترا بعد عودته ، فاستجمعتها وأشارت بطبعها ؛ ولكنه رأى أنها ناقصة تحتاج إلى إكمال , فعاد ثانية إلى مصر سنة ١٨٢٣ ، ومكث فيها نحو سنتين ، قضى أكثرها فى القاهرة وأقلها فى الصعيد ، باحثا منقبا عن العادات والأخلاق ، مصححا ما دون من قبل .
وضع للوصول إلى هذا الغرض برنامجا دقيقا ، فقد تعلم العربية حتى استطاع أن يتفاهم مع الشعب ويفهم منه ، والتزم أن يعيش كما يعيش المسلمون ، ويتعود عاداتهم ؛ وحتى لا يثير شكوكهم كان يصوب آراءهم
ويمدح عاداتهم ما طاوعته نفسه ، ويتجنب مخالفتهم وما يستوجب كراهيتهم ، ويمتنع عن أكل ما لا يأكلون أو شرب ما يحرمون ، فلا يأكل خنزيرا ولا يشرب نبيذا ، بل تجنب حتى ما لا يعتادون ولو أباحه الدين ، فلا يستعمل فى أكله أمامهم شوكة ولا سكينا ؛ ومكنه ملبسه وكلامه وعاداته ومظهره بمظهر الاسلام أن يدخل المساجد ، ويشهد الموالد ، ويرى الشعائر ، ويشترك فى شهود الأعياد والمحافل ، وكان يشعر بتحفظ المصريين عن الكلام فى الجن وكرامات الأولياء والسحر وما إلى ذلك أمام من لا يعتقدها ، فكان يتسقط من بعضهم كلامهم فى هذا الموضوع ، ويتظاهر بالاعتقاد فيها والايمان بها ، ويحدث مستمعيه ببعض ما سمع ، زائدا عليها من خياله ، حتى يأمن محدثه جانبه فيفيض عليه من أحاديث الجن والكرامات ، والسحر والغيبات ، ما يملأ رغبته ويحقق مطلبه ، ويقفه على كل ما يدور برءوس عامة المصريين من هذا الباب . فكان يحدث عن أحداث رأى فيها الجن ، وكان يقول إنه يعتقد فى الشيخ أحمد الليثى الذى كان يمشى حافيا فى ركاب الشيخ العروسى أنه من أهل الكرامات ، لأنه يحدثه بأخبار لندره فى مواعيدها قبل أن يأتيه البريد بها ؛ يستجلب بذلك كله أحاديث الناس فى مثل هذه الموضوعات وتوسعهم فيها . كما كان يحدث خاصته من المسلمين بأنه يعتقد فى عيسى عليه السلام أنه رسول لا إله ، وفى محمد أنه رسول الله سيد ولد عدنان . واختار شيخين مسلمين يأجرهما ليزيدا فى تعليمه العربية ، وليستقصى منهما الأخبار والآراء ، وليستفسر منهما عما يتوقف فيه ، وليعرض عليهما ما وصل إليه ليصححا خطأه إن كان ؛ وصادق بعض الكبراء والعظماء والأغنياء ، وكثيرا ما كان يتردد على الشيخ العروسى والشيخ العطار ، ويفتح بيته للزائرين والمترددين ، ويغدق عليهم من كرمه ، يقدم لهم القهوة والدخان ، ويدعوهم للغداء والعشاء ،
وتتردد أخته على قصور الأمراء فتتعرف عاداتها ودخائلها . وهكذا عمل كل ما يستطيع للوقوف على كل شئ فى مصر . وقد كان ماهرا فى فن التصوير ، فصور بيده كل ما يعنيه من الصور : الرجل فى صلاته ، والمرأة فى بيتها ، والسقاء بقربته ، وحفلات الذكر ، وأدوات الزينة ، وآلات الغناء وأنواع الحلى ، إلى أن أتم ١٣١ صورة أودعها كلها فى كتابه الذى نشره سنة ١٨٣٦ .
كما عكف على ترجمة " ألف ليلة وليلة " ، ولعل ذلك لأنها تتم حلقة عمله فى العادات والأخلاق ؛ فألف ليلة تمثل الحياة الاجتماعية الاسلامية فى القرون الوسطى ، وكتابه الذى أسلفنا يمثل الحياة الاجتماعية فى مصر الحديثة ، نشره سنة ١٨٣٨ - ١٨٤٠ .
هذا هو لين " قبل أن يتعرف بصديقه " الدسوقى " . ثم عمل " لين " تصميما لعمل خطير ؛ هو أن يضع معجما للغة العربية باللغة الانجليزية ، أساسه ترجمة القاموس مع شرحه تاج العروس ، وهذا يتطلب أن يفهم القاموس المحيط فهما جيدا ، وهو صعب الفهم حتى على أهل العربية ، وهو أيضا يقتضى نسخة صحيحة ما أمكن من القاموس ، ثم تراجع على سائر النسخ ليتثبت من صحتها ، ثم إذا وصل إلى نبات أو حيوان - وما أكثرها فى القاموس - وجب أن يعرف مقابلها بالانجليزية ، وإذا اعترضته عبارة غامضة حل غموضها ، وهكذا ، عمل شاق لا يستطيعه إلا رجل جبار ، وليس يمكن ذلك إلا فى مصر بلد العلم العربى ، وهى - أيضا - حارة الجو جافته تناسب المعدودين أمثال " لين " .
وضع خطته للسفر وبعث إلى صديقه " فرسنل " ليتخير له معينا ، فكان هو الشيخ الدسوقى - كما أسلفنا . حضر إلى مصر لثالث مرة سنة ١٨٤٢ ، وكان عمره إنذاك ٤١ سنة ؛ ولكن الشيخ الدسوقى قال : " وفد علينا فى عقد الخمسين من البلاد الشاسعة ، ذات العارف
الواسعة ، والصنائع البارعة ، والتحف الرائعة . . . . إنسان قد وخطه الشيب ، وليس فى لسانه لكنة ولا عيب ، طويل القامة ، كبير الهامة ، تلوح عليه الأمارة ، فصيح العبارة ، كأنه عدنانى أو قحطانى ، إلا أنه ذو زى عثمانى ، لا يتكلم إلا بفصيح الكلام ، وله بفنون الأدب إلمام " اعتاد " لين " أن يسكن فى الأحياء " البلدية " فكان يسكن فى " حارة السقايين ثم فى حارة قواديس " ودعا الشيخ الدسوقى أن يزوره فى بيته ، وعند أول لقاء عرفه بغرضه ، وعرض عليه منهج العمل فى القاموس ، وطلب أن يحضر إليه كل يوم عصرا ، ورتب له كل شهر مبلغا من المال فوق ما كان يؤمل الشيخ الدسوقى ، وشرعا - على بركة الله - فى العمل .
أعد " لين " مكتبة يستعين بها على عمله ، فعنده نسختان خطيتان من القاموس ، ونسختان من الصحاح ، ونسخة من تاج العروس شرح القاموس ، وبعض نسخ أخرى ، ونسخة من لسان العرب ، يظن الدسوقى أنها بخط المؤلف ، وأجزاء من المحكم لابن سيده ، وكثير من دواوين الشعراء ، والمزهر للسيوطى .
واقترح «" لين " أن يبدأ بمطالعة المزهر حتى يتذوق اللغة وحدودها ، ثم يقرأا كل يوم نصف كراسة من تاج العروس شرح القاموس يفهمها ويستفسر عما صعب منها ويراجعها على ما عنده من كتب اللغة حتى يستوثق من صحتها ، وعلى هذا ثم الاتفاق .
فى حجرة فى بيت " لين " فى القاهرة كان يجتمع شيخان تباينا فى المنشأ والتربية والعقلية ، والنظر إلى الحياة : هذا انجليزى تربى على آخر طراز ، وعرف الدنيا وشؤونها ودقائقها ، وجاب البلاد شرقها وغربها ، وبرها وبحرها ، وخالط ساستها وعلماءها ، ووصل من ذلك كله إلى غاية ما يستطيع مثقف أوربى فى القرن التاسع عشر أن يصل إليه ، وهذا شيخ مصرى قضت طبيعة تعلمه
ومنشئه وظروفه أن يعيش فى دنيا محدودة الأفق ؛ وكان الشعب المصرى لا يزال محتفظا فى عيشته وتقاليده وعاداته بما ورثه من القرون الوسطى ، لم تغزه المدنية الغربية كما غزته بعد ، ولم تتكسر الحدود والفواصل بينه وبين الغرب كما تكسرت بعد ؛ وكانت مصر تتخذ قبلتها بغداد الرشيد وقاهرة المعز قبل أن تتحول فتتخذ قبلتها باريس أو لندن ؛ فكان الشرقى يدهشه الغربى بتصرفاته وأفانينه ؛ وكان الغربى يعجبه منظر الشرق كما تعجبه العادات القديمة ، وكما يعجبه متحف الآثار .
على هذا التقى " الدسوقى " و " لين " ، ولكن ألف بينهما الغرض العلمى والسان العربى ، ورغبة " لين " أن يتعرف كل ما عند الدسوقى من أفكار وعادات وعقائد ليدرسها لا ليحياها ، وليشرحها لا ليعتقدها ، وأن يعرف ما عنده من علم ليستعين به على أداء غرضه ، والوصول إلى غايته . ومهما كان من فوارق ، فالماء الحار والبارد إذا تلامسا وامتزجا تعادلا ، ونزل الحار عن شئ من حرارته ، والبارد عن شئ من برودته ؛ فهذا " لين " يعتاد أن يقول : " باسم الله " فى مبدأ عمله ، ويلزم ذلك فى حياته حتى بعد عودته إلى انجلترا ، وهذا الدسوقى يدخن " البنسة " فى شكل " شبك " .
كان يذهب الدسوقى عصر كل يوم إلى بيت " لين " فإذا جلس قليلا حضرت صينية الشاى ، عليها أربعة فتاجين كبار مملوءة شايا وقهوة محلاة بالسكر ، لكل منهما اثنان ، ومعلقتان لكل منهما ملعقة ، ورغيفان مستطيلان لكل منهما رغيف ، فيشربان ويأكلان ويتحدثان ، فاذا تم ذلك أحضر شبكان مكسوان بالحرير المقصب لكل منهما شبك ، فيدخنان ويقرآن ، فاذا بدأا القراءة فلكل منهما نسخة من الكتاب ، وضعت على سطح مائل ، يقرآن وبراجعان ويتفهمان ، إلى أن يتم نصف الكراسة فينصرف الشيخ ، ثم يأخذ " لين " فى
ترجمة ما فهم إلى الانجليزية ، فتسير الترجمة مع القراءة . ويستمران على هذا سبعة أعوام لا يكلان ولا يملان ، والشيخ " لين " جاد فى عمله ، قد يمكث فى بيته الشهر أو الشهرين أو الثلاثة لا يخرج فيها مرة ، يعمل من الصباح بعد الفطور إلى نحو نصف الليل ، لا يستريح فيها إلا أوقات الأ كل ، ونحو نصف ساعة يتروض فيه بين مشى وصعود الدرج وهبوطه ، حتى تم تسعة أعشار الكتاب . ولندع الآن حديث ما بينهما من عمل علمى رسمى ، لنتحدث حديث ما بينهما من عواطف ، لقد تأكدت بينهما الصداقة وتوثق التآلف .
هذا الشيخ الدسوقى يظل طول عمره كادا يحصل قوته وقوت عياله ، ويدخر القليل حتى يبلغ ما يدخره أربعة عشر كيسا ( ١ ) ، فيعتزم أن يشترى بها بييتا يؤويه وذريته ، وهو يحتفظ بها فى صندوق البيت ، ويوصى السمسار أن يبحث له عن منزل مناسب ، فيريه هذا فيراه قديما ، وهذا فيراه كبيرا . وسرعان ما يشيع الحديث أن الشيخ اغتنى ، وأنه يبحث عن بيت يشتريه ، وتصعد الرائحة إلى أنف اللص ، فيتربص خروج الشيخ وغفلة أهل البيت ، ويتسلل إلى الصندوق ويختلس المال ، فيعود الشيخ وقد ضاع المال ، فيضرب كفا على كف ، ثم ينقمه إيمانه فيردد : لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم " الذين إذا أصابتهم مصبية قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون " ويذهب إل صديقه ، فيراه " لين " مرتبكا ؛ فيقص عليه قصته ، فتدمع عين " لين " ويبكى رحمة بالشيخ ، ويحلف أن لو كان له مال لعوضه عما فقده فى الحال .
كذلك يصاب الشيخ " لين " يمثل هذه المصيبة ، فيكون له مال مودع فى بنك فى انجلترا يسحب منه كل شهر ما يلزمه ، فيفلس البنك ويقع " لين " فى الضنك ؛ وكان أخشى ما يخشاه أن يصد عنه الدسوقى ، ويتخلى
عنه إذا لم يأجره ، فما كان من صديقه الدسوقى - وقد علم بهذا الأمر - إلا أن يصرف عنه هذا الخاطر - وأن يعاهده أن يستمر فى تدريسه بل يزيد فى اجتهاده . قال الشيخ : " وما زلت أوافيه على العادة ، التى كانت بيننا معتادة ، بل زدت على ما كان ، فشكرنى على هذا الاحسان ، حتى قيض الله له ناسا من أهل لوندرة ، ذوى ثروة معتبرة ، فوضعوا له فى البنك ما يريد منه ما يكفيه , فأجزى إلى ثانيا ما كان يجزيه " ، وهكذا كان الشيخان يتبادلان العطف والوفاء طوال السبعة الأعوام .
كان الشيخ " لين " يعيش فى أسرته وهي مكونة من زوجة له رومية وأخته وابنى أخته ، وكانت زوجته وأخته تلبسان لباس المصريات ، فلا تخرجان إلا مؤتزرتين مبرقعتين ، فلم ير الشيخ الدسوقى لهما وجها مع كثرة تردده وتردده ، ومع هذا كان إذا مرضت زوجه أو أحد أولاده ، ذهبت أخت " لين " إلى بيت الدسوقى فعالجت ومرضت ، وأعطت من الدواء ما عرفت ، حتى يتم الشفاء ويشكر الشيخ .
ويعجب الدسوقى من هذه الأسرة ، فبيتها مدرسة عجيبة : هذا الشيخ عاكف على ترجمة القاموس ، وهذان الابنان تعلمهما أمهما اللغتين التليانية والفرنسية ، ويقرأ لهما خالهما السبيل ، شرح ألفية النحو لابن عقيل ، وأصغرهما وسنه ١٥ سنة يجيد معرفة الهيروغليفية .
ويعجبنى قول الشيخ : " فانظر يا ذا الكسل الذى هو أحلى صفاءا من العسل ، إلى هذا الاستعداد العجيب والجد الغريب " .
وانطلت الحيلة على الشيخ الدسوقى ، فكان يعتقد أن " لين " يؤمن بالجن وكرامة الأولياء ، ونبوة محمد ، ونبوة عيسى ! ويعجب أنه بعد ذلك كله لا يسلم ، ولم يدر بخلده أن ذلك منه كان سياسة وقتية .
فان أردت أن تعرف رأى أحدهما فى الآخر ، فرأى
الدسوقى فى " لين " أنه " لبيب ماهر " ذو خبرة إنسانية " ، " كريم مواس " ، " رقيق القلب ، خالص الود " ، " لا يؤثر فى حسن معاملته للناس اختلاف الدين " . ورأى " لين " فى الدسوقى أنه يرضى كل الرضا من ناحية العلمية فى العمل الذى يعمله معه ، ولكن يؤخذ عليه من الناحية الخلقية أنه " حاد المزاج ، ضيق الصدر ، طماع بخيل " . وهو رأى قاس ونقد لاذع ، ولا شك أنه عبر عن عقيدته فيه ؛ ولكن أخشى أنه لم يرحمه فى الحكم عليه ، فلم يقدر ظروفه وأحواله ، ونشأته الفقيرة وأسرته الكبيرة ، وموارده الصغيرة .
بعد مضى سبع سنين تدخل الزمن الذى لم يبق شيئا على حال ، فدعت الدواعى الملحة أن يعود " لين " إلى بلاده ولما يتم العمل . قال الشيخ : " وقضينا معا حقبة من الدهر ناضرة ، فى عيشة زاهية زاهرة :
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلام »
وقبل الرحيل اهدى " لين " الشيخ الدسوقى سجادة عظيمة ونسخة من القاموس وساعة جيب ، وقاس نظره وبعث فأحضر له من لندن " نظارة " لائقة بعينيه ، وأهداه ابنا أخته " خرجا عجميا شغل الابرة " .
وكلفه أن يتمم العشر الباقى من تاج العروس ، يقابله على النسخ الأخرى ، ويصحح خطأه ، ويفسر غامضه ، فكان يفعل ذلك كل شهر ويسلمه إلى مستر ليدر ( ١ ) ويرسله إليه فى انجلترا حتى تم الكتاب .
عاد " لين " إلى انجلترا سنة ١٨٤٩ فعكف على العمل بمثل الجد الذى كان منه فى مصر ، حتى أفنى فيه عشرين عاما أخرى ، ثم بدأ فى طبعه سنة ١٨٦٣ ، وظل يعمل فى تصحيح التجارب والطبع إلى أن وصل
إلى نصف الجزء السادس سنة ١٨٧٦ .
يعمل ليل نهار فى حياة رتيبة بين ملزمة تحضر ، وملزمه تصحح ، وجزء يتم ثم ينشر ، لا ينقطع عن عمله إلا يوم الأحد إذ يصرفه فى الدين , فيصلى مع المصلين ، ثم يعكف على قراءة الكتاب المقدس لا ناقدا علميا , ولا ناقد لغويا ، ولكن مستخرجا معنى خلقيا ، أو مبدأ روحيا . لقد كان يصلى فى مصر فى المسجد مع المسلمين ، وكان يصلى فى انجترا فى الكنائس مع المسيحيين ، والدين كله لله .
وفى يوم من أيام أغسطس سنة ١٨٧٦ أصيب ببرد لم
يعبأ به ، ثم اشتد شدة لم تكن تتوقع ، ثم انطفأت شعلته على غير انتظار .
مات عن خمسة وسبعين عاما قبل أن يموت صديقه الدسوقى بستة أعوام .
ولعل هذه العلاقة بين الدسوقى الأزهرى و " لين " الانجليزى كانت السبب فى أن يضع " على باشا مبارك " بمعونة صديقه " عبد الله باشا فكرى " قصة طويلة متمعة نسبها الأدباء - من غير حق - فى تأريخهم القصة المصرية الحديثة ، أتحدث عنها فى الأسبوع القادم إن شاء الله .

