تحول محمد عبده من الجامع الأحمدي إلي الجامع الأزهر لأن الأزهر هو المثل الأعلى للتعليم في المعاهد الدينية .
والتعليم في الأزهر إذ ذاك - وكما رأيناه إلى عهد قريب - يلقي عبء الطالب كله على نفسه من غير أن يحمل أحد أي عبء عنه ، فما عليه إلا أن يسجل اسمه في دفاتر الأزهر ثم يقل ما يشاء ، إلى أن يتقدم لامتحان العالمية ، فهو الذي يختار مدرسه ويختار علومه ويحضر أو لا يحضر ، ويجد أو يلعب ، ويفهم أولا يفهم ، كل هذا متروك إلى نفسه ، وهو أسلوب يقيد الخاصة ويضر العامة .
يأتي الطالب من بلده فيسكن في غرفة في حي الأزهر ، وقد يشركه في الغرفة طالب أو أكثر ، وفي الغرفة كل أدواته وأدواتهم ، حصير مفروش على الأرض وصندوق فيه بعض الملابس وبعض الزاد ومرتبة ولحاف يفرشهما ليلا ويطويهما صبحا و " حلة " يطبخ فيها بنفسه من حين لآخر في نفس الغرفة - وقد حدث محمد عبده عن نفسه أنه غضب على كتاب فطبخ به ، عدسا - ومن حين لآخر يأتيه الزاد من البلد ، بعض الخبز وبعض الجبن وشئ من السمن ، فإن كان أمله في شئ من الثروة فشيء من الفطير وشيء من الدجاج المدبوح وهذه هي دنياه .
والطالب المجد يصحو عند أذان الفجر فيصلي الصبح ويذهب إلى الأزهر ليحضر درس الفقه ويستمر الدرس إلي الضحي ، والشيخ يقرأ في الكتاب وهو متربع على كرسي حول الطلبة ، فإن كان عدد الطلبة قليلا استغني عن الكرسي وجلس على " فروة " أما الطلبة فيتربعون على الحصير ، ومن كان منهم من أبناء الأعيان جلس على فروة ، والشيخ يقرر الجملة ويشرحها والطلبة يسمعون أو يعترضون
والشيخ يجيب ، وأحيانا يحتد الشيخ فيضرب أو يلعن ، ولا ينتقل الشيخ من جملة إلى جملة إلا بعد أن يقتلها بحثا ، وقد تضيع الساعتان أو الثلاث في سطر إذا اقتضى الحال ، فإذا ختم الشيخ درس الفقه بقوله : " والله اعلم " انصرف الطلبة يبحثون عن " فطورهم " فمن كان منهم له " جراية " - وهي رغيفان أو ثلاثة أو أربعة - تسلمها من رواقه وخرج إلي محيط الأزهر حيث دكاكين الفول المدمس والطعمية فاشتري منها ماشاء ، وإن كان طالبا متقدما بعث طالبا صغيرا يقوم عنه بهذا العمل ، وإن كان فقيرا باع رغيفين أو أكثر من الجراية ليشتري بثمنهما إداما ، وإن كان مترفا استعاض عن الفول بألوانه بالجبن والزيتون والحلاوة الطحينية في بعض الأيام ، وإذ ذاك تري الأزهر كله مائدة للطعام ، حلقات حلقات ، وعد هذا فطورا وغداء معا .
فإذا انتهي الطلبة من هذا جلس المجدون يطالعون درس النحو القادم ، فإذا فرغوا منه كان الظهر قد أذن فتقام الصلاة ويبدأ درس النحو على نحو درس الفقه فيمتد ساعات وقد يصل إلى العصر .
وبعد استراحة الطالب يعد درس الفقه القادم وينتهي بذلك يومه العلمي فيعود إلي بيته ، وإن احتاج إلي ضوء فمصباح يشتعل بالجاز بواسطة فتيلة من غير زجاج ولا بأس بدخانه ، وإذا اشترك جماعة في غرفة وكانوا فقراء تقاسموا ثمن الجاز كل عليه ليلة أو أسبوع ، وقد حدث الهلباوي أنه تنازع مع زميله على ثمن الجاز لأنه لم يشأ أن يدفع نصيبه .
ويتدرج الطالب في الكتب ، كل سنة كتاب في الفقه وكتاب في النحو ، إلا إذا طال الكتاب فيقرأ في أكثر من سنة ، ولكل كتاب - تقريبا - متن هو الأصل وشرح يشرح المتن ، وحاشية تشرح الشرح ، وقد يكون تقرير يشرح الحاشية ، والشيخ يطالع كل هذا استعدادا لما يمطره الطلبة عليه من الأسئلة ، فيبدأ الشيخ بقراءة المتن
ويشرحه بجميع ما كتب عليه مناقشا مهاجما مدافعا حتى تنتهي المعركة بانتهاء الدرس .
وإذا انتهت كتب الفقه حل محلها كتب أصول الفقه ، وإذا انتهت كتب النحو حل محلها كتب البلاغة .
وعلى هامش هذه الأوقات قد يحضر الطالب المتقدم دروسا صباحية بعد صلاة الفجر مباشرة أو دروسا مسائية بعد المغرب في علوم أخري كالتفسير والحديث والمنطق .
وليس بالنادر أن تسمع صيحة تقوم في الدرس أو قبله أو بعده لاختلاف طالبين على مكان في الحلقة أو نحو ذلك ، فيتضاربان ويتعصب أهل الصعيد للصعيدي وأهل البحيرة للبحراوي فتكون معركة حامية يتدخل فيها جنود الأزهر المسمون بالمشدين .
فإذا مررت بصحن الأزهر رأيت حصرا مفروشة نشر عليها خبز مما أرسله أهل المجاورين إليهم ليتجفف في الشمس خوف العفن .
ورأيت ثيابا منشورة ومياها مصبوبة الخ وفي الدروس تري مريضا بجانب صحيح ، وقذرا بجانب نظيف ، ولم يفكر أحد في إشراف طبيب .
وقل أن تسمع مدرسا تعرض في درسه لمسألة خلقية أو حث على فضيلة أو حذر من رذيلة .
كل الكتب التي كانت تدرس في الأزهر من نتاج العصور المتأخرة تحدرت من العصور الزاهية ، ولكن عدا الزمان عليها فأفقدها روحها فصارت شكلا . النحو كان يراد منه النطق الصحيح والكتابة الصحيحة وفهم كتب الأدب فهما صحيحا فصار مجرد تفهم لألفاظ المؤلفين في النحو وأصول الفقه كان يقصد منه التمرين على الاجتهاد في التشريع فأصبح ولا اجتهاد ولا تشريع . والبلاغة كان يقصد منها كيف يكتب القول البليغ فصار المؤلفون فيها أعاجم لا يحسنون التعبير كالسعد التفتازاني، أباح لهم التأليف
أنها لم تعد بلاغة ، وأباح لنفسه الشيخ أحمد الرفاعي أن يدرس أكبر كتاب في البلاغة على هذا النحو وهو المطول ، ثم يعترف أنه لا يحسن أن يكتب خطابا ولو غير بليغ ، لأن هذا من عمل تلاميذ المدارس المدنية ، وهكذا .
واشتهر من فطاحل العلماء في هذا العصر الشيخ أحمد الرفاعي هذا ، وأساس شهرته أنه يحسن فهم الكتب ويستطيع تحليل الجمل وإثارة الشبهات حولها حتى يعقد السهل ويتمض الواضح . والشيخ عليش وهو شيخ من أصل مغربي شهرته في تدينه وعصبيته ورميه الناس بالكفر لأوهي سبب وضيق أفقه وشدة غيرته على الدين بالمعنى الذي يفهمه . ولكن كان هناك آخرون هيأتهم الظروف لأن يتصلوا بالدنيا وحركة التعليم المدنية فاتسع أفقهم كالشيخ البسيوني إمام المية ، وكان ظريفا في شكله وفي ملبسه وفي تأليفه ، والشيخ حسن الطويل ، وكان ذكيا حكيما له نظرات في الحياة صائبة يقرأ الفلسفة غير مي بالزندقة .
هذا هو الأزهر الذي رآه محمد عبده يقوم التعليم فيه على الفلسفة اللفظية ، ويعلم طالبه الدقة في الفهم والقدرة على الجدل . وهذه محمدة ، ولكن مع الأسف لا نستخدم هذه الدقة ولا الجدل إلا في الألفاظ ويجعل صاحبها غارقا في الاحتملات مما يراه في الحواشي والشروح من التأويلات ، فكل شئ يجوز حتى دخول الجمل في البندقة على حد تعبير الشيخ محمد عبده نفسه - يتم الدراسة فيه فيخرج فاهما لبضعة كتب ، أما الدنيا وشؤونها فإنه يجهلها كل الجهل ، فلا جغرافيا ولا تاريخ ولا طبيعة ولا كيميا ولا رياضة ، فكل هذه علوم أهل الدنيا ، وما للآخرة والدنيا ! ومع هذا فالنزاع على الجراية كثير وعلى الوظائف الصغيرة أكثر ، كل شئ خارج عن المألوف كفر أو حرام أو مكروه ؛ فتحويل " الميضأة " القذرة إلى " حنفيات " حرام وذهاب للبركة ، وقراءة كتب في الجغرافيا أو الطبيعة أو الفلسفة حرام ، ولبس " الجزمة " بدعة .
فإن تحركت نفس صالحة للاصلاح خنقت دعوتها في مهدها ورميت بالزندقة .
ومثل هذه البيئة تنتج عقولا جامدة ونفوسا خامدة إلا أن يتدار كها الله بمدد من الخارج ، وقد ذكر الشيخ محمد عبده نفسه أنه حاول أن يغسل آثر هذه البيئة فنجح في بعض وفشل في بعض . فإن رأيت نابغة خرج منها فبرغمها لا بفضلها . ومن الأسف أن ولاة الأمور من أول الأمر مع علمهم بنقصه وحاجته إلى الإصلاح خوفا من العلماء ، والرأي العام ، تركوه وشأنه يأكل بعضه ، وأنشأوا بجانبه المدارس المدنية يشكلونها كيفما يشاءون .
في هذا الجو عاش صاحبنا نحو اثني عشر عاما ، من سنة ١٢٨٢ - ١٢٩٤ حيث نال شهادة العالمية من الأزهر وفي هذا الجو المظلم كانت تلمع ثلاثة نجوم أضاءت جوانب نفسه : الشيخ درويش والشيخ حسن الطويل والسيد جمال الدين .
فالشيخ درويش كان يلقاه الشيخ محمد عبده في بلده في الاجازة من نصف شعبان إلى نصف شوال كل عام ، فيتمم له ما بدأه منذ لقنه الدرس الأول في التصوف وتنقية العقيدة ، ويعرض عليه الشيخ محمد عبده ما درسه في العام وما في نفسه من أزمات فيتلقى ملاحظات الشيخ وإرشاداته ، وقد لقنه درسين جديدين هامين : الأول نقده لمحمد عبده على عزلته وعدم اتصاله بالناس وقصر عنايته على تكميل نفسه من غير اتجاه إلى إصلاح من حوله ، ولم يكتف الشيخ درويش في ذلك بالكلام النظري بل حمله على أن يغشى المجتمعات في البلد معه ويتحدث إلى الناس ويعظهم ويذكرهم ، ويدعو محمد عبده للتحدث معهم كحديثه ونصحهم كنصحه ، وهو درس انتفع به محمد عبده ونفذه طول حياته إلى نفسه الأخير ، فإن زاد السيد جمال الدين شيئا فى هذا الدرس فهو تعليمه كيف يختار موضوعات الكلام في الإصلاح . والدرس الثاني الذي علمه الشيخ درويش هو
هدمه للنظرية الأزهرية التي تقول إن هناك علوما تعلم وعلوما لا تعلم ، فكسر الشيخ درويش هذه الحدود وقرر أن كل العلوم يجب أن تعلم ويجب أن يطلبها الطالب ما أمكن ، ولا يستثني من ذلك شيئا إلا ما يتخذ شكل العلم وليس بعلم كالسحر والشعوذة أما المنطق والفلسفة والرياضيات وما إلي ذلك فليست بحرام بل هي واجبة على طالب العلم . ومن أجل ذلك عاد الشيخ محمد عبده إلي الأزهر يطلبها فوجدها عند الشيخ حسن الطويل ، وهو شخصية غريبة ، ذكاء ، حاد ، ومعرفة بالرياضيات حتى كان
يحل لطلبة دار العلوم ما أشكل عليهم من تمرينات هندسية ، واتصال بكتب الفلسفة القديمة وعلم بمصطلحاتها ومعرفة بالدنيا وبالسياسة ، وشجاعة في الكلام بما يعتقد ولو حرم منصبه في دار العلوم ، وزهد في الدنيا حتى لا يهمه منها شئ ، يلبس قفطانا من البفتة وجبة من البفتة أيضا ، ويقال له : إن على مبارك باشا سيزور دار العلوم غدا فيعزم أن يلبس كما يلبس كل يوم ، فينصح بأن يتخذ شيئا من الأناقة ، فيقول : إذا أبعث بجبة من الصوف وقفطان من
الحرير إلي دار العلوم ، أما إن أردتم " حسن الطويل " فهو هو في ملبسه . ويدعي إلي موائد الأغنياء للأفطار في رمضان فيأكل من طبق الفول ويزهد فيما عداه ، ويطرد من دار العلوم لكلامه في السياسة فينفق عليه صاحب مقهي بلدي ، فإذا عاد إلى عمله سلمه الشيخ حسن الطويل مرتبه ليصرف عليه كما كان يفعل وهو مطرود ، ويدرس في الأزهر الفلسفة والمنطق فيحضر دروسه محبة من الطلبة مثل محمد عبده فيرمي هو وتلاميذه بالزندقة .
ولكن دروس الشيخ الطويل تفتح شهية الشيخ محمد عبده ولا تغذيه ، فيجد الغذاء الكافي عند السيد جمال الدين عند حضوره إلى مصر ، فيتصل " ويلازمه وتتفتح له آفاق كانت مغلقة ويحس أنه وجد طلبته .
( يتبع )
