الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 648الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - العشق عند العرب

Share

علاماتة ومميزاتة :

هل للعشق علامات ؟ . . وهل هذه العلامات كافية لأن تجعلنا نستطيع التفرقة والتمييز بين شخصين أحدها عاشق والثاني لم يعرف الهوي إلي قلبه سبيلا ؟ . .

هذان سؤالان يستطيع المتتبع لحالة العشاق أن يحبب عليهما في سهولة ويسر ؟ ثم لا شك فيه أن للحب علامات ومميزات عرفها العرب ، وتعمقوا في دراستها ، وأول هذه العلامات إدمان النظر ؛ فتري العاشق يطيل النظر إلي محبوبة فينتقل طرفه بتنقل المحبوب ، وينزري بانزواته ، ويتبعه أينما سار .

فليس لعيني عند غيرك موقف

                   كأنك ما يحكون من حجر النحت  

أصرفها حيث انصرفت وكيفما

                   تقلبت كالمنعوت في النحو والنعت

ومن علاماته الرغبة في التحدث مع الحبوب ، والإصغاء لحديثه بشوق ولهفة ، ومجاراته في كل يا يقول ، كتصديقه وإن كذب ، والوقوف إلى جانبه وإن ظلم ، واستغراب كل ما يأتي به ولو كان ذلك مستحيلا ، ومنها التقرب إليه والتعمد للجلوس بقربه ، وارتياد المكان الذي هو فيه . وتخطي الصعاب والعقبات المودية إليه ، والتباطؤ في القيام عند مفارقة المكان الموجود به .

إذا قمت عنك لم امش إلا

                  مشي كان يغاد نحو العناء

في مجيتي إليك أحث كاليد

                   وإذا كان قاطعا للمساء

وقيامي إن قمت كالأنجم العا

                  لية الثابتات في الإبطاء

ومنها كثرة الغمز الخفي ، والتعمد نفس اليد عند

المحادثة ، ولمس ما أمكن من الأعضاء الظاهرة ، وتقبيل كل شئ يخص المحبوب كملابسه ورسمه وحتى جدار داره .

أمر على الديار ديار ليلي

               أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي

              ولكن حب من سكن الديارا

ومنها الاصفرار والروعة اللذان يبدوان على المحب عند رؤية من يحب وخفقان القلب عند رؤية من يشبهه ، او عند سماع إسمه .

وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني

                فهيج أشواق الفؤاد وما يدري

دعا باسم ليلي غيرها فكأنما

                أطار بليلي طائرا كان في صدري

ومنها أن يجود المرء يبذل كل ما يستطيع بذله ولو كان بخيلا مقترا ، لأن العاشق مهما كان بخيلا لا يمكن أن يبخل في معشوقه ، ومنه يتطرق الحال كما يقول ابن حزم إلى من يعلم أنه إذا بخل عليه أوصل الأمر إلى معشوقه . وهكذا ، فيؤدي الحال إلى الكرم المطلق وغيره من الصفات الحميدة كالشجاعة والنبل والسمو ، ومن أظهر تلك المميزات وأوضحها أن يجد العاشق لذة وسرورا كبيرين عند ذكر المحبوب وسماع أخباره ، وأن يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته حتى يكونوا عنده أحب إليه من أهله ، بل ومن نفسه .

فيا ساكني  اكناف دجلة كلكم

           إلي القلب من أجل الحبيب حبيب

ومنها الاتفاق الذي قد يقع بين العاشق والمعشوق ، وخاصة إذا كان الحب الذي بينهما فيه مشاكلة ومناسبة ؟ فكثيرا ما يتكلم بكلام فيتكلم به المحب ، ويحلم أحلاما يراها بعينها

معشوقه ، بل وقد يمرض المحب بمرض محبوبه . قال صاحب تزيين الأسواق : حكى عن أبي نواس أنه مرض فدخل عليه بعض أصحابه يعودونه فوجدوا به خلة ، قالوا فانبسط معنا وقال : من أين جئتم ؟ فقلنا : من عند عنان جارية الناطفي . فقال : أو كانت عليلة ؟ قلنا : ثم عوفيت الآن . فقال : والله لقد انكرت علتى هذه ولم أعرف لها سببا غير أني توهمت أن ذلك لعلة نالت بعض من أحب ، ولقد وجدت في يومي هذا راحة ، ففرحت طمعا في أن يكون الله عافاها منها قبلي . ثم دعا بدواة وكتب إلى عنان يقول :

إني حمت ولم أشعر بحماك

             حتي تحدث عوادي بشكواك

فقلت : ما كانت الحمي لتطرقني

             من غير ما سبب إلا بحماك

وخصلة كنت فيهم غير منهم

              عافاني الله منها حسين عافاك

ويقرب من قول أبي نواس هذا قول الشاعر :

مرض الحبيب فعدته      فمرضت من حذري عليه

وأتى الحبيب يزورني       فبرئت من نظري إليه

ومن مميزات العشق نحافة البدن ، فيصبح الجسم هزيلا من شدة التفكير فيمن يحب ، وكثرة الذهول حتى يصير العاشق شاردا ، فإذا حدثك لم يكن معك لا بفكره ولا بقلبه ، وإنما هو يحدثك حديثا آليا ، لأنه منصرف عنك إلى التفكير فيمن يجب . ومنها شخوص صورة المحبوب أمامه يراها في كل مكان حتى لتكاد تسد عليه السبل .

أريد لأنى ذكرها فكأنما

           تمثل لي ليلي بكل سبيل

ومنها كثرة الوجوم والإطراق والتغير الدائم ، فبينما هو فرح نشوان طلق الوجه . خفيف الحركات ، صار حزينا حائر النفس جامدا ، لايكاد ينطق بكلمة ، ويتبرم بكل شئ محيط به . ومنها حب الوحدة ، والميل إلى العزلة والأنفراد ، والسهر والأرق والجزع الشديد إذا أعرض محبوبه عنه ونفر منه ، فتراء يزفر ويتاوه ، ويشكو ولا يقر له قرار . ومنها التشبه بالمحبوب في كل شئ ، فان كان محبا

للعلم اجتهد العاشق في طلبه ، وإن كان ميالا إلى الأسمار والنوادر والأخبار المستحسنه ذهب المحب في طلبها وحفظها ، كل ذلك ليتشبه بمحبوبه ويتقرب إليه ، ويرضي رغباته .

حول العشق

بعد هذا نجد أشياء كثيرة قيلت حول العشق ، منها الفرق بين الحب والعشق ، فقد فرق العرب بينهما ؛ ففي نهاية الأرب : المحبة جنس والعشق نوع ، فان الرجل يجب أباه وأمه ولا يبعثه ذلك على تلف نفسه ، بخلاف العاشق ، فكل عشق سموه حبا ولم يسمعوا كل حب عشقا ، فالعشق أخص من الحب ، بخلاف ما ذكره الانطاكي في كتابه تزيين الأسواق من أن الحب أخص من العشق ، لأنه لما كان الحب مستغرقا للعشق كان العشق أخص منه . وقد تحدث العرب عن سبب العشق فقالوا : إن سببه مصادقة النفس ما يلائم طبعها فتستحسنه وتميل إليه ، وذكروا أن من أسبابه سماع الغناء وإنشاد الغزل ، غير أن أقوي هذه الأسباب هو ما ذكره بعض الحكماء من أن العشق لا يقع إلا لمجانس ، وأنه يضعف ويقوي على قدر التشاكل ، وذلك القول مأخوذ من الحديث الشريف : " الأرواح جنود مجندة ، ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف " . وقد كثرت أقوال العرب في مدح العشق وذمه ، قال قدامة : العشق فضيلة تنتج الحيلة ، وتشجع الجبان وتسخي كف البخيل ، وتصفي ذهن الغبي ، وتطلق بالشعر لسان الأعجم . وقيل لبعض العلماء ؛ إن ابنك قد عشق ، فقال : الحمد لله ، الآن قد رقت حواشيه . ولطفت إشارته وظرفت حركاته . وقال العباس بن الأحنف :

وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوي

                    ولا خير فيمن لا يحب ويعشق

وقال آخر :

إذا لم تذق في هذه الدار صبوة

                فموتك فيها والحياة سواء

ووصف العرب من لم يعشق بأبشع الصفات ، وألصقوا به التهم ، فقالوا : إنه ردئ التراكيب ، جاف الطبع ، كز المعاطف ، لا فرق بينه وبين عبر الفلاة .

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوي

                       فأنت وعبر في الفلاة سواء

الدور الذي لعبة القصاص :

لعب القصاص دورا خطيرا في تلك العاطفة ، وهذا الفن القصصى الذي نشأ حول العشق ودار عما قيل فيه من شعر ، هذا الدور الخطير الذي لعبه القصاص هو تلك الحكايات العربية ، والروايات النادرة بل المستحيلة الوقوع التي نسجها خيال أولئك القصاص ، والتي يستبعدها العقل ، ولا يعترف بوقوعها ، وحتي لو جاز له أن يسلم بحدوث بعضها فلا يجوز أن يسلم بكثرتها وتعددها ؛ فقد راح القصاص يمضون في نسج تلك القصص والخرافات ، فصاحب مصارع العشاق يحدثنا عن عاشقة يقطع لحمها قطعا قطعا ، وهي لا تشعر بذلك لأن الطبيب كان يذكر أمامها اسم من تحب ، ويروي لنا كذلك أنه لما بلغ عفراء وفاة حبيبها عروة بن حزام خرجت حتى أتت إلي قبره فتمرغت عليه وبكت طويلا وانشدت :

الا أيها الركب المحتون ويحكم

               بحق نعيتم عروة بن حزام

فإن كان حقا ما تقولون فاعلموا

              بأن قد نعيتم بدر كل ظلام

ولما فرغت من شعرها ألقت نفسها علي القبر فحركت فوجدت ميتة ، ودفنت إلي جانبه فنبتت من القبرين شجرتان ، حتى إذا صارتا على حد قامة التفتا ، فكانت المارة تنظر إليهما ولا تعرف من أي ضرب من النبات .

وليس أدل على ما نذهب إليه مما قيل عن مجنون ليلي من أنه أخذ يهيم على وجهه في الصحراء حتى ألف الظباء وألفته الظباء ، وأنس الوحوش وصار يعيش معها ، وكان لا يلبس إلا ثويا خلقا ، ولا يمشي إلا عاريا ، وكان يلعب بالتراب ، ويجمع حوله العظام ، وكانوا يحبسونه ويقيدونه . فيعض لسانه وشفتيه ، وكان لا يأكل إلا مما ينبت في الحقول من بقل . ولا يشرب إلا مع هذه الظباء ؛ وقد ذهبت بهم المبالغة إلى الدرجة التي جعلتهم يزعمون أن العشق وقع بين الإنس والجن ، وأن عمر بن يربوع تزوج سعلاة ، حتى النخيل قد عشق وبرحه العشق ، وكذلك الطيور ، إلى آخر هذا الثبت الطويل من الحكايات الغريبة التى لا يقبلها العقل ، وكثيرا ما حدثونا عن تدخل السلطان عندما يلتجئ

إليه أهل المحبوبة يشكون له العاشق ، وما قال فيها من شعر ، فتراهم يجعلون السلطان يهدر دمه ، وكأن السلطان كما يقول الدكتور طه حسين لا عمل له إلا إهدار دم فلان وفلان من العشاق ؛ وهم مبالغون كذلك فيما نسجوه حول الخلفاء من قصص غرامية يجب أن ننظر إليها بين الحذر والشك ؛ فالمدائي يروى أنه لما ماتت حبابة وكان يحبها يزيد بن عبد الملك ، اشتاقي إليها بعد ثلاثة أيام من دفنه إياها ، فقال : لابد أن تنبش حتى أنظر إليها ، فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغيرت تغيرا قبيحا ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، اتق الله تعالى ، ألا تراها كيف صارت ، قال : ما رأيت قط أحسن منها اليوم ، فأخرجوها ، فأخذ يشمها ويرشفها ، فعاتبه على ذلك ذووه ، ولم يزالوا به حتي أزالوه عن ذلك . مثل هذه القصة لو ذكرت عن شخص عادي لجازي لنا أن تصدقها إلي حد ما ، أما أن تروى لنا عن أمير المؤمنين فهذا أمر بعيد الاحتمال لا يمكن أن يكون إلا من خيال القصاص والرواة . وتصل للمبالغة بهؤلاء القصاص حدا كبيرا فيجعلون كل عاشق يشهق شهقة يفارق فيها الحياة عند ذكر اسم محبوبته أو عند رؤيته لها ! فقد روي الأنطاكي أن هند صاحبة عبد الله بن مجلان كانت جالسة على حوض وزوجها يسقي إبنه . فما رآها عبد الله تعالى تعارفا ، وشد كل منهما على صاحبه ودنا منه حتي أعتقا وسقطا إلي الأرض فوجدا ميتين .

فإذا كان لما أن ننظر إلي هذا الفن القصصي الغرامي فإننا يجب أن ننظر إليه على أنه ضرب من التسلية ، اخذه هؤلاء القصاص لما وجدوا الفرصة أمامهم سانحة ،فقد رأوا أن العرب كلفوا بالعشق والعشاق ، واهتموا بأخبارهم وأشعارهم . فكان لا مفر لهؤلاء القصاص من أن يقدموا لهم ما يحتاجون إليه ، وأن يغذوا تلك النفوس الجائعة اللاهية . ولو أدي ذلك إلي الالتجاء إلي ضروب من الاستحالة والخيال..

اشترك في نشرتنا البريدية