العفة الجنسية وحل المشكلة
ننتقل الآن إلى البحث فى مسألة العفة الجنسية كحل ميسور للمشكلة الحاضرة . وفى سبيل ذلك نشرح المسألة فى حرية تامة مع استعراض النظريات التى أثيرت فى موضوع العفة الجنسية ، سواء أكانت لها أم عليها .
تبينا أنه فى الواقع مستحيل على الإنسان أن يتقى خطر العدوى بالأمراض الزهرية إذا ما اتصل اتصالا جنسيا غير شرعى . والآن تواجهنا الأسئلة التالية وتتطلب منا جوابا . وهى :
أولا : هل الإتصال الجنسى غير الشرعى ضرورى ؟ ثانيا : هل العفة عن هذا الاتصال من نظام وظائف الأعضاء تتفق والصحة الكاملة ؟
ثالثا : هل يمكن للشاب غير المتزوج أن يظل عفيفا ومع ذلك يكون فى صحة جيدة ؟
إن شطرا كبيرا من أسباب انتشار الأمراض الزهرية يحوم حول الجواب على هذه الأسئلة ، لأن هذا الفرع من فروع الطب له علاقة وثيقة بالأخلاق والدين كما لسائر فروع الطب . ففى جميع الأديان تتمشى أهم الشرائع وأخطرها إلى حد ما مع القوانين الصحية . فقد يتناول الإسرائيلى المحافظ أنواع الطعام المحرمة عليه شرعا إذا كان ذلك ضروريا لصحته . حتى إنه قد يتدخل فى شريعة الختان وشريعة الإمساك عن الطعام يوم الكفارة إذا كانت الحياة فى خطر . وقد يتناول المسيحى المحافظ أنواع الطعام فى الأيام المعينة للامساك منها إذا رأى أن فى ذلك ضررا على صحته . " ونجد فى الاسلام أن الشرع يبيح للمريض
الافطار فى شهر الصوم إذا ما غاب على نفسه الضرر " (١) . وهكذا نجد الحال فى موضوع بحثنا هذا . فنرى رجال الدين فينا يعظون بالعفة والطهارة صباح مساء ، ويستعينون فى ذلك بأقوى الأدلة الدينية والأخلاقية والفلسفية . ولكن إذا ما قام الطبيب وقال إن العفة الجنسية تضر بالصحة ولا تتفق معها وإن الاتصال الجنسى من الضروريات اللازمة للأصحاء من البالغين ، فان غير المتزوجين من مرضانا يعرضون عن نصح رجل الدين ويسمعون لقول الطبيب .
أوضحت أن الاتصال الجنسى غير الشرعى فى الواقع بساوى مرضا زهريا . فإذا كنا نحن الأطباء نعتبر أن الاتصال الجنسى ضرورى فينبغى الأ ندهش لما نرى من تفشى الأمراض الزهرية وألا ننتظر أن تقل انتشارا .
ولما كانت العفة الجنسية فى الواقع لا تضر بالصحة ، سواء أكان ذلك من وجهة نظام وظائف الأعضاء أم من الوجهة النفسية فانى سأعنى بأن أدلل على ذلك فيما يلى :
نظام وظائف الأعضاء فى العفة الجنسية
منذ عدة سنين خلت بحثت جميع ما دون فى اللغة الأنجليزية على وجه التقريب فى السنين العشر السابقة لذلك العهد فى علم وظائف الأعضاء ، فكم كان غريبا حقا ألا أجد بينها مصنفا واحدا قد ذكر شيئا فى موضوع العفة الجنسية وعلاقتها بنظام وظائف الأعضاء ؛ هذا إذا ما استثنينا ما كتبه أوستن فلنت الصغير .Austin Flint , Jr فى عام ١٨٧٥ م فى إشارة يسيرة فى هذا الموضوع إذ قال : " إن الاتصال الجنسى إنما يكون من نظام وظائف
الأعضاء إذا بوشر فى الحدود الشرعية " . ولم أجد بين جميع المصنفات المذكورة غير هذه الاشارة اليسيرة .
غير أن هناك مراجع أخرى فى علوم طبية غير علم وظائف الأعضاء قد سجلت آراء فى هذا الموضوع ، ليس أقلها شأنا مرجع للأستاذ بريانت prof. Brayant الجراح الانجليزى الكبير . فقد قال : " إنه يجب على الطالب أن يذكر أن وظيفة الخصية مثلها مثل وظائف غدة الثدى والرحم . فان هذه الأعضاء قد توقف عن تأدية وظفتها زمنا طويلا ، ومع ذلك يظل تركيب الانساح فيها سليما ، ويكون لها قدرة علي أن تستيقظ وتنشط إلى العمل إذا ما دعاها إلى ذلك أى منبه طبيعى . لأن هذه الغدد تختلف عن سائر غدد الجسم ، إذ أنها لا تهزل وتضمر بعلة عدم الحاجة إلى تأدية وظيفتها "
وإن رأى الجراح الانجليزى الكبير هذا يرد على اعتراض على جانب كبير من الأهمية أناره كثير من الأطباء على العفة الجنسية . فقد سمعت بعضهم يقول : " إن كل عضو فى الجسم يضمر إذا لم يؤد وظيفته مدة طويلة ؛ فالعضلات تفقد قوتها والمفاصل تتصلب ولا تلين . وإذا تعاطى الريض خمائر صناعية مدة طويلة لتساعده على الهضم فان المعدة والأمعاء ترفض ان تفرز العصارة اللازمة للهضم . كما أن مراكز المخ العليا قد " تصدأ " إذا أهملت بلا عمل . وعليه ينبغى أن نعنى بأن تؤدى أعضاء التناسل وظيفتها وإلا تضمر وتصبح بلا نفع "
قالوا ذلك وغاب عنهم أن الأعضاء التناسلية قد كونت على أسس أخرى مختلف كل الاختلاف عنها فى معظم أعضاء الجسم . فانها قد كونت لتؤدى عملا متقطعا غير مستمر . وعلى أن تقف عن تأدية وظيفتها إلى أجل غير مسمى دون أن يحصل أى إخلال فى ركب الانساج فيها أو نقصان فى وظيفتها . شاهد غدة الثدى نجد امرأة تحمل وتضع مولودا وإذا بغدة الثدى - التى
ظلت فى سبات عميق سنين عدة بلا عمل - تتورم وتفرز لبنا . وبعد انتهاء مدة الرضاعة تنكمش ولا تؤدى وظيفتها . وقد لا تحمل المراة بعد ذلك عشر سنين أو أ كثر وتظل الغدة طيلة هذه المدة بلا عمل . ولكن إذا عادت المرأة وحملت بعد ذلك فان الغدة تعود وتتورم ثانيا وتكون ذات نفع وتؤدى وظيفتها . وتنطبق هذه الحال على الرحم أيضا .
شرحت وظيفة الخصية فى تفصيل وبينت الفارق بينها وبين سائر وظائف أعضاء الجسم لما لها من الأهمية الكبرى ، ولأن معارضى العفة الجنسية يثيرون هذه المسألة كل حين ، وقد يؤثر ذلك على عامة الشعب .
وقال الأستاذ سكوت Jams Foster Scott الحجة الكبير فى الغريزة الجنسية : " إن هناك عقيدة خاطئة وفاشية تقول إن المران على تأدية الوظائف الجنسية ضرورة ملحة للاحتفاظ بالصحة . . . والحال أن الغدد التناسلية قد كونت بحيث يمكن إيقافها من تأدية وظائفها الخاصة مددا طويلة من الزمن دون أن تضمر أو يحصل لقدرتها على تأدية وظيفتها أى ضعف أو نقصان . وهى فى هذه الخاصة تشبه ثديى المرأة والقوة الكامنة فيهما . فيمكن لهاتين الغدتين أن تظلا فى راحة عن العمل عدة سنين ، ولكن عند الحاجة تلبيان النداء وتؤديان وظيفتهما الطبيعية على أكمل وجه . . . وإنه لتعليم خطر القول بأن المران على تأدية الوظائف التناسلية ضرورة ملحة لتحفظ على الانسان نشاط العقل وقوة البدن " .
وقال أكتون Acton : " إن هناك نظرية تؤيد إباحة الاتصال الجنسى غير الشرعى تستحق الذكر ، لأنه يبدو عليها كأنها تستند إلى علم وظائف الأعضاء . قال لى بعض المرضى إنهم يخشون أن الأعضاء التناسلية قد تضمر إذا لم تتمرن على تأدية وظيفتها أو أن العفة الجنسية قد تؤدى إلى " العنة " ، وكان ذلك الخوف سببا مباشرا لارتكاب
الفجور . غير أن هذا القول لا يستند إلى أساس طبى ولا يوجد خطأ أشد منه ، ولا ما يناقض نظام وظائف الأعضاء أكثر منه . وإنى أقرر أنه بعد اختبار طويل دام سنين عدة لم أعثر على حالة واحدة كان فيها ضمور فى الأعضاء التناسلية تسبب عن العفة الجنسية ... وعليه لا يجوز لأى رجل أن يتهيب عيشة العفة الجنسية خوفا من ضمور الخصيتين فإن ذلك خوف لا محل له " .
وقال بيل Beale الأستاذ فى كلية الملك فى لندن : " إنه لتعليم خاطئ كل الخطأ ولا يستند إلى أساس طبى القول بأنه إذا لم يتيسر الزواج لدواع خاصة فيتعين - لأسباب تتعلق بنظام وظائف الأعضاء - البحث عما يقوم مقام الزواج . والحال أن أدق شروط العفاف والطهارة تتفق تمام الاتفاق ونظم وظائف الأعضاء كما تتفق والقوانين الخلقية . وإن أى تسليم للرغبة أو الشهوة لا يمكن أن يبرره قانون من قوانين وظائف الأعضاء أو القوانين الخلقية أو الدينية " .
وقال السير باجبت James Paget Sir الجراح الإنجليزى الكبير : " إن كثيرا من مرضاك سيسألونك عن الاتصال الجنسى ، وينتظر البعض منهم أن تببيح لهم الاتصال غير الشرعى .... غير أن العفة عنه لا تحدث أى ضرر للعقل أو الجسم ؛ وإن نظام العفة الجنسية مفيد غاية الفائدة ، وبه يمكن انتظار الزواج فى ثقة وأمان " .
ومن الانصاف أن أذكر أن هناك بعض الكتاب يتمسكون بنظريات تناقض النظريات السابقة . ولأكون مخلصا فى هذا البحث أذكر بعض هذه النظريات . على أن أعنى بالتدليل على ما جاء فيها من أخطاء .
يقول ليدسن Lydson : " إن الشخص البالغ - رجلا كان أو امرأة - لا يكون على أحسن حال فى نظام وظائف أعضائه ، ما لم تؤد أعضاؤه التناسلية وظيفتها
وفق الطبيعة وفى نظام مستمر " .
قد يبدو هذا القول وجيها أول وهلة ، ولكنه يفقد قيمته إذا ما انتقلنا إلى صفحات أخرى من نفس الكتاب . فنجد فى باب العادة السرية أن هذا المؤلف المتطرف الرأى لا ينكر أن العفة الجنسية تتفق تمام الاتفاق وحسن النظام فى وظائف الأعضاء . فقد قال فى ذلك ما نصه : " إن هناك نقطة فى نظام الوظيفة الجنسية يجب أن نلفت مرضانا إلى أهميتها . وهى أن هناك عقيدة متسلطة على الشبان تقول إن المران على ممارسة الوظيفة الجنسية ضرورة طبيعية ملحة ، بصرف النظر عن الطريقة المتبعة فى هذا المران . غير أن هذه العقيدة لها عواقب وخيمة بالغة . ويتعين علينا أن نقاومها . فلو أن الشخص البالغ - رجلا كان أو امرأة - الذى يعيش عيشة العفة الجنسية فى وسط المجتمع الحالى ، لا يكون متزنا فى نظام وظائف أعضائه تمام الأتزان ، إلا أن هذا الشخص يكون فى صحة تامة قوى البنية طيلة ما عاش فى العفة الجنسية ، إذا روض العقل وهذبه كما يجب ، وأخضع الجسم للإرادة . أما القول بأن الطبيعة الجنسية تستلزم المران فإنه عذر باطل لا يبرر الاتصال الجنسى غير الشرعى ولا العادة السرية نفسها . وإن مجرد القول بهذا لدليل ناطق على الجهل الفاشى فى نظام الوظائف الجنسية . وهذا الجهل ينادى بضرورة العناية بنشر الثقافة الجنسية . فيجب على المريض أن يعتقد اعتقادا تاما بأن أعضاء التناسل قد توقف عن تأدية وظائفها مددا طويلة ومع ذلك لا يترتب على ذلك أى ضرر لها ؛ فإنه بعد الايقاف الطويل عن العمل يمكن لهذه الأعضاء أن تؤدى وظائفها عند الحاجة دون أن يظهر عليها أى دليل على الاضمحلال بسبب هذا الايقاف الجبرى " .
وواضح أن الكاتب يريد أن يقول إن الاتصال
الجنسي مرغوب فيه فى حياة الانسان بعد سن البلوغ للاحتفاظ بالتوازن فى نظام وظائف الأعضاء ، ولكن ليس بضرورة لازمة إذا ما عاش الانسان فى جو مشبع بالثقافة الجنسية الحقة . غير أن الكاتب قد يقودنا بذلك إلى أن نستنتج أن الاتصال الجنسى قد يصبح ضرورة ، وكثيراَ ما يكون لازما تحت تأثير العوامل غير الطبيعية التى تسود المجتمع فى العصر الحالى .
ومن الواضح أن تفكير الانسان يكون نقيا ، ويزيد صفاء بقدر ما ينشأ فى الطهارة ، وبقدر ما يعيش فى بيئة نقية . وهنا يسهل عليه أن يستمر فى العفة الجنسية والطهارة . . وبعكس ذلك إذا ظل ذهنه فى تهيج مستمر بسبب قراءة أدب رخيص فاحش أو معاشرة أصدقاء السوء والفجور ؛ فيكون من العسير عليه الامتناع عن الاتصال الجنسى . وتزيد هذه الصعوبة شدة إذا كان الانسان سبق وباشر الاتصال الجنسى من قبل . وفى هذه المرحلة قد يصبح الفجور ضرورة لازمة ، على حد قولهم : إن الخمر ضرورة لازمة للسكير المدمن ، وإن المورفين ضرورى لازم المدمن على تعاطيه .
أذكر نظرية أخرى لأحد الكتاب المتطرفين الذين يعتبرون أن الاتصال الجنسى ضرورى للاحتفاظ بالصحة الجيدة :
قال فون شرنك توتزنج Von Schrenck-Notzing: "إن أفضل علاج للاخلال بالنظم الجنسية كالعادة السرية ، وما إليها عدا بعض حالات استثنائية هو الاتصال الجنسى "
وقال أيضا : " بناءَ عليه يجب على الشاب المستقيم أن يواظب على الإمساك عن الاتصال الجنسى طيلة ما أمكنه مقاومة هذه الغريزة دون أن يؤثر ذلك على صحته . فاذا تعرضت صحته للخطر بسبب ازدياد ميله الجنسى أو
ممارسة بعض النظم الجنسية غير الطبيعية فمن الواجب على معلمه أو طبيبه أن يشير عليه بممارسة الاتصال الجنسى على أن يزوده بارشادات تقيه خطر العدوى بالأمراض الزهرية والنسل غير الشرعى .
أما الشطر الأول من هذه النظرية فمردود بما يأتى : أولا : مما يؤسف له أن الكاتب لم يذكر ما هى الحالات الاستثنائية التى تعالج بغير الاتصال الجنسى . فقد يتضح أن هذه الحالات تنطبق على سائر الحالات .
ثانيا : على فرض أنه ليس لدينا علاج للاخلال بالنظم الجنسية غير الاتصال الجنسى فانى أتردد كثيرا فى وصف " علاج " يحمل معه خطر العدوى المحقق بالأمراض الزهرية . وليس من الحكمة أن نصف " علاجا " أشد ضررا من المرض نفسه ، مع أن لدينا لحسن الحظ ولخير الانسانية علاجا آخر مؤكد الفائدة مأمون العاقبة وليس فيه أى ضرر .
سبق أن أوضحت فى باب " العادة السرية " أن ممارسة هذه العادة مدة طويلة تسبب احتقانا فى " البروستاتا " وتزيد الحساسية شدة فى الجزء المتصل بها من مجرى البول ، وأن هذا الأمر الموضعى فى هذا الجزء من مجرى البول يرسل رسالة عصبية تنبه المراكز الجنسية العليا فى المخ ، وهذه المراكز ترسل بدورها رسالة عصبية تنبه العاطفة الجنسية ، وهذا التنبه يزيد الرغبة فى ممارسة " العادة السرية " وهكذا تدور الدورة وتزداد الحالة سوءا .
وقد أوضحت أيضا فى الباب المذكور أن من الميسور علاج الأثر الموضعى فى البروستاتا " والجزء المتصل بها من مجرى البول بأن ندلك " البروستاتا " ونضع بآلة خاصة نقطا قليلة من ( محلول نترات الفضة ٣٠٠٠:١ ) فى تجويف الجزء الفائر من مجرى البول .
وقد دل الاختبار على أنه مجرد الشفاء من الأثر
الموضعى السالف الذكر تنقطع الرغبة فى ممارسة " العادة السرية " ويشفى المريض منها تماما .
ننظر الآن فى الشطر الثانى من نظرية الكاتب . وموجزه أنه يجب على الشاب المستقيم أن يمسك عن الاتصال الجنسى بقدر ما يستطيع . ولكن إذا رأى أن هذا الإمساك يؤثر على صحته فعلى طبيبه أن يشير عليه بممارسة الاتصال الجنسى ، على أن يزوده بارشادات تقيه خطر العدوى بالأمراض الزهرية والنسل غير الشرعى .
أما الجزء الأول من هذه الفقرة فكلام ينقصه الصراحة . فمن الجبن والخديعة أن يرفع الطبيب المسئولية عن عاتقه ويلقيها على المريض . فان القول للشاب : " امتنع عن الاتصال الجنسى وإن لم تستطع ذلك فعليك به " إنما هو قول يدل على موافقة صامتة لهذا الاتصال . لأن كل شاب يعود الطبيب ويقول إنه لم يستطع الامتناع عن هذا الاتصال . وإذا عاد إليه بعد ذلك وهو مصاب بمرض زهرى فيقول له الطبيب : " قد قلت لك ذلك من قيل . قلت لك امتنع عن الاتصال الجنسى ولكنك لم تسمع لى " .
وفى الجزء الأخير من الفقرة السابقة لم يذ كر الكاتب كيف يتقى الشاب خطر العدوى بالأمراض الزهرية ! وخيرا فعل لأنه لا يستطيع ذلك فان القول بإمكان اتقاء هذا الخطر تضليل فاضح . فاذا كان الطبيب ، وهو مجهز فى الفحص الطبى بأجهزة الاضاءة والآلات الخاصة والمجهر وآنية الاستنبات ، لا يستطيع فى آغلب الحالات أو كلها أن يقطع بأن امرأة ما مصابة بالسيلان أو سليمة ، فإذا كانت الحال كذلك فقل لى بربك كيف يستطيع الشاب العادى - الذى ينقصه فن الطبيب ومعداته - أن يعرف ما إذا كانت هذه المرأة سليمة أو لا !
وأريد أن ألفت نظر عامة الشعب وأؤكد لهم كل التأكيد أن الرجل لا يأخذ العدوى من امرأة مصابة
" بسيلان حاد " . وأن أكثر المرضى يأخذون العدوى من نساء مصابات " بسيلان مزمن ، لا يظهر عليهن أى صديد يذكر أو أى أثر منه . وفى هذه الحالات يحتاج الطبيب إلى جميع الوسائل الفنية الحديثة ليعرف ما إذا كانت معدية أو لا . وإذا تقرر ذلك فمن الخط أن ننتظر من الشاب العادى أن يصل بنفسه إلى نتيجة حاسمة فى ذلك . أما المشورة بارشاد الشاب إلى تجنب خطر النسل غير الشرعى ، فهى مشورة تقودنا إلى الاجرام ولا يجب أن تذكرها أى رسالة بريئة .
تكلمت باسهاب فى النظرية الأخيرة لأنها نموذج يمثل آراء الذين يعارضون العفة الجنسية .
ولهذه المناسبة أقتبس ما دونه إسترجس Sturgis في الرد على الاعتراض على العفة الجنسية فقد قال : " إن مدربى الملاكمين ومدربى الأشخاص الذين يرغبون فى الاشتراك فى مباريات الألعاب الرياضية يدركون تمام الادراك ما للاتصال الجنسى من تأثير على قوى الذين يدربونهم ، سواء فى ذلك القوى البدنية والعقلية . ولذا يحرمون على هؤلاء الناس الاتصال الجنسى تحريما باتا . حتى إنهم فى نظامهم سنوا لهذا التحريم قانونا صارما كان الوحيد من نوعه ، ففرض على مخالفيه أشد العقوبة وأقصاها . روى لى ملاكم اعتزل المهنة أنه لما بدأ فى المران للاشتراك فى إحدى المباريات عانى كثيرا ألم الحاجة إلى الاتصال الجنسى وكان يحتلم كثيرا وتكرارا . ولكن كل ذلك زال قطعيا بعد زمن يسير وبمجرد أن انصرف إلى عمله وتفرغ له . على أنه بعد أن أتم عمله وانتهى من المباراة عاد إليه ميله الطبيعى ووجد أن قواه الجنسية على أحسن حال وأتمها " ثم قال الكاتب : " إنى مقتنع كل الاقتناع ، مما سمعته من خبرة هذا الرجل وكثير غيره ، بأن القوى الجنسية فى مثل هذه الحالات لا تضمحل بعلة الامساك عن الاتصال الجنسى إذا لم يعمل الانسان على تهييج أعضائه التناسلية
تهييجا مستمرا بمغازلة النساء ومداعبتهن أو قراءة أشياء عن الاتصال الجنسى أو التحدث عنها أو التفكير فيها "
النتائج العصبية
شرحت المسألة من وجهة نظر الثقات فى علم تركيب الإنتاج وفى علم وظائف الأعضاء . والآن أشرح المسألة فى إيجاز من وجهة نظر الثقات فى أمراض الجهاز العصبى . وهنا لا أجد أفضل من أن أقتبس ما دونه كبير من أكبر الثقات فى أمراض الجهاز العصبى المعروفين فى التاريخ .
قال الأستاذ جورز (.Prot Gowers) فى محاضرة له عن مرض الزهرى والجهاز العصبى ما نصه : " إنى أدفع بكل ما أملك من قوة فى المعرفة ، وأقرر فى صراحة تامة وبكل مالى من حجة وثقة اكتسبتها من طول الملاحظة ، وتقدير جميع العوامل ، فأقول إنه لا يوجد إنسان تقدمت صحته أى تقدم ، أو نال أى تحسين لأنه سار فى غير عفة جنسية . كما أنى واثق كل الوثوق بأنه لا يوجد إنسان كان دائما على أحسن حال إلا لأنه عاش فى عفة جنسية تامة ؛ وهذه هى نصيحتى . دعنا نحرص على ألا نعطى أى موافقة ولو كانت صامتة لأمر نعتقد أن من الواجب علينا أن نواجهه فى حزم ونرفع صوتنا عاليا ضده " .
ألقى الأستاذ جورز المحاضرة التى أخذنا عنها هذا الاقتباس فى سنة ١٨٨٩ ميلادية . وإلى الآن لم يستطع البحث الطبى الحديث فى شئون الجهاز العصبى أن يغير شيئا من رأيه هذا . والواقع أن كبار الثقات فى أمراض الجهاز العصبى فى العصر الحاضر لا يقتصرون على اعتبار أن العفة الجنسية من نظام وظائف الأعضاء ، بل إنهم يعتقدون أيضا - بما لهم من خبرة واسعة - أن هذه العفة لا تؤدى إلى أى مرض عصبى ،
( ثم )

