الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 39الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - الفلسفة الانسانية عند تورجنيف، عن أندريه موروا

Share

كتبت سيدة إلى تورجنيف يوما تخبره أن ابنها يريد أن يعد أطروحة عن فلسفته ، وتريد بعض نصائحه . فاضطرب تورجنيف لأنه لا يؤمن بأن له فلسفة ، ويرى أن الفنان هو قبل كل شىء رجل مشاهد . والفنان الذى  يمتزج بالمشهد تذهب عنه صفة الفنان . على أنه قد يستطيع فى الهدوء أن يجد التأثيرات المحسوسة فى العمل حتى تغدو عنده مادة فنية . أما النزاع من أجل الأفكار المجردة . فهى خطر على الكاتب . " عند ما لا يكون أمامى صور ظاهرة يضطرب فكرى ، ولا أدرى أين أجول " أجاب هذه السيدة بقوله : " سأقول عن نفسى بصورة موجزة وقبل كل شىء إننى واقعى ، تسره الحقيقة الحية للوجه الانسانى ، إننى خلى إزاء كل ما هو فوق الطبيعى ، لا أومن بالمجردات والمذاهب . أحب الحرية أكثر من كل شىء وأميل إلى العظمة ، كل ما هو إنسانى عزيز لدى " . وفى

جوابه هذا تتجلى ميوله الشريفة واضحة . وهنالك بعض أفكار له مبثوثة فى أطواء رواياته .

وقد يبدو تورجنيف أنه متشائم ، ولا سيما فيما يحيط بالوجود من قوات وأشياء . ومن الجنون عنده الاعتقاد بأن الطبيعة صالحة ، والطبيعة لا صلاح عندها ولا سوء . إنها خلية ، إنها تبدع كائنات لا يهمها مصيرها ، وتخلق منها ما يناضل الأول ، وتعطى الفريقين وسائل للقتال والكفاح . وله قطعة تبدى فكرته هذه ، يقص علينا فيها حلما رآه ، نرى الطبيعة فيه ممثلة بصورة امرأة .

قال : " دخلت فى بهو واسع عالى القباب . . . وهنالك امرأة يدل مظهرها على رفعتها ؟ ترتدى لباسا أخضر اللون ، وقد أسندت رأسها بين يديها ، كأنها غارقة فى حلم عميق ، وسرعان ما أدركت أن هذه المرأة هى الطبيعة ، ولكن وحشة دخلت فى نفسى .

" دنوت من هذه المرأة الجالسة ، وألقيت عليها التحية بإحترام .

- آه يا أمنا الشاملة ! بماذا تفكرين ؟ أبمستقبل الناس ، أو بالحظوظ الضرورية لادراك ما يمكن من الكمال والسعادة ؟

" لفتت المرأة إلى عينيها المظلمتين الثاقبتين المرعبتين ، وقد فتحت ما بين شفتيها ، وسمعت لها صوتا داويا كصرير الحديد على الحديد .

- أفكر بوسيلة تمنح عضلات البرغوث قوة أشد حتى يكون أكثر دفاعا عن نفسه تجاه خصومه ، فالتوازن بين الهجوم والدفاع مقطوع يجب تعديله .

- أبهذا تفكرين ؟ ولكن نحن الناس ألسنا أفضل أبنائك ؟

" قطبت قليلا وقالت : - إن كل الحيوانات أبنائى ، إن بى سأما متساويا مل جميعها . وإننى سأدمرها جميعا على السواء .

- ولكن الخير ، العقل ، العدالة . - هذه ألفاظ إنسانية ، فأنا لا أعرف الخير ولا الشر ، إن حكم عقلكم ليس بشريعتى . وما هي العدالة ؟ إننى وهبتك الحياة وسأسلبها منك وأعطيها لغيرك . أعطيها ديدان الأرض أو الناس بدون تفريق عندى . وأما أنت فذد عن نفسك ولا تجىء لإزعاجى .

" أردت أن أجيب ، ولكن الأرض وكل ما حولى أخذ يهدر ويريجف فتيقظت من حلمى . . . . "

ويبدو لتورجنيف أن الوجود تسوقه قوات كبرى ، خالية من العقل . سواء عليها كل ما تعتبره من مقدرات الخير والشر والعدالة والسعادة . ولا ريب أن روحا تعتقد بهذه الفكرة ليست بروح دينية ، وفى عين تورجنيف يتساوي الرجال والنمال . وفى إحدى قصائده يقيم نجوى بين جبلين .

قال أحدهما للآخر : - هل جديد هنالك ؟ ماذا يجرى حولك ؟ فأجابه الآخر :

- نفس الشىء دائما ونفس الصورة . ما أبعث هذا على السأم ؛ زرقة الماء ، وقتام الغابة ، ودكنة الصخور ، وحول هذه الأ كداس تضطرب هذه الأنواع من الحشرات وتخفق بقدمين دون أن تقدر على تدنيسى أو تدنيسك ، هؤلاء الناس ، نعم الناس ! .

عبرت ألوف من العصور كأنها لحظة . أعاد عليه ذلك السؤال : - ماذا تري ؟ إن حولنا يبدو شىء من الصفاء ، ولكن هنالك . . . . على أبعد منا فى الوديان أجد بعض البقع ، أو شيئا يتحرك .

وبعد عصور مرت سأله : - والآن ! - كل شىء جلى ، يشرق بالبياض كل مكان ، فالثلج حيثما نظرت ، ثلجنا وجمدنا ، الآن كل شىء هادئ ساكن .

- لقد ثرثرنا كثيرا يا رفيقى ، حان وقت النوم . الجبال الكبيرة نامت ، وتنام أيضا السماء الصافية الخضراء ، وفى الأرض التى أصبحت خرساء إلى الأبد .

إن العاطفة الكبيرة التى سيطرت على تورجنيف هى فناء الناس إزاء عظمة الأشياء . وإذا كنا ضعفاء عن تأمل اللانهاية وقياسها ، فكل جهد يتراءى لنا عبثا . إننا نتألم ، إلى أين نمضى ؟ نحو الموت الذى يمسى صغيرا بدوره .

" وهنالك الحب الذى ينفخ القوة على تعساء الناس والعظمة . ولكن فى الحب نفسه لا يرى الملاحظ إلا صورة الكفاح العالى : " ليس فى الحب مساواة ، ليس فيه إلا سيد وعبد . ولم يتكلم الشعراء عبثا عن قيوده وسلاسله . ستعرف يوما هذه الكائنات الرقيقة كيف ترد قلبك قطعا ، وستعرف البغض الذى بتوارى تحت الحب المتوقد ، وستتنفس كالعليل بعد الصحة وبعد الراحة . . ."

وفي روايته " دخان " يقول : " الرجل ضعيف والمرأة عنود والصدفة جبارة . . . هنا جمال ورقة ، ونار ونور ، فكيف الاحاطة بها ؟ الرجل يزلق كالطفل نحو محبوبته ... " وقد كان تورجنيف يشك فى الحب كما يشك فى الموت فى نهاية أيامه السيئة .

ولتورجنيف قطعة عنوانها " يكفى " تعبر عن تشاؤمه

ويصور لنا فيها وجه هذه الطبيعة الوحشية :

" بدون شفقة يقود الحظ كلا منا دون أن نحس كفه الصارمة . وكلما استولى علينا الخداع استطعنا أن نحيا وأن تتأمل دون خجل . ثم حينما نكتشف الحقيقة فإن طريقا واحدا يبقى للإنسان ليبقى واقفا ، وليظل غير محطم . هذا الطريق هو الرجوع عن كل شىء بهدوء ، والقول يكفى ! وأن يبسط ذراعيه العاجزتين على صدره الخاوي . وأن يعرف عدمه ، هذه المعرفة التى قال عنها باسكال : " الإنسان - القصبة المفكرة . . ليست الحياة إلا ظلا تائها ، وممثلا يتكلم ثم يسكت ، قصة مفعمة صخبا ورعبا ثم هى لا تحتوى على شىء .

" إن جوهر الحياة ردىء ، فارع من كل معنى . وعند ما يحس الإنسان مرارته بجد ألا أحلى ولا ألذ من لذة الحب والتقارب . ولكن هذه اللذة نفسها تفقد سحرها ويذهب تأثيرها لدوامها الموجز وحقارتها . نعم : إن إنسانا أحب وهمس كلمات سعادة خالدة وانجذاب خالد ، لكنه لن يغادر أثرا للدودة التى ستلتهم آخر عقدة من لسانه الذاوى .

" وفى يوم ندى من أيام الخريف ، عند ما يفقد كل شىء حياته ، ويصمت بين الأعشاب اليابسة ، إذا خرجت الشمس لحظة من الضباب وبسطت شعاعة منها ، رأيت أسراب الذباب انتشرت من كل صوب دافئة خافقة ، مضطربة ، مرتفعة منخفضة ، ترقص فى الشعاع الهادى ، وإذا ما توارت الشمس وعادت فى الحجاب هوت هذه الأسراب ضعيفة الجناح ، وتلك نهاية حياتها .

الفن قد يبدو أنه أسمى وأعجب من الطبيعة ، لأن الطبيعة ليس فيها أناشيد بيتهوفن ، ولا مقطعات غوتي ، ولكن في مختتم كل شىء ستظفر الطبيعة ، وستهدم كل شىء من آثار الفن وتماثيله التى ستبيد ركاما : " وأنى

لنا - نحن الفنانين - أن نكافح هذه القوة الصماء الخرساء العمياء التى تمشى ، وتمشى ملتهمة كل شىء ؟ وكيف تكون لنا ثقة فى قيمة هذه الصور الطائفة التى تصورها - فى الظلام وعلى شفير الهاوية - للحظة فى التراب ؟

ولكن الجمال لا يحتاج إلى الحياة دائما ليكون خالدا . إن لحظة واحدة تكفيه . قد يمكن هذا ، ولكن يجب أن يكون هنالك رجال ليخلدوه .

وهذا لن يكون . لأن يوما باردا من أيام الأرض أن يحمل ابدا رأسا بشريا يستطيع أن يتأمل فى هذا الجمال الغابر . " وإذا لماذا العمل ؟ ولماذا العودة إلى كل ما هو صخب ورداءة ؟ ولماذا - وقد لمسنا الضعف واللين فى العظام البشرية -نمجرب أن نكافح فى هذا العالم الباطل ؟ لا . . " يكفى . . . يكفى . . . التتمة فى السكون " .

وهذا ما يجب أننيجيب به على تورجنيف ، وضمنا على شوبنهاور الذى أوحى إليه بتعاليمه . . حقا أن الأشياء الإنسانية موجزة ، ونحن لا نستطيع أن نعتمد على بقاء آثارنا ، لكن حاجة الدوام أليست سطحية ؟ قد نقول إن الآثار الفنية ستبلى ، ولكن ما همنا ؟ يجب أن نقيها للجيل الحاضر ، من أجلنا ومن أجل من حولنا . لقد أعطينا الحياة وذلك يكفى . إنها قصبرة إزاء الأبدية ، ولكن الأبدية شىء غير منظور .

الحياة طويلة وغنية وطافحة بحسب نظر الإنسانية الضعيفة . إن التشاؤم سطحى . المحبون والأطفال يعلمونه جيدا وهم على حق فيه . أسراب الذباب ترقص فى شعاع الشمس ، فهل تعمل خيرا مما عملت لو أبت الرقص وأوت تتأمل نهاية الصيف ، ومستقبلا لا تستطيع

أن تتخيله ؟ وخير جواب لتورجنيف جوابه نفسه ، لأن نشاؤمه سطحى ، وقد يكون عقله متشائما ، أما قلبه وإن لم يكن متفائلا فهو بسيط مستقيم ؛ وهو على حق حين أعلن عن نفسه بأنه لم يخلق للأفكار المجردة ليعالجها ، ولكنه حين يصف العالم الحقيقي يشعر بجماله وتنوعه . يدخل أحد أبطاله بيته حزين النفس فيقول : " هاأنذا وسط النهر " فهو يحس السلام العميق وسكون الفضاء ، فيردد الكلمة مرة ثانية . الحياة فى كل زمن - هنا - هادئة عذبة . كل من يدخل هذه الدائرة يخضع لها . هنا لا شىء يتحرك ولا شىء يستطيع أن يضطرب .

الاستسلام ! نعم ، لكنه استسلام لا يخلو من عذوبة ، وهو يرينا فى خاتمة رواية من رواياته وكيف يقوم بعد زوال جيل جيل جديد ، يجد ذات السعادة فى التأمل والحب . وإن وهما خالدا يتولد كالنفس الانسانية قد يكون حقيقة أو يوشك أن يدنو منها .

" فى يوم من أيام اليأس سمع تورجنيف شحرورا يشدو " كان يغني ويكر دون أن يقف بصوت حاد ... لقد كانت هذه الألحان موسومة بالخلود ، وبكل صفاء الخلود وتأثيره وقوته . وكأنى شاهدت هنالك صوت الطبيعة نفسه ، ذلك الصوت العجيب الذى غنى ويغنى دائما . كان يغنى هذا الشجرور بذهول . وكان يعلم أن الشمس - فى ساعتها - الشمس الأمينة ستنثر شعاعها . وأن غناءه ليس فيه شىء منه ولا شىء له ، الشحرور نفسه منذ آلاف السنين سلم على هذه الشمس وحيا طلعتها . وهو نفسه بعد آلاف السنين سيسلم عليها ، بينما رماد رفاتى الذى تحمله الريح وتحطم غناءه ، يعود يوما ما يتحرك بأجزاء غير منظورة ، ويدور حول جسد رنان دائما ، حى أبدا .

" وأنا -الرجل الفقير المحب- أقول لك سلاما أيها الشحرور من أجل انشودتك الحرة القوية التى دوت تحت نافذتى فى ساعة يأسى " .

وكذلك يأتى أناسى بعد ألف عام أو ألفين يكون لهم نفس أهوائنا وسعادتنا وشقائنا . وهم -كمثلنا- يتوعدهم الموت ، لا ينون عن التأمل والأمل ، ومن أجلهم ستبرز الشمس فى الصباح ، لأن هذا الوجود المروع هو أيضا وجود أمين ، وشرائعه ليست بصارمة ولا عذبة ، إنما هى ثابتة لا تتغير . وإذا كان عالم القوى بلا شفقة كما هو بلا بغض ، فليس هناك خلائق بشرية كهذه . لماذا وجدوا على هذه الكتلة من الوحول ؟ تجهل ذلك . هل هم أكثر خطرا من الذباب ؟ لا نعلم عن ذلك شيئا . ولكن الذى يميزهم أنهم قادرون على الصداقة والحب والعظمة .

فى روايات تورجنيف تجد الحياة كما هى فى قلوبنا ، حزينة متبدلة ، خفية ذات أسرار . والعاطفة التى تركها لنا ليست بعاطفة الضغينة والجبن ، لكنها عاطفة الجمال . وعند ما يغلق كتبه تخفق فى مخيلاتنا غابات مرتعشة من الشمس ، ونساء فاتنات حسناوات ، وآباء جافون وذوو حنان ، ونفوس قلقة هادئة . وكما يقول عنه (فيتان) : " إن تورجنيف النبيل الكئيب لا يمكن تحديده ، إنه تفهم الحياة القاسية ، ولم يشأ أن يكسوها رداء خداعا من التفاؤل ، ولكنه لم يعره الشك فى الطبيعة الانسانية " . ( دير الزور )

اشترك في نشرتنا البريدية