تحدثت إليك فى مقالى السابق عن (( القوة )) ورأينا كيف تفترق القوة بالتقاليد وكيف تنقلب قوة غشوما ، وكيف تجتاحها الثورة ، وقلنا إن القوة فى نفسها تشبه الطاقة التى تسكن فى كل جسم من الأجسام وتتشكل فى الحركة أو الحرارة أو الضوء أو غير ذلك . وفصلنا القوة فرأيناها ظاهرة فى قوة الملك والزعيم ورجل الدين ، ثم رأيناها جلية فى قوة المال وقوة العقيدة ، وقلنا إن هذه القوى تختلط بعضها بالبعض ، وتتحول من حالة لحالة كما تتحول الطاقة من حركة لحرارة لضوء .
والحق أن (( برتران رسل )) لم يكن أول المفكرين الذين اختصوا القوة بكل ذلك التفصيل ، فقد ظهرت فى تاريخ الفكر فلسفات كانت كل واحدة منها تحتفى بالقوة فى مظهر واحد من تلك المظاهر المتعددة . كان (( مكيافلى )) أول المفكرين المحدثين الذين كشفوا قوة الأمير ، وكان
أحد عباقرة النهضة الذين بحثوا حقائق الحياة الدنيا ، فهو سواء و (( جاليليو )) و (( بيكون )) ، لأن هؤلاء جميعا حاولوا أن ينظروا إلى الحياة نظرة فاحصة متثبتة . لكن (( مكيافلي )) بدأ مدرسة بأسرها سارت على نهجه فى تاريخ الفكر السياسي ، فقد كان (( هوبز )) أحد الفلاسفة الذين أيدوا قوة الأمير ، وأول من لمس فى حياة الجماهير ذلك الخوف الذى يلجئهم إلى الزعيم الأعلى . ولم يخل عصر لويس الرابع عشر من فلاسفة مثل (( بوسويه )) يحتفلون بحق الملك المقدس ، ويؤيدون ذلك بآيات من الانجيل .
كانت تمتاز الملكيات فى القرن السابع عشر بأن لها أساسا فلسفيا خاصا يؤمن بالقوة ، وكانت تتمثل فى الملك كل التقاليد التى انحدرت فى حياة الشعوب . لكن هذه الشعوب كانت تتحول اقتصاديا واجتماعيا ، ففقدت إيمانها بتلك الملكيات ، وحين فقدت ذلك الايمان حاول
المستبدون أن يفرضوا عليها قوة غشوما لا تتصل بالتقاليد الموروثة ، وعند ذلك ظهرت فلسفات أخرى تؤيد قوة الشعب ، وترى الزعيم الأعلى نفسه ممثلا لتلك القوة .
كان من هؤلاء الفيلسوف الانجليزى لوك Locke و بعض الفلاسفة الألمان فى القرن الثامن عشر . ولذلك كانت الملكية عند هؤلاء ، تعبيرا عن رغبة الشعب نفسه ، يتمثل فيها المجد والقوة والسيطرة والعظمة والسلطان .
وسرعان ما انتقل كل ذلك إلى الدولة نفسها ، فقد خلقت الدولة خلقا آخر ، حينما شاعت هذه الفلسفة السياسية ، وأصبح للدولة كيان ميثافيزيقى ، تضاءل أمامه كيان الأفراد . وأصبحت سيادتها هى التى تؤثر فى حوادث الحرب والسلم ، بل أصبح يتمثل فيها كل تلك القوي الحربية والاقتصادية التى بسطناها لك . وقد كان هذا التحول فى الفلسفة السياسية نتيجة لنظرة عقلية خاصة ، امتاز بها فلاسفة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، لأن هؤلاء قد حاولوا أن يعدلوا من فلسفتهم السياسية بمقدار ما تعدل من حياة الجماعة فى الاقتصاد والاجتماع والسياسة ؛ وكان من أكبر هؤلاء المفكرين الفيلسوف الألماني (( هيجل)) Hegel .
إلى جانب تلك الفلسفات التى عالجت السلطة التقليدية والتى بعثت فكرة الدولة فى تاريخ الفكر ، نري عنصرا آخر من عناصر القوة مستمدا من الشعب . وهنا تظهر لنا الفكرة القومية التى كان لها أكبر الأثر فى حوادث القرن التاسع عشر. بدأت هذه القوة الجديدة بالثورة الفرنسية ، لكنها اشتدت حينما قاومها (( نابليون )) ، وكانت السنوات التى تلت سقوط (( نابليون )) ، هى السنوات التى كبرت فيها الفكرة كما يكبر الجنين ، ثم ظهرت فتيه قوية فى أخريات القرن التاسع عشر ؛ و كان مظهرها ذلك الاستقلال الذى أحرزته القوميات المختلفة ، وتلك القومية البرلمانية التى صاحبت ذلك الاستقلال ؛ ولعل (( ماز بنى )) هو نبى هذه
الفكرة ، فهو الذى فصلها ، وهو الذى أقام منها خيالا تحقق فيما بعد ، هو خيال القومية الإيطالية الموحدة .
وكان القرن التاسع عشر زاخرا بفلسفات القوة ؛ وقد رأيت كيف قدر " كارل مار كس " قوة المال وكيف تضحت فلسفته عن ذلك الإيمان بالمادة . إلا أنه كان يرى أن الاشتراكية نتيجة للتطور الاجتماعى والسياسى والاقتصادى ، ولذلك فإنه عارض الرأسمالية ، ورأى القوة الكامنة فى هؤلاء العمال والصناع الذين ينتجون ، وفر ق بين طبقتهم وطبقة المستفيدين من أصحاب العمل ؛ ولذلك فقد لمس قوة الطبقة المنتجة (١) ونفث العداء بين الطبقتين ، وأيد حتى الطبقة الأولى فى الثورة علي الطبقة الأخرى حتى تتمكن من السلطة ؛ وكان يؤمل أن يعيش العالم بعد ذلك فى عصر تتحقق فيه المساواة . كان ذلك هو الحلم الذى لعب بخيال (( كارل ماركس )) ، وقد أسرف كثيرا فى تقديره ؛ وما زال هذا الحلم بعيد التحقق ، لكنه على الرغم من ذلك قد أثر كثيرا فى النظم السياسية ، فقد وجه الديموقراطية إلى نواحي الخدمة العامة ، واعترفت النظم السياسية بحق طبقة المنتجين ، لكنها تبيت أن المساواة المدنيه شىء والمساواة الاقتصادية شىء آخر ، وأن أقصي ما يباح المنتجين إنما هو أن تتاح لهم الفرصة فى أن يخرجوا من زمرتهم الأولى ليدخلوا فى زمرة أصحاب العمل .
ثم كان (( نيتشه )) أحد أولئك الفلاسفة الذين رأوا القوة فى الفرد . فأقام عبادة البطل واحتفى بالزعامة ودعا إلى تمجيد (( السيرمان )) أو الانسان الأعلي (٢). وذهب (( نيتشه )) إلى أن الناس فى هذا العالم ينقسمون إلى طبقتين : طبقة السادة وطبقة العبيد ، وأن السادة وحدهم هم الجديررون بأن يستولوا على السلطة ، وأن الجماهير ليست بذات قيمة فى نفسها إلا بمقدار القوة التى يهدونها
للإنسان الأعلى . ثم لقد كان صريحا غاية الصراحة فى تفصيل هذه القوة ، حتى إنه أغفل كل الإغفال قواعد الخلق التى توارثتها الجماعة الانسانية ، وادعي أن الأخلاق نفسها ما هى إلا مبادئ الثورة التى قام بها العبيد ضد السادة ، وأن مبادئ المسيحية لم تنتج إلا عن خور فى الطبيعة الإنسانية ؛ وعند (( نيتشه )) أن حب القوة هو الدافع الأول والأخير فى الحياة الانسانية ، وأن إدارة القوة هى القانون الأسمى الذى يتحكم فى حياة الجماعة .
وإذا كان هذا هو الرأى الذى اصطلح عليه بعض الفلاسفة والساسة الذين آمنوا بالقوة ، فإن كثيرا من أصحاب الفلسفة والسياسة قد ذهبوا إلى الضد من ذلك الرأي . وهؤلاء علي أن العالم قد سار - وهو يسير - فى طريق التقدم ، وأن الحياة الانسانية ما زالت تتقدم نحو غاية مثلية عليا ؛ يؤمن هؤلاء بأن فى التطور قوة خاصة ، وهذه القوة هى التى تبتكر وتخترع وتخلق . وأن الحياة قد بدأت فى جو من المحبة والرحمة ، وأنها لابد أن تنتهى كأول ما بدأت . ومن هؤلاء الفيلسوف الفرنسى (( برجسون )) pergson ، فهو أحد الذين استهانوا بقوة الفكر ، وأمنوا بقوة الرغبة ، وذهبوا إلى أن التطور نتيجة من نتائج الرغبة الملحة المتلهفة ، وأن كل عمل رهين بالنجاح أو الفشل، تبعا لما يعتبر هذه الرغبة من الشدة أو الوهن ؛ ويذهب إلى مثل ذلك (( برنارد شو )) ، وهو يدعو لذلك فى عنف وسخرية ، فى أكثر مسرحياته .
تلك بعض فلسفات القوة التى استخدمها (( برتران رسل )) فى كتابه عن (( القوة )) . ولكنه يزيد على كل أولئك بأن موازناته تمتاز بالشمول والإلمام . وإذا كنا قد شبهنا (( مكيافلي )) (( بجاليليو )) ، لان الاثنين كشفا كشوفا علمية ، أولهما فى السياسة ، وثانيهما فى
الفلك - فإن (( برتران رسل )) يشبه العلماء المحدثين الذين أفادوا من التراث العلمى والفلسفى الذى قامت عليه الحضارة .
ولم يكن ينتج كل تلك الفلسفات التى أوجزنا لك ، إلا الرغبات المتضاربة التى تستثير الفلاسفة على اختلاف مبادئهم ؛ فلكل فيلسوف من هؤلاء رغبة تملك عليه نفسه. وما تاريخ الفكر إلا كفاح بين الرغبة الخاصة وبين حقائق الحياة التى لا يستطيع إنسان أن يسيطر عليها؛ وليس ينطبق هذا على الذين كانوا يؤمنون بالقوة الغشوم فحسب ، وإنما ينطبق أيضا على أولئك الذين آمنوا بالقوة فى أعماق نفوسهم ، لكنهم حاولوا أن يلبسوا فلسفتهم لبوس الخلق العام أو رغد العيش أو كيان الدولة أو قوة الشعب ، أو غير ذلك من مظاهر القوة التى ذكرنا . فرغبة الفيلسوف أو المفكر هى التى تبدأ فى الظهور ، ثم هى التى تنسج حولها فلسفته العامة ، وما يزال بها حتى تصبح شائعة يدعو الناس إلى اعتناقها .
والفيلسوف حين يذهب إلى ما يذهب إليه متأثر بالبيئة التى هو فيها ؛ فالبيئة التى يعيش فيها ، والدراسة التى عالجها ، والتجارب التى تمرس بها ، كل ذلك هو الذى يولد عنده تلك الرغبة التى تلح عليه ، حتى يتفتق ذهنه لحقائق الفلسفة التى يدعو إليها . على أنه إذا كانت بيئته ذات أثر عميق فى تفكيره ، فان فلسفته هى الأخرى ذات أثر عميق فى البيئة التى نشأ فيها . فقد كان لكل فلسفة من هذه الفلسفات أثر عميق فى حياة الجماعة ، وكان لها كل الوزن فى تشكيل النظم السياسية التى اختلفت على ظهر الأرض . فالفلسفة السياسية تتأثر بحياة الجماعة ، كما أنها تؤثر فى حياة الجماعة ؛ هى فعالة مؤثرة ، كما أنها مفتعلة متأثرة . فما تشيع تلك الرغبات - أو قل تلك الفلسفات - حتى تنقلب نظما لها أصول وقوانين . وليست النظم إلا بيئات
اجتماعية أو سياسية ، تتحقق فيها تلك الرغبات .
والجماعات المنظمة ليست إلا مجموعات يجتمع فيها الناس طوعا أو كرها . وهي تشبه الكائنات العضوية الحية من حيث النشوء والارتقاء ، ومن حيث التدلي والانحطاط . والحكومة على رأس تلك الجماعات لازمة ، مهما ارتقت الجماعة أو انحطت . وحيث تكون الحكومة فلا مساواة فى توزيع تلك القو التى عالجنا . فالحكومة قد تحتكر القوة بأجمعها ، لكنها قد توزع القوة على أجزاء المجتمع توزيعا غير عادل . لذلك قامت نظم مثل الكنيسة والنقابة ومجلس النواب ، ومجلس الشيوخ ، ولذلك تشكلت الحكومات ؛ فكانت ملكية طورا ، وكانت جمهورية طورا آخر . بل لذلك قامت نظم اختلفت باختلاف الطبقة التى على السلطة ، فكان هناك ديموقراطية ، وأرستقراطية وأوليجاركية ( ١ )، وتيوقراطية ( ٢ ) . وربما اجتمع فى الحكومة كثير من هذه النظم كما كان الأمر فى أسيرطه ؛ وربما قامت أحزاب كل منها يدعو إلى نوع خاص من أنواع الحكومة ، كما يحدث الآن فى فرنسا وإنجلترة .
فإلي جانب الحكومات جماعات منظمة أخرى تنمو اليوم وتترعرع . لكن كلا منها يستمد قوته من إحدى الفلسفات التى تحدثنا عنها . وكل جماعة منظمة تتصل من قريب أو من بعيد بإحدى فلسفات القوة ؛ فالأحزاب السياسية جماعات تكافح من أجل السلطة ، وليس يدفعها إلى ذلك إلا التنافس حول القوة والمجد . ورجال الدين كذلك يريدون أن يحتكروا العقيدة وأن يحلوا الإيمان، والمدرسة قد تصبح مصدرا من مصادر القوة للحكومة القائمة ، كما تكون مصدرا من مصادر الضعف والوهن . أما الجيش فهو الذى يمثل القوة القومية فى أبعد مداها .
ثم إنه يمثل قوة الحديد والنار التى تحدث عنها (( مكيافلى )) وكذلك قل عن الشركات والمصارف ، فكل هذه جماعات منظمة أوتيت قوة من القوى التى كانت موضعا من مواضع النقاش عند فلاسفة السياسة . ونري من كل ذلك أن القوة تروح وتغدو بين كل جماعة وأخرى ، وأن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا تستقر على حال واحدة بل هى قلقة تنقلب بين عشية وضحاها تبعا لتقلب القوة .
وإذا كان هذا هو الشأن فى القوة وتقلباتها فحري بنا أن نبحث العلاقة بين القوة وبين الخلق . أفنذهب إلى ما ذهب إليه (( مكيافلى )) حين قال إن الأمير يجب أن يتجلى بقوة الأسد ودهاء الثعلب ؟ أيجب أن تقترن القوة دائما بالغدر ؟ أم يذهب إلى ما ذهب إليه (( نيتشه )) حين استهان بالخلق الذى تواضعنا عليه ، وحين ثبت عبادة القوة الغشوم ؟ لا يري (( برتران رسل )) هذا ولا ذاك ، بل هو يذهب إلى أن تاريخ الإنسانية لا يتجه نحو الغدر ولا نحو القوة الغشوم ، وإنما يتجه نحو روح من الرحمة والعطف (١) تشيع فى كل العالم . هذه الرحمة ، أو قل المشاركة الوجدانية ، هى التى ترزع فى نفوس الناس تقدير الآخرين . فأن هى شاعت أصبحت أساسا من أسس الحياة السعيدة .
يذهب (( برتران رسل )) إلى مثل ذلك ، لأن العطف يؤثر دائما فى الخلق ، ولأن الخلق لا يقوم إلا على ما يستوحيه الفرد من وجدانه . فالعطف الشائع المرهف أساس الخلق العام . والعطف فى ذلك يشبه التفكير املوضوعى عند العلماء . فكما أن العالم يجب أن ينتزع شخصه من الباحث التى يعالجها ، فكذلك العطف يجب أن يكون شاملا لا يفسده إحساس بالمصلحة الذاتية الخاصة .
وكما أن قرونا طويلة قد انقضت قبل أن يكون التفانى فى خدمة العلم أساسا للعلم ، فكذلك سوف ينقضي طويل من الزمن ، حتى يكون التفانى فى العطف أساسا للخلق . وبذلك تتزايل القسوة والظلم والاستبداد وكل ما يحيط القوة من شرور وآثام . وإذا نحن أردنا أن نتخذ معيارا خلقيا نطبقه على أصحاب القوة والطامعين فيها ، أمكننا أن نبحث اتجاهاتهم فى ضوء هذا العطف .
ثم هناك قوم يكافحون للقوة من أجل القوة فحسب ، وهناك قوم آخرون يكافحون لها من أجل الاصلاح والخير العام ؛ الأولون يتخذون القوة غاية ينتهون عندها ، والآخرون يتخذونها وسيلة نحو مثلهم العليا ؛ الأولون هم الذين تطغى عليهم شهوات النفس ، والآخرون هم الذين يتحكمون باحساسهم فى شهوات النفس ؛ الأولون لم يؤتوا ذلك العطف الذى يحملهم صالحين عاليين ، أما الآخرون فهم الصالحون الذين يرثون الأرض وينشرون فيها السعادة والرغد والعمران .
بهذه المعايير التى نقيمها لأنفسنا نستطيع أن نقرب القوة ، وأن نحكم عليها ، إن شرا فشر ، وإن خيرا فخير . فالعطف ، أو قل الاحساس ، أو قل الوجدان ، هو أساس الخلق . ولن يكون الخلق شاملا عاما حتى يكون ذلك العطف عاما يؤلف بين طبقات الناس على اختلافهم .
والقوة كما رأينا عنيفة شرود ، فيجب أن تتجاذبها نظم خاصة حتي تسكن وتسلس . أو قل إننا يجب أن نروضها كما يروض الوحش الكاسر . يجب أن تعلى الجماعات الانسانية بأن تجتنب السيئات التى تلازم القوة فى جميع مظاهرها . فهناك استبداد الأقوياء ، وهناك قسوة الأغنياء ، وهناك الدعاية الخبيثة التى يصطنمها اولئك وهؤلاء . ثم هناك أخطاء نفسية يقذفها المربون ، إذا هم
أنشأوا الجيل الذى بين أيديهم على التفكير الملتوى ، وعلى العطف المحدود . فتلك نواح أربع يساء فيها استعمال القوة . ولابد لكل جماعة منظمة أن تصطنع نظما خاصة تقمع بها هذه السيئات .
أما من حيث استبداد الأقوياء فإن الديموقراطية علاج يخفف منه ، لأنها تتيح الفرصة للجماهير أن ترتقى إلى مراتب القوة ، وهى بعد ذلك متنفس للجماعة ، وأما من حيث قسوة الأغنياء فهناك الدولة التى تفرض على الناس أجمعين واجبات الخدمة العامة ، وهى قد جمعت سلطة عليا بين يديها حتى لتستطيع أن تتحكم فى الأفراد والجماعات مهما تبلغ من الثروة . ثم هناك قوة الدعاية التى نستطيع أن نوجهها من أجل الجماعة ، وهناك أساليب التربية التى نصطنعها لتنشئة جيل جديد يرى كل وجهة من وجهات النظر ويستوحي العطف كله من دراساته وتعاليمه .
لقد انحدرت إلينا من حكمة الصين قصة ينبغى لنا أن نرددها فى نهاية حديثنا عن القوة . فقد زعموا أن (( كونفوشيوس )) كان يسير مرة فى ناحية بجبل تى ، فمر بمرأة تبكي بكاء مرا عند قبر مهجور . فأرسل إليها أحد أتباعه يسألها : ما خطبها ؟ فقالت له : (( إنني لألقى حزنا مبرحا يحز فى نفسي ، فقد قتل زوجي وأبوه هنا منذ عهد قريب - افترسهما النمر ، وقد قتل ابني اليوم فى نفس هذا المكان - أكله النمر أيضا )) . فقال لها (( كونفوشيوس)) : ولم لا تغادرين هذا المكان وقد تربص لكم النمر فيه وأخذ عليكم المسالك ؟ (( فقالت له : (( ليس فى هذا المكان حكومة ظالمة فأغادره . )) ولذلك كانت الحكومة الظالمة عند (( كونفوشيوس )) أشد قسوة من الوحوش الضاربة .

