الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 47الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - الموت والحياة فى فلسفة إقبال

Share

وإنه ليملكك العجب إذا رأيت الشعراء جميعا في ناحية و "إقبالا" وحده في ناحية اخرى ، فهم يتغنون بالوصال ويذمون الفراق ، ويتبرمون بالاسفار ويحمدون الإقامة الهانئة ، بينها هو يحب الرحلة والتجوال ويطرب لصدمة الرعود وأزيز الأمواج فيقول :

الوصل في الحب غال

                      وقيمة الهجر أغلي

الوصل حلو ولكن

                    عواقف الهجر أحلي

في القرب موت الآماني

                   والعيش فيه فناء

والبعد فيه حياة

                   يذكي ضياها الرجاء

إن انتقاد الأماني

وحسن شد و الطيور

وضحية الخلق سعيا

في العالم المعمور

والسحب حين تراها

تسقي الربا واليباب

والموج في البحر يعلو

حتي يقوق الهضاب

وكل ما في البرايا

من روعة وجلال

لو لا بد الهجر فيه

لم يزدهر بالجمال

يحدثنا "إقبال" عن الظواهر الكونية بلغة ساحرة ، ويبين لنا مرارا ان الربيع لا تتفتح أزهاره ، ولا تنضر اغصانه ، ولا يبدو كل ذلك جميلا في الحدائق إلا عند ما تتساقط كل الأوراق بعواصف الخريف ، وتبدو الطبيعة جافة صامتة نائمة حتى يوقظها ذلك الربيع بتغريد اطياره ، كما من في الصور السابقة ، فيقول لنا إن ظواهر الحياة تعطينا درسا بليغا ، فليس الموت إلا غروبا لشمس الروح ، ثم تستطع بعد ذلك في صبح الخلود الذي لافناء بعده :

زعم الجاهلون أن المنايا

مغرب فيه للحياة انقضاء

أفلم ينظروا إلي الشمس يبدو

نورها بعد ما طواها المساء

تغرب النفس ثم يشرق صبح

فيه للنفس بالخلود انقضاء

عند ما أريد بناء مستشفى في الحجاز أراد " إقبال" أن يقدم إلينا من سحره يلمسها صدمة الموت ، ويوضح ان المرء بعد اجتياز تلك المرحلة يحيى حياة هانئة لا يحياها الحضر في عمره الطويل . ثم يهون احتمال الصدمة الأخيرة بعبارات سما فيما خياله وتصويره . فأنت تري ان الشاعر ينظم القصيدة فإذا لم يجدها ملاعة لطبيعة روحه حذف منها أشياء واثبت غيرها جديدة ، وأعمل فيها التغيير والتبديل . كذلك الرسام والمهندس والكاتب وكل الفنانين الذين نشاهد ابتكاراتهم امام اعيننا . والقدرة تبدع في فن الإنسان وترقي به تحسبنا وتجميلا . وليس الموت إلا حالة يراد بها اصلاح النفس وإعلاؤها ؟ ونتجلي لك هذه الحقيقة واضحة في هذه الابيات :

يا أساة الحجاز هلا علمتم

أن برء الحياة أرض الحجاز

إن سر الحياة يكمن في الم

ت فيحكي حقيقة في مجاز

فرح المؤمنين في سكرة الم

            ت بقرب المهيمن المتعالي

هو أسمى من عيشة الخضر في الدن

             يا طوال الدهور والأجيال

لم جثم للمؤمنين بيره

إن إيمانهم بداوي الجريحا

والذي ذاق من يد الوحي كاسا

ليس يحتاج للدواء مسيحا

كل كون أبلته أيدي الليالي

                  أحرقوه ليصنعوه جديدا

يهدم البيت بعد حين ليبني  

               منزلا عاليا وقصرا مشهدا

في أحوال عديدة وبأساليب مختلفة يبين شاعرنا ان الحياة تختفي ضعيفة لتظهر قوية ، فلا خوف من ذهاب شئ لأنه سيظهر بصورة اجمل واحسن ، كما مر في الصورة السابقة ؛ وفي هذه القطعة يتحدث لنا عن تزلزل الحياة واضطرابها الدائم ليزيدنا يقينا بها :

في خضم الحياة يضطرب الم

               ج ولا يستقر في أي حال

ثوران الحياة في الكون باد

كل شئ به رهين انتقال

كل ذرات هذه الأرض دوما

في احتدام وثورة واشتعال

لا يغرنك في الجبال سكون

قد يجيء السكون بالزلزال

ليس ذاك الثبات في الفلك الدا

ثر إلا من خدعة الانظار

لأنني في المسير قافلة الكو

ن ولا تنتهي من الأسفار

عالم دائم التجدد موار ال

خطي ليس في الطريق بوان

لا يمل التغيير إلا خمول

ليس يدري ما لذة الطيران

الحياة الجهاد والجد والوث

ية والعزم ماضيا والبكور

يقطف الزهر في الفروع ولكن

فوق تلك الفروع تنمو زهور

" إقبال" يعرف هذه الحقيقة ، ويخلق لها من الطبيعة اجمل الصور واحدث التشبيهات ، ليزيل اليأس المظلم بنور الأمل المشرق ، وفي هذه الآبيات دقة هذه المعاني متجلية ، تريك الحياة مائلة في تغيرها من جميل إلي اجمل ومن حسن إلي احسن . فهو يخاطب النجم الذي يلمع في ظلام حالك مضطربا في القبة الزرقاء ، قائلا لملك تخشى فناء حياتك باشراق الصباح ، فلذلك تقضي ليلك في فزع ، ويقول المسافر في رحلة الدنيا إن موت البراعم حياة للزهور :

فناء ملايين النجوم مبشر

بأنوارث شمس في السموات تولد

ونوم الردي سكر سيعقب نشوة

بخمر حياة في الخلود تجدد

وتوديع أيام البراعيم مؤذن

يخلق الزهور الباسمات جمالا

ومصنع هذا الكون بالخلق دائر

فإني أري فيه السكون محالا

وليس سوي التغيير في الكون ثابت

بغير حالا ثم ينشيء حالا

سبق لنا أن تحدث "إقبال" في صور مختلفة عن خلود الحياة الإنسانية ؛ والأن تامل إلي النهر الذي ينحدر من القمم المرتفعة في ملاءته البيضاء ، هابطا كسلاسل الفضة ، مرسلا من خريره نغما شجيا يتعلم منه البلبل ترجيع الحانه ، حتى إذا هبط إلي السفوح والوديان تفرقت قطرانه كما يتفرق الألاف ، وكانك لا تري الآن من ذلك الماء السلسال شيئا ، فإذا سرت قليلا بعد ذلك بين الرمال رأيت النهر متجليا في حلاء الفضية يسقي من حوله الغابات والاعشاب كذلك مهر الحياة يهبط من سمائها ثم يغيب حينا ليظهر منسقا في مجري الخلود . ويقدم لنا هذه الصورة الانيقة :

من رؤوس الجبال ينحدر النه

                 ر طروب الأمواج عذب الأناني

ينقل الطير عنه بين الروابي

                  ما يبث الغصون من الحان

كجدود الحور الحسان تراه

في صفاء البلور حلو الحرير

ثم تمضي تلك المياه ضياعا

في تلال منثورة وصخور

قطرات من النمير طوتها

في ثنايا الرمال أيدي الفراق .

ثم تجري بها الينابيع في الأر

ض فتحظى بعد النوي بالتلاقي

فإذا النهر بعد ذلك في

مجراء محيي الزهور والأعشابا

فضة تغبت الزمرد في الأر

ض ونسقي النخيل والأعنابا

وحياة الانسان شهر سماوي

نوالت بسيره الأقدار

كلما غاض ماؤه عاد فيما

ضا فما ينقضي له تيار

شعلة النفس لا تصير رمادا

ضوؤها خالد علي الآزمان

كل شئ يمضي وكل حياة

تنقضي غير جوهر الانسان

ويطالعنا " إقبال" ببرهان عميق يحملنا على الاذعان والتصديق ، ويزيد الإيمان في انفسنا جلاء ووضوحا ، وذلك ان الحرص على الحياة وتنازع البقاء مركز في جميع طباع الأحياء ، ومستقر في غرائر الكائنات ، وكان القدرة بذلك نقشت سر الخلود في حب الحياة . وعموم الموت وشموله بدلنا على انه لا يؤثر في حقيقة الوجود ، وانه لا يزيد عن كونه امرا عرضيا كالنوم الذي لا يؤثر في حبوبة النائم ؛ وإلى هذا المعنى يشير بقوله :

سر الخلود جري مع الدم في العرو

ق وخالط الأرواح والأحياء

لم تحيينا الرحمن في الدنيا سدي

وهو الحكيم مشيئة وقضاء

لما رأيت الموت يشملنا علم

ت بأنه لن يستحيل فناء

الموت مثل النوم يبدأ سكرة

ويعود صحوا دائما وبقاء

في علوم الطبيعة لا توجد قيمة خاصة للحياة الإنسانية ، وليس للانسان شأن خاص في هذه الكائنات ، ولكن الدين يعلمنا انه اشرف المخلوقات ، بل إن هذه الكائنات خلفت لأجله . وإذا كان هذا صحيحا فتأملوا إلي تلك النجوم التي تنير منذ ملايين السنين ، والتي تعجز العقول دون حساب اعمارها ، فلتوازنها بالإنسان الذي هو ابعد نظرا من النجوم ومما وراء الاهلاك . وليست السماء في سعة فطرته إلا نقطة ، ومقصد حياته أعلى من مقامات الملائكة ، ومن أنفاسه يتجلي النور في محافل القدرة ، وقد حمل الامانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملها وأشفقن منها . فهل تحيا هذه النجوم كل هذا العمر الطويل ، والإنسان الذي يساويها بقلامة ظفره بغني في لحظة . ؟ وهل هو اقل من

هذه الذرات اللامعة حتي تبقى هي في لمعانها ثم يمحي ضوؤه في لمحة . . ؟

يا أيها المسلم إن

الأرض والسماء لك

ضياؤك القدمي اع

لي من شرارات الفلك

ما جئت في الدنيا لته

بي وهي بالخلد تدوم

هل تصبح الشمس أقل

قيمة من النجوم ؟

تأملوا إلي حقيقة البذور عندما غطيت بتراب الأرض ، لم تضمحل تحت الثري ، ولم ينضب معين حبوبتها وهي دفينة في ترابها . بل كانت في تفاعلها مضطرية للنشوة والنماء ، وشعلة الحياة المستورة في وجودها لم تنطفئ من تلك الظلمات ، بل تمت وترعرعت وتفتحت اكمامها بالزهور الباسمات عن اجمل الالوان وعطر النسيم ، حتى أوحت إلي نفس الشاعر هذه الآبيات :

لقد دفنوا في التراب البذور

فلم تفن في لحدها الهامد

ولم تنطقئ نارها في الحياة

على طول مرقدها البارد

لقد نسجت للحياة القيام

وصاغت من الزهر أبهي حلاء

ثم غصتها زاهرا واستفادت

من الموت تجديد ذوق الحياء

اشترك في نشرتنا البريدية