كان " ملتن " مخلصا لأفلاطونيته وكان يري أن كثرة التدبر وإمعان النظر في " معاني " افلاطون كفيلة بأن يخلق في النفس ذلك الدافع الالهي الذي يهدي الانسان سواء السبيل . وهنا نلتقي الأفلاطونية والدين في نفس واحدة . ثم لقد كان يري أن المعرفة في نفسها ينبغي أن تكون ذريعة من ذرائع الفضيلة وانها ينبغي ان تخلق في نفس الانسان إرادة تسيطر على حياته الخلقية . فكل معارف الانسان يجب أن تكون سبيلا لادراك الأمثلة العليا التي اثبتها افلاطون . وكلما كسب الانسان معرفة كان جديرا به ان يتقدم وتهدأ نحو تلك المثل حتى يبلغ حالة ادني إلي الكمال . وليست العفة ولا الفضيلة إلا واحدا من تلك المثل . فكل تفكير المرء في المرأة جدير بأن يتقدم به نحو حالة مثالية بينه وبينها ؛ وهي حالة نبيلة فيها الحب العذري الكريم ، وفيها الطهارة السامية والوقار الإنساني .
ثم هو في إحدى مباهجه (١) يعالج تلك الافلاطونية معالجة الواثق الوقور . وكان لم يفيف على الخامسة والعشرين إلا قليلا حينما كتب comus. حيث صور فيها الفضيلة آمنة مطمئنة وسط عاصف عنيف من التضليل والأغراء . فهو يصور فيها فتاة ضلت الطريق في غاب واسع موحش ، وهي تلتقي بروح الشر نفسه . وكان " كومس " comus الذي التقت به ، هو الرذيلة في اشد صورها إغراء ؛ من ذلك لم يستطع ان ينال منها مأربا ؛ ذلك بأن الفتاة في كل ذلك كانت تمثل حالة عقلية خاصة هي التي صدت الرذيلة صدا
والحالة العقلية عند " ملتن " هي التي تقيم الفضيلة في النفس ، فإذا هي مالت أو التوت ذهب الانسان نهيا مقسما بين الهوي وبين الخداع .
كان في الخامسة والعشرين أو يزيد حينما صور الفضيلة هذا التصوير . ولكن اين العنصر الشخصي في كل ذلك ؟ لم يكن "ملتن " إلا تلك الفتاة ، لأنه استطاع وهو في تلك السن أن يصد عن نفسه كل لون من ألوان الأغراء . انتهب غيره ملذات الحياة وعب غيره منها تبا ؛ لكنه كان وهو فتي في ورع الكهل ، فهو لم يخلق لكون نهيا مقسما ومن الهوي وبين الأغراء . بل صدف عن مزالق الشباب واستعان على الشر بقوة التفكير وقوة الارادة وقوة الخلق . واستطاع ان يعيش زكي النفس ، لا تأخذ منه الرذيلة ولا يستهويه شيطان يخلو إليه .
وإذا نحن المنيتا بعد ذلك إلي كبري آبانه وهي " الفردوس المفقود" (١) يزيد تلك الصورة وضوحا ، وتحس وانت تقرأ تلك الملحمة أنك أمام صورة من خيال الشعر . وهو يصور الفردوس حينما كان يعيش فيه آدم وحواء قبل أن يقربا الشجرة المحرمة . وتسري في "الفردوس المفقود" فكرة مزدوجة هي التي تؤلف فلسفة " ملتن " في المرأة . أما هذه الفكرة فهي تتألف الإحساس الجنسي من ناحية والمعرفة من ناحية اخرى . وبين ادم وحواء او شاح من الحب النبيل، وحواء نفسها لم تكن إلا صورة من العاج والذهب بينها وبين آدم ذلك التعاطف الكريم : يسكن إليها وتسكن إليه ؟ بل هما قد سلبا معرفة
الشر لأن الشر لم يدنس تلك الجنة الطهور ؛ وهما لم يفرقا بين الطيب وبين الخبيث لان حبانهما كانت طيبة متصلة . وهما لم يعرف الرذيلة لأن حياتهما كانت خلوا مما يميز بين الفضيلة وبين الرذيلة
تلك الصورة النبيلة التي صورها " ملتن " في الجزء الرابع من " الفردوس المفقود " وهي صورة من الحب الروحاني حيث يجد الرجل والرأة تناسقا أو تألفا بين روحيهما ، وحيث كان الغرام الجنسي نفحة من نفحات الله وسرا مقدسا من أسراره . فكان الحب شيئا يتصل بالإلهام أو الايحاء ، لكنه لا يتصل بالعلم ولا بالتدبير
وقد أفاض " ملتن " على صورة حواء جلالا وجمالا تحدرا إليه في اصول الأدب الأوربي ؛ فحواء في " الفردوس المفقود " تشبه المرأة في خيال العصور الوسطى حينما كانت النساء فاتنات هاجدات يبعثن في نفوس الرجال شعور النجدة والنخوة والإقدام
وكأنما لم ينس " ملتن " وهو في سن السنتين ما كان يؤمن به ، وهو في الخامسة والعشرين وهذه الصورة التي صورها في " الفردوس المفقود " تشاكل النفسية الطاهرة النقية التي املت عليه comus ; فهو قد انتزع ذلك الخيال من كل الذي اختلف على عقله من فلسفة الافلاطونية ، ومن طهارة الدين . فأنت تحس بالشاعر مائلا في كل تلك الصورة التي رسمها في قصيدته .
لكن " ملتن " لا يطمئن طويلا إلي ذلك الخيال الروحي الذي اقامه في comus والذي تبلج في الشطر الأول من " الفردس المفقود" ذلك بأنه يهوي من ذلك الخيال فير تعلم بالواقع ، وهو يهوي من ناحية الروح إلي ناحية اللحم والدم . وهو يصدف عن الخيال مدحورا فيلتقي بالحقائق الجامدة
و" ملتن " يرسم لك صورة اخري لادم وحواء بعد
أن يقربا من الشجرة التي حرم الله عليهما ، وبعد أن يأكل الإثنان تتفتح عيونهما على صورة من صور الشهوة والأثم . فهما يدركان الخجل لأول مرة ، ويعرفان ان هناك شيئا اسمه عار . وتشحذ تلك الاكلة احساسهما الجنسي فيسرفان على نفسيهما ، ثم يدركان ان ذلك النيل الروحي قد تزايل ، وأنه قد خلى بينهما وبين تلك العذوبة الروحية التي كانما يتذوقانها عن جهالة قبل ان يقربا الشجرة التى حرم الله .
لقد أوتي آدم وحواء بعد الخطيئة العلم بالخير والشر ، وبالفضيلة والرذيلة ، وكان الشيطان هو الذي اغري بهما ; فهبطا إلي الأرض حيث اضطربا في نواحيها ، يصيبان وأولادهما الرزق . وكذلك هبط " ملتن " من علياء خياله إلى الحقائق الدنيا ، وعرف ان الصورة التي رسمها وهو في سن الخامسة والعشرين لم تكن صورة كاملة للعلائق بين المرأة والرجل . كان يتحدث حينذاك عن الغرام الروحي كفن ، لكنه لم يكن يعلم انه قد كف نفسه شططا . وحينما كتب " الفردوس المفقود " وهو يتقدم إلي سن الستين كان يعلم ان لحقائق الحياة مرارة ، وان إلي جانب الحب المعنوي شهوة بهيمية قد تطغي عليه . وبين الخامسة والعشرين وبين الستين كان " ملتن " قد عرف مرارة الفشل وادرك ان العلاقة الجنسية ليست هي العفة وحدها ولا النيل وحده ولا الفضيلة فحسب .
وإذا فقد انتهى الكفاح بين العاطفة والعقل بهزيمة العاطفة ؛ وإذا فقد برزت أمام " ملتن " تلك الحقائق ، فهبط خياله على قصة اخري من قصص الانحيل ، واستخرج منها مسرحية ، هي التي أسماها " كفاح شمشون " (١) وهي تمثل الفشل الذي لقيه ملتن في حياته الدينية والسياسية . وفي الحق لقد كانت تلك السرحية خاتمة تمثل السنين الأخيرة من حياة ملتن ادق تمثيل . كانت زفرة من تلك الزفرات التي يرسلها المحزون حينما يدلهم عليه الخطب وحينما
يري مثله العليا تنهار جميعا . وبين " شمشون " وبين " ملتن " كثير من علائق التشابه . فقد كان شمشون قويا قذف الرعب في قلوب اعدائه ؛ وكان ملتن قويا يخشاه اعداؤه ، وفقد شمشون بصره ، وكذلك فقد ملتن بصره في سنة ١٦٥٢ ، وانتهت حياة شمشون بأن أسلم الأمر لله ، وكذلك فعل ملتن ؛ فقد رجع شارول الثاني في سنة ١٦٦٠ ومشت في ركابه الكتلكة وقضي على المتطهرين . وكذلك قبع في عقر داره محزونا ضريرا ينعي ذلك الخيال السامق الذي أقامه على فلسفة أفسدتها حقائق الحياة .
والمرأة كانت في " شمشون " عاملا من عوامل ذلك الفشل المروع . فقد حسب شمشون أن زوجه دليلة ستكون ترة به مخلصة له فخاب قاله . وصور ملتن المرأة في تلك المسرحية كما يكون المشاء النمام
أما شمشون فهو مازال قويا على الرغم من كل ما أصابه من الم لاذع يحز في النفس ، وإشفاق ممض يكاد يبعث اليأس والأسي . على أنه يتعلق بقوة عقله التي لا تصدع بإغراء دليلة ، وما يزال بأعدائه حتى يرديهم حتفهم جميعا ، ويموت معهم في صعيد واحد
ولم يكن شمشون في كل ذلك إلا صورة تمثل ملتن نفسه ، وهو يصب جام غضبه على المرأة ما شاءت له الأيام المنكودة التي عاشها بعد أن أخطأه التوفيق .
وكذلك نري " ملتن " موزعا بين عاطفة شديدة تهفو للمرأة حينا ، وتبو عنها في أحيان أخري . وهو لم يكن يعبر في كل ذلك إلا عن تجارب خاصة . فهو في مبدأ حياته كان افلاطونيا متدينا ، يقدر العفة ويدعو إلي الفضيلة . على ان كل الذي كان يكتبه إنما يصدر عن شعور جنسي حاد يهذبه الخيال . وهو في اخريات ايامه صور المرأة في صورة الشيطان الذي يسعي بالنميمة والوقيعة والرباء .
ولكن ما شأن حياة ملتن وكل هذا ؟ إن في حياته مواطن جديرة بالتغطن والندبر . فإنه لم يوفق في حياته الزوجية ، فقد تزوج وهو في الخامسة والثلاثين من "ماري ياول " mary powell وقضت معه سبعة أيام ، بعد ليلة العرس تبين خلالها ان الفرق عريض بين الحقيقة والخيال . فقد كان يرجو الأمن والطمأنينة ، وهو لم يجد عندها أمنا ولا طمأنينة . وكان يريد شيئا ينسقي بينه وبينها ، فإذا هي مختلف عنه حتى في المذهب السياسي لذلك شجر بينهما خلاف عنيف أدى إلي الفرقة المؤقتة وغضب "ملتن" أشد الغضب حتى لقد كتب في تلك الفترة يؤيد الطلاق في المسيحية . وماتت "ماري ياول " في سنة ١٦٥٢ اي في نفس السنة التي فقد فيها بصره . وتزوج بعدها من ثلاث اخريات لم يكن لهن من الأثر في نفسه أكثر مما خلقته زوجه الأولى .
ولأنه لم يوفق في حياته الزوجية الأولى ، ولأنه لم يلق من النساء اللاتي عاشرته ذلك التعاطف الذي كبر في وهمه ، فقد وجد ملتن موجدة صاخبة على بنات حواء . ولذلك فقد انتج هاتين الصورتين اللتين حاولنا ان نزجيهما إليك صورة المرأة في جلالها وجمالها ، وصورة المرأة في حياتها البهيمية العمياء ، صورة الحب كفن والحب كعلم ، أو قل صورة الغرام القدسي وصورة الشهوة العاتية . ونرجو ان نكون قد تأثرنا العلاقة بين حياة ملتن الخاصة وبين كل ذلك . لأنه كما أسلفنا مثل للشعراء الذين أحالوا مشاكلهم الخاصة إلي مشاكل عالمية شغلوا بها الناس
والمرأة التي صورها ملتن ذلك التصور المتناقض لم تكن إلا نتاجا لدراساته المختلفة ولايمانه القوي بالأفلاطونية من جانب ، وبالدين من جانب اخر . وليس التناقض بين الصورتين إلا مثلا لذلك الكفاح الحاد الذي قام بين العاطفة والعقل في نفس ذلك الشاعر العبقري .

